ضرورة الثقافة الدستورية

نشر فى : الخميس 12-07-2018 - عدد القراءات : 5
كتب بواسطة : سلام مكي

اذا كانت الثقافة القانونية ضرورية للأفراد، فإن الثقافة الدستورية ضرورية للكتل السياسية والسياسيين الذين يتولون مناصب في الدولة، ان طبيعة عملهم ينظمها الدستور بصورة مباشرة عبر تطبيق نصوصه او بصورة غير مباشرة عبر تطبيق القوانين التي شرعت وفق الدستور.

وتسهم الثقافة الدستورية في تنظيم عملية التقاضي ومزاولة العمل السياسي بشكل منظم، مما يسهم بخلق عملية سياسية ناضجة، قائمة على أسس دستورية وقانونية.

ولعل التقاضي امام المحكمة الاتحادية كشف عن مدى الحاجة الى قراءة الدستور، قراءة فاحصة دقيقة، والاطلاع على النصوص الدستورية التي تنظم عمل المحكمة وترسم لها الخطوط التي تسير عليها، حيث ان كثرة اللجوء الى المحكمة من قبل بعض الكتل السياسية للطعن بالقوانين والقرارات التي يصدرها مجلس النواب، وبشكل غير مسبوق، ولدواع اغلبها سياسية وليست قانونية، اسهم بإرباك عمل المحكمة من جانب ان الكتل السياسية تريد من المحكمة ان تصدر قراراتها وفق اهوائها ورغباتها وحين لا يتم  ذلك، تلجأ تلك الكتل الى تشويه صورة المحكمة امام الرأي العام. من جانب آخر فإن الكثير من الدعاوى التي تقام امام المحكمة ترد شكلا، بمعنى ان المحكمة تصدر حكما بأنها الموضوع المرفوع امامها لا يدخل ضمن اختصاصاتها.

وهذا يعني ان الجهة التي رفعت الدعوى تجهل طبيعة اختصاصات المحكمة التي نصت عليها المادة93 من الدستور وحدد النظام الداخلي الآليات التي يتم بموجبها الترافع.

ولو لاحظنا موقع المحكمة الاتحادية لوجدنا ان عدم توفر الثقافة الدستورية لدى بعض المتداعين امام المحكمة الاتحادية امر شائع ومستمر للأسف. فمثلا نجد خبرا يقول: ان النظر بالطلبات المتعلقة بالمصادقة على نتائج الانتخابات امر غير ممكن قبل ورود النتائج النهائية من المفوضية. فلو تم الاطلاع على المادة93 فقرة سابعا وقراءتها بشكل سليم، لما كانت هنالك حاجة الى اللجوء الى المحكمة الاتحادية أصلا، حيث ان هذه الفقرة تنص على ان من صلاحيات المحكمة الاتحادية هو المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات.

والنتائج النهائية تعني وحسب تفسيرات المحكمة الاتحادية، الانتهاء من الطعون المقدمة للمفوضية وانتهاء عمل اللجنة القضائية التي يتم تمييز القرارات الصادرة من مجلس المفوضين، وبعدها تتم المصادقة على نتائج الانتخابات. وفي خبر آخر، فإن المحكمة الاتحادية تحدد الجهة المختصة بالبت في المنازعات بين مرشحي الانتخابات! وهو أمر كان من الممكن عدم اللجوء الى المحكمة الاتحادية لو تم الرجوع الى قانون المفوضية الذي نص وبشكل واضح على الآليات التي يتم من خلالها حل النزاعات بين المرشحين! وقد بين القاضي مدحت المحمود في كتابه المهم( القضاء في العراق.. دراسة استعراضية للتشريعات القضائية في العراق) ان عدم المام مراجعي المحكمة بمهامها وكيفية تقديم الطعون فيها، وهو احد المصاعب التي واجهتها المحكمة منذ تشكيلها ولغاية اليوم.

ولا تقتصر أهمية الثقافة الدستورية على هذا الجانب فقط، بل يفترض بأعضاء السلطة التشريعية ان يكونوا على قدر كبير من فهم الدستور وفهم مقاصد المشرع، لاسيما ان عملهم يستدعي تشريع قوانين مطابقة للدستور ولا تخالفه، إضافة الى تشخيص مكامن الخلل فيه بغية وضع الآليات التي يمكن من خلالها تجاوز ذلك الخلل. الثقافة الدستورية ضرورية للجميع، فهي بمثابة وقاية من كل ما من شأنه المساس بالدستور وبالثوابت التشريعية التي يرتكز عليها النظام القضائي والدستوري والاجتماعي للبلد.

ومسؤولية إشاعة هذه الثقافة تقع على عاتق الجميع، خصوصا المختصين بالقانون، فعليهم يقع عبء مراجعة نصوص الدستور، والتذكير بأهمية الثقافة الدستورية، ودورها في التشريع والتقاضي امام القضاء الدستوري المتمثل بالمحكمة الاتحادية التي تتولى الفصل في المنازعات بشأن مدى دستورية القوانين التي يصدرها مجلس النواب.

كما ان على البرلمان أيضا مسؤولية تثقيف أعضائه وتوجيههم نحو الاطلاع على الدستور بشكل مستمر.

المزيد من المقالات

آخر التعليقات