التظاهرات الشعبية بين الحقوق والحلول العاقلة

نشر فى : الأربعاء 18-07-2018 - عدد القراءات : 28
كتب بواسطة : علي حسن الفواز

تكشف التظاهرات الواسعة التي انطلقت في عديد المدن العراقية في الوسط والجنوب عن وجود مشكلات حقيقية، وعن معطيات لمظاهر سوء التخطيط، على المستوى التنظيمي، وعلى المستوى الخدماتي، وبقطع النظر عن اندساس بعض اصحاب النوايا، والمرتبطين بأجندات معينة، فإنّ الواقع العراقي يؤكد واقعية هذه المشكلات وضعف ورثاثة المسؤوليات السياسية والادارية والتخطيطية في هذه المدن، فالخدمات العامة مثل الصحة والكهرباء والماء والعمل ترتبط مباشرة بالتخطيط، وبمعرفة الحاجة الى مثل هذه الخدمات، والتعاطي معها ضمن الخطط والبرامج والمشاريع السنوية أو التدبّرية..

إنّ مايجري في هذه المحافظات، يعكس مدى اللامهنية التي تُدار بها مؤسساتها الخدمية، وعدم أهلية أغلب المسؤولين عليها، فضلا عن مايشوبها من مظاهر مرعبة للفساد والاهمال والعشوائية، وهي أمور تتطلب الجدية والمسؤوليات الوطنية والتخطيطية، وبعكسه فإنّ تضخم مثل هذه المشكلات، وتحولها الى احتجاجات عنفية، والى عصيانات قد تقود البلد ومدنه الى المجهول، لاسيما وأنّ هناك كثيرا من العوامل الداخلية والاقليمية، وحتى الدولية لها مصالح في تصاعد مثل هذه الاحتجاجات والتظاهرات..

الحديث عن الجانب الدستوري والحقوقي للتظاهرات الشعبية لايعفي ضرورة الوقوف على أسبابها، والتعرّف على طبيعة هذه المشكلات، والعمل على منع تراكمها وعدم معالجتها، لاسيما وأنّ مشكلات مثل الكهرباء والماء والبلديات والصحة ليست جديدة، ولم تشهد اجراءات حقيقية لمعالجتها، رغم الاموال الكبيرة التي صرفت من أجلها..

الفساد بوصفه مشكلةً وطنية..
علاقة الفشل الاداري بالفساد هو الحقيقي لطبيعة هذه المشكلات وتضخمها، فالفساد لايعني بالضرورة هو السرقة العلنية أو السرية للمال العام، بل يعني كثيرا عدم وجود الكفاءات والخبرات في ادارة الملفات الخدماتية في عديد المحافظات العراقية، فضلا عن غياب التخطيط السنوي والتخطيط الخمسي وغيرهما من البرامج التخطيطية، وربط ذلك بالجدوى، والانجاز، والسقوف الزمنية لانجاز المشاريع المُخطط لها..

غياب هذه المعطيات يعني اللجوء الى المعالجات العشوائية، والى الحلول المُلفقة، والتي ستكون مجالا مفتوحا لمزيد من الفساد، ولتردي الخدمات والبرامج، وهو مابات واضحا بسبب تراكم هذه المشكلات، مع غياب اية اجراءات حقيقية لمعرفة خصوصية هذه المحافظة أو تلك، لا سيما تلك المحافظات التي تزخر بطاقات بشرية، وبمؤسسات حقيقية، والتي كان لحضورها دور فاعل في التنميات الوطنية، ففي مدينة البصرة هناك عديد من المصانع الكبرى مثل البتروكيميات، والسمنت والورق والسكر وغيرها، والتي كان يعمل فيها أكثر من مئة عامل وموظف وبمستويات متعددة، وأنّ عطالة هذه المصانع مقابل تضخيم الاستيرادات العشوائية يثير كثيرا من الاسئلة عن طبيعة الجهات التي تقف وراء ذلك، وضرورة العمل على معالجة هذا الواقع من خلال اجراء المسوح والدراسات العملية والعلمية والتي يمكن أن تُعيد الحياة اليها، وأنْ تُسهم في التخفيف من عبء البطالة، ومن تضخم الاستيراد غير الضروري، وبإتجاه دعم برامج التنمية في المحافظة.

وهذا مايمكن تعميمه على محافظات أخرى تملك مجالات عملياتية يمكن أنْ يُعاد النظر فيها، والتعاطي معها كحقائق تتطلب ارادات سياسية واقتصادية، والى تخطيط واقعي يمكن أنْ يُعزِز مسار الصناعات الوطنية وحضورها، وقطع يد الفساد والفاسدين ممن وجدوا في عشوائيات الاستيراد العبثي مجالا لتعطيل التنمية الوطنية وقطاعاتها الاقتصادية العامة والخاصة، فضلا عن تضخيم البطالة، وتوطين الازمات والمشكلات في الحياة العراقية..

الحلول العاقلة
النظر الى التظاهرات بعين عاقلة سيُفضي بالضرورة الى حلول عاقلة، فتردي الخدمات في هذه المحافظات واضح للعيان، وهو يتطلب اجراءات تستند الى التخطيط، وليس الى خيار سد الذرائع، حتى لاتتكرر ذات المشكلات في العام القادم، والتعاطي مع الجانب الحقوقي والدستوري للمتظاهرين بمواقف مسؤولة، تقوم على حماية المال العام وعلى المتظاهرين، وتأطير هذه العلاقة في سياقات الديمقراطية، حتى تتكرس هذه الديمقراطية من جانب، مقابل كشف الذين يعمدون الى الاضرار بها، وبالمال الوطني وتشويه هذه الحقوق والاستحقاقات التي تحتاجها المدن العراقية عموما..

إنّ العمل على تبني السترايجيات الوطنية والخطط القابلة للتنفيذ هو الخيار العملي، وهو التوجّه الذي ينبغي أنْ نؤسس عليه رهاناتنا الوطنية، وأن تتم اعادة النظر، وعلى وفق اسس مهنية وقانونية بعمل مجالس المحافظات، فهي مؤسسات مترهلة من جانب، وذات طابع حزبوي وتفتقد للمهنية بشكل عام من جانب آخر، فضلا عن العمل على تأطير عمل وانجاز المشاريع الكبرى في المحافظات بسقوف زمنية، ومن جهات معروفة وبعيدة عن لعبة المزايدات التي تكرست للاسف في الخدماتي، والتنسيق الفاعل والاشراف العملي من قبل جهات برلمانية متخخصة، فضلا عن مشاركة المجتمع المدني في ذلك، وأنْ يتم الاعلان عن هذه المشاريع في وسائل الاعلام لكي تكون واضحة ومعروفة، وخاضعة لرقابة الرأي العام الذي يحتاج مثل هذه المشاريع في التقليل من معاناته والحد من مشكلاته التي تضخمت وصارت عبئا وطنيا ضاغطا..

المزيد من المقالات

آخر التعليقات