المحاصيل الصيفية مهددة بالجفاف وتنتظر الحلول

نشر فى : الثلاثاء 10-07-2018 - عدد القراءات : 24

بغداد / فجر محمد .....
كانت مزارع الرز والحنطة والشعير ومختلف المحاصيل تتسم بالانتشار في وسط وجنوب العراق لارتفاع درجات الحرارة فيها فضلا عن توفر المياه، لذا كان الفلاحون يقيمون منازلهم على بعد امتار منها كي يكونوا قريبين منها وقادرين على سقيها ومتابعتها بانتظام، ولطالما لفت منظر المزارع الرابضة على كتفي الشوارع العامة والطرقات السريعة الانظار بجمالها وخضرتها وزراعتها المتميزة اذ يمتع المسافر الى محافظات الوسط والجنوب ناظريه بالخضرة والحقول الجميلة، اما اليوم فقد تغير الوضع بشكل كبير، فمن الملاحظ قلة المساحات الخضراء بالمقارنة مع الجرداء القاحلة.

ويجلس الفلاح الستيني ماجد خضر  بالقرب من حقله المتواضع وهو يطالع منظر نباتاته التي يعتبرها كأولاده وينظر اليها بحسرة وألم وهي تقاسي اشعة الشمس الحارقة وقلة مناسيب المياه المخصصة لسقيها، وعلى مقربة من الخمسيني ماجد تقف زوجته امام تنور الطين لتعد الطعام لعائلتها المؤلفة من سبعة اولاد.

ويقول ماجد خضر بحسرة واضحة على صوته:"اخشى على حقلي المتواضع من ان ينهار امام موجة الجفاف التي بدأت بوادرها تلوح في الافق، اذ قمنا اليوم بتقليل مساحة الاراضي الصالحة للزراعة بسبب قلة المياه الواصلة الى حقولنا لاستفحال الازمة المائية، وعدم قدرتنا على توفير مياه كافية للنباتات".

وتشير اخر التقارير الاعلامية الى ان زراعة الارز بدأت تقل بشكل واضح في العراق بعد ان كان من الدول المتميزة بأنواعه واصنافه المختلفة، وذلك يعود الى قلة الحصص المائية المتوفرة لهذا المحصول، لذا هجر الكثير من الفلاحين هذه الزراعة وتوجهوا الى انواع تدر عليهم الارباح اكثر من هذه المحاصيل.

مهنة مهددة
ويضيق الخناق على الفلاحين ببطء اذ اصبحت مهنتهم التي تربوا عليها وورثوها من اجدادهم مهددة بالانقراض مالم تتخذ الاجراءات الكفيلة بالمعالجة الجذرية لمشكلة قلة التخصيص المائي.

 ويوضح ماجد ان الكثير من الفلاحين دقوا ناقوس الخطر منذ سنوات، اذ مع توارد الانباء وظهور المعطيات التي تدل على قلة الحصص المائية التي تسقى بها مزارعهم ونباتاتهم اخذوا يبحثون عن البدائل التي من شأنها ان تسد رمق عيشهم وعوائلهم.

الوكيل الفني لوزارة الزراعة الدكتور مهدي القيسي يعلل هذا الامر بقلة التخصيصات المائية التي اثرت في الخطتين الصيفية والشتوية معا، وهذه المشكلة ليست بالعابرة بل ان ازمة المياه حقيقية وتحتاج الى حلول ومعالجات، خصوصا وان هنالك مصالح مشتركة مع دول الجوار لذا بمقدور الجهات الحكومية ان تطالب هذه الدول بعدم المساس بالحصص المائية للعراق في مقابل الالتزام بالاتفاقات التجارية، وكذلك يقع على عاتق القضاء العراقي ان يستفيد من الاتفاقيات الدولية للمياه ويضعها نصب عينه لان الماء هبة الحياة ولا يمكن لأي كائن حي الاستغناء عنه، ومن الجدير بالذكر ان الخطة الصيفية للزراعة يجري تقليصها كل عام، ومن المحاصيل التي جرى تقليل زراعتها محصول الشلب الذي يحتاج الى كميات كبيرة من الماء، ومع هذا التقليص بالتاكيد سيتضرر الكثير من الفلاحين والخوف يزداد مع وجود سد اليسو التركي.

وزارة الموارد المائية عقدت في وقت سابق اجتماعا لمناقشة الوضع المائي، والازمة الحالية ونشرت عبر موقعها الالكتروني تفاصيل الاجتماع الذي بحثت فيه كيفية تأمين الاطلاقات المائية للمحافظات الواقعة على عمود نهر الفرات، وازالة التجاوزات على الحصص المائية المقررة لكل محافظة وتأمين وصولها الى ذنائب الانهر والجداول.

خوف وترقب
يظهر ظل علي الحفيد الاصغر للمزارع ماجد على الحائط وهو محمول على كتف جده الستيني ماجد الذي يقول:"بدأت اعود اولادي واحفادي على فكرة اختفاء حقلنا الصغير، وامكانية توجهنا الى مهنة اخرى تدر علينا المال اكثر من الزراعة التي اصبحت مهددة بالاندثار لذا لابد أن اهيئهم نفسيا لتقبل المهنة الجديدة. 

الباحث الاقتصادي والاكاديمي الدكتور فالح الزبيدي يقول:"ان ايقاف زراعة اصناف من المحاصيل الصيفية المحلية سيكون سببا لانتعاش سوق استيراد الخضراوات والفواكه ما يجعل اسواقنا مكانا للترويج وبيع المستورد، في حين كانت المنتجات المحلية  فيما مضى هي سيدة المائدة ومحط انظار واقبال المستهلكين، كما ان هذه الازمة اصبحت تهدد العديد من العوائل بحرمانهم من مصدر عيشهم".

المستشار الزراعي في مجلس النواب عادل المختار يشير الى ان هناك اكثر من 7 ملايين مواطن يسكنون على ضفتي نهر الفرات وهم معرضون لخطر الهجرة بسبب قلة المنسوب المائي، لذا لابد ان يعتاد هؤلاء الفلاحين على نمط جديد من الزراعة يساعدهم على توفير لقمة العيش والابتعاد عن مفهومي الاكتفاء الذاتي والامن الغذائي لعدم امكانية تحقيقهما في الظرف الحالي بسبب ازمة الصيف القاسية الناتجة من قلة واردات نهري دجلة والفرات وشح مياه الامطار.

بوادر الأزمة
لم يكن ماجد خضر يتذمر من سوء الحال لوحده بل هناك أسر كثيرة تعيش على ضفتي نهر الفرات تشكو من سوء الاحوال، ويشرح حاله و زملائه في هذه المهنة قائلا:"منذ ان بدأت بوادر الازمة الصيفية القاسية بالظهور ونحن نعيش حالة من القلق والخوف والترقب والتفكير بحلول تساعدنا على تجاوز هذه المشكلة، اذ بدأنا اولا بتقليل المساحات المزروعة ثم الاهتمام بالزراعة المغطاة التي تحتاج الى تقنيات وآليات حديثة، في حين ان هناك عددا من الفلاحين اتجهوا الى زراعة محاصيل مختلفة غير التي اعتادوا عليها، ولكن كل ما نقوم به هو لا يقارن بالمهمة الاكبر التي  تقع على عاتق الجهات ذات العلاقة كي يجدوا لنا الحلول الناجعة".

المختار بين ان النمط السابق في الزراعة والمعتمد على وفرة المياه لم يعد ممكنا، لذا لابد من اتخاذ وسائل وطرق بديلة ومنها تشجيع الزراعة المغطاة التي تستهلك كميات من المياه اقل من نظيرتها السابقة، وايضا تفعيل الانتاج الحيواني وجعله مصدر رزق آخر للفلاح فضلا عن تشغيل زوراق الصيد المتوقفة والبالغ عددها  1500 في جنوب البلاد، وايضا ضرورة التوقف عن زراعة الاسماك لانها تستهلك 350مليون متر مكعب من الماء.

قطاع متضرر
وبينما هو ينظر الى حقله والمحاصيل المزروعة فيه، يقول ماجد بحسرة وألم:"لا أتحسر على حال مزرعتي فقط بل أشكو هم الزراعة في البلاد وبساتين النخيل والرز وغيرها من المنتجات التي كنا نفخر بانتاجنا الكبير والمتميز اما اليوم فحال تلك المزارع يدفعني الى البكاء".
الباحث الاقتصادي والاكاديمي يلفت الى ان القطاع الزراعي في البلد قد تضرر بشكل كبير، اذ قلت بساتين النخيل ومحاصيلها من التمور التي كانت من اجود وارقى الانواع وحل محلها المستورد من دول الجوار، ففي السابق كان لدينا مايقارب الـ 33مليون نخلة اما اليوم فعددها 11مليون نخلة فقط واصبحت تقل تدريجيا بسبب الارتفاع الحاد بدرجات الحرارة فضلا عن المشاكل الاخرى التي  يتعرض لها النخيل، وكذلك محصول الرز الذي هو الان كغيره من المحاصيل المهددة بسبب قلة المناسيب المائية، لذا لابد من استثمار المياه الجوفية الموجودة بشكل صحيح لسد الحاجة المحلية في الارواء، فضلا عن الاهتمام بالاشجار بصورة عامة وعدم قطعها، و توفير الاسمدة والمبيدات والبذور من اجل انعاش القطاع الزراعي ومحاولة توفير الحماية للمنتج المحلي، كل هذه الاجراءات من شأنها انقاذ الزراعة في البلاد.

المزيد من تقارير و تحقيقات

آخر التعليقات