الإنسان السوي

نشر فى : الأثنين 20-08-2018 - عدد القراءات : 1
كتب بواسطة : وليد خالد الزيدي

في إحدى خطب صلاة الجمعة من الصحن الحسيني الشريف،قبل أيام،عن مسببات الفوضى وغياب الوازع الأخلاقي لدى كثير من الأشخاص،حيث تعمقت في مشاكل إنسانية،وامراض اجتماعية طفت على سطح الأحداث الجارية في بلدنا،وشخصت قضية جوهرية تمس حياة العراقيين وتدخل في صميم معاناتهم،حينما انتقدت ما وصفته،بـ"حالة الفوضى الأخلاقية"التي يشهدها الشارع العراقي،كعدم احترام قوانين التعامل مع موظفي الدولة وتهديدهم بالقتل،يقابله عدم اكتراث الموظف لتقديم خدمة ما للناس،فضلا عن تردي مستوى الأداء التربوي والعلمي لكثير من الطلبة وبمختلف المستويات الثانوية والجامعية،وغياب التوازن المطلوب في علاقة الطالب بأستاذه،وضعف القيم الاجتماعية بينهما،ومشاكل أخرى في الغش اثناء التبادل التجاري في السوق ومشاجرات الشوارع والخيانة ونكران الجميل،وغيرها من الأمور.

المرجعية الدينية في تلك القضية وضعت اصبعا على جرح عميق،مع أنها تطرقت إلى الأمر بإشارات عامة وخطوط عريضة،لكنها أصابت كبد الحقيقة،بكل ما تحمل من مرارة وشجون ،داعية كل الأطراف إلى ضرورة تحمل مسؤولياتها تجاه تلك الامراض،كالدولة،ومؤسساتها والمجتمع بأسره،لإعادة بناء الإنسان وتنمية شخصيته. وبالعودة لما يحدث في زوايا متعددة من حياة مجتمعنا،نجد كثيرا من الأمراض تحولت إلى ظواهر،أفضت صورا واضحة من التحلل المجتمعي والتفكك الأسري،وفقدان ثقة الآباء بأبنائهم،وضعف مستوى التودد بينهم.

وتبرز هنا أهم المشاريع البشرية لكل مجتمعات الأرض،وهو مشروع بناء الإنسان الذي يعتمد سلامة الناس غاية،ويعده قانونا أعلى للحياة،ولا اعتقد إن الأمر يتعلق بالحكومة فقط،إنما هو مشروع حياتي اجتماعي شامل،ومنهج إنساني متكامل،من جميع جهاته،إذ ليس بالضرورة أن تبني الحكومة بمفردها انسانا،لكن بإمكان الإنسان أن يبني حكومة ناجحة،طالما انتمى لمجتمع مبن على أسس  قيمية سليمة،وعلاقات قوية مستقيمة،ينتج منها في تلك الحال حكومة فاضلة،تعلمنا كيف نصنع شخصيتنا،ونحفز جوهر إنسانيتنا،فأفضل النظم تلك التي تعلمنا كيف نحكم أنفسنا،وعظمة الأمم تكمن في المزايا التي تؤلف عظمة افرادها.

ومن المعلوم إن أداء الفرد في مجتمعه تحدده الأطر العامة والأعراف المتوارثة والقيم المتأصلة،فليس بالضرورة أن تضع الحكومات برامج تخص البناء النفسي أو الأخلاقي أو القيمي للأفراد بقدر مساهمتها في بناء الإنسان من خلال تنفيذ القوانين وتنظيم علاقتها بالتشريعات،وبالتالي تكون مهمتها الحد من جرائم الانحراف والجنوح والشذوذ والإخلال بمنظومة العلاقات الاجتماعية،ومخالفة تقاليد المجتمع المتجذرة،والعمل على استقرار أوضاع البلاد،امنيا واقتصاديا ومعيشيا وثقافيا،فضلا عن تنفيذ برامج الإصلاح وتحقيق مبدأ العدالة ،وبذلك يمكن القول إن الحكومة تسهم في الاستقرار النفسي وتحقيق الذات لكل فرد في المجتمع،بيد إن كثيرا من النظم الاجتماعية في دول متقدمة تسير بمسارات سليمة مستقرة تجعل من مناهج حكوماتها تقتصر على إجراءات برتوكولية وعلاقات سياسية وبرامج تنفيذيةوروابط اقتصادية.

وتاريخ العالم بأسره ليس سوى سيرة رجال عظماء قادة،ومواطنين،فجماعة مبدأها التقدم والإصلاح،وأخرى مبدأها النظام والاستقرار،كلها ضرورية لبناء فرد مستقيم،حينما تعتمد أصلا على الإنسان وجعله قيمة عليا وغاية اسمى وهدفا منشودا لا وسيلة لإغراضها سيدا عليها لا عبدا لها. إذن فمشروع بناء الإنسان في بلدنا مسألة تضامنية،ذات برامج تفاعلية،تشمل ادوار جميع اطراف المجتمع،بالإضافة إلى الدولة،تدخل الهيئات التشريعية ومنظمات حقوق الإنسان وحرياته،ضمن إطار هذا المشروع،وكذلك وحدات البناء المجتمعي لها أدوار عدة،بكل شرائحها،فالأسرة والجماعة ووجهاء القوم والجهات الدينية والأوساط الشعبية والثقافية والأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني،لها أدواتها المؤثرة في هذا البناء الكبير.

المزيد من المقالات

آخر التعليقات