مغاوير برنامج طوارئ ملح

نشر فى : الأثنين 25-06-2018 - عدد القراءات : 37
كتب بواسطة : حسين فوزي

على الرغم من أن الآثار الحقيقية لبدء ملء سد تركيا الجديد على دجلة ستظهر بعد اسبوعين من بدء إملاء السد سواء في مطلع حزيران أو فيما بعد، فأن الحقيقة الرئيسة هي أن الأشقاء في إيران، سواء بفعل الجفاف الذي يضرب عموم المنطقة، أو خطط الحفاظ على مصادر المياه داخل الأراضي الإيرانية من خلال تحويل مجرى كل الأنهار التي تصب في الأراضي العراقية، فأن دجلة يتحول إلى شطيط، فيما نهر شط العرب يتحول إلى امتداد للخليج أكثر ملوحة من الخليج نفسه، بكل ما يعنيه من قتل جمعي لكل "الضرع والزرع" في بساتين البصرة التي أذهل "سوادها" المسلمين الأوائل بعد معركة كاظمة التاريخية.

والشيء المؤكد أن كل ما تستطيعه السلطات العراقية، وفي مقدمتها وزارة الموارد المائية، هو تخفيف الكارثة المحدقة بعض الشيء لا أكثر، فالعلاج المطلوب كان يتطلب خزن مبكر متراكم لكل قطرة مياه، سواء على مشارف المدن أو ابتكار وسائل أخرى للتخزين، لم يعد في الإمكان انجازها. ولم يبق سوى انتظار امتلاء خزان أليسو خلال مدة سنة، والأمل في استجابة "الأشقاء" الإيرانيين لحاجات العراقيين لإدامة حياتهم،

وينبغي أن يدرك كل مواطن، أن مشكلة المياه الراهنة، هي مسؤولية الحكومات المتعاقبة، جميعها فيما بعد الانقلاب على النظام الملكي الذي كان يعمل وفق برامج لتعظيم فرص الحفاظ على خضار وادي الرافدين بإقامة المشاريع الإروائية، التي كان منها سد الموصل الذي تم إنشاؤه في موقع خطأ بسبب حسابات سياسية خاطئة في معالجة المسألة الكردية، ليصبح هيكلاً ضخماً بدون قدرات حقيقة للعمل وفق طاقته الخزنية. بالتالي ينبغي الحذر من استسهال تحميل الحكومة الحالية ووزارة الموارد المائية مسؤولية الكارثة المحدقة.

وفي ظل الجفاف الخطير الذي نواجهه، وحقيقة المهام الصعبة التي يتحتم على حكومة ما بعد انتخابات 2018 التصدي لها، فأن الشيء المؤكد هو تنفيذ شعار "الإصلاح والبناء وتعزيز السلم الأهلي". وهذا المشروع يكتسب قيمة ملحة وتاريخية تتحمل مسؤوليته القيادة المرتقبة للبلاد. وهي قيادة لا ينبغي أن تكون طارئة على ما تحقق لحد الآن، بل المفترض أنها تبني على ما تحقق، وهو بناء لا يصح أن يتولاه غير من بدأ به تلبية لمطالب انتفاضة شباط 2011 وحراك 2014.

ولذلك فالقضية الكبرى الملحة قبل الحديث عن أسماء من سيتولون مقاعد الحكومة هو وضع برنامج حكومي موضوعي "قصير" الأمد ضمن منظور برنامج متوسط الأمد في إطار رؤية إستراتيجية لمعاناة الشعب العراقي واحتياجات بناء وطن معاصر يتخلص من الاقتصاد الريعي. وهذا يعني ليس مجرد تشغيل المؤسسات الإنتاجية والشركات العاطلة في القطاعين العام والخاص، إنما قبل ذلك:

1.   الوعي بحقيقة ان الحديث عن الخصخصة لن يؤتي ثماره بدون قطاع عام نشط يتصدر لمهام البنى التحتية، واعتماد القطاع المختلط منطلقاً لدعم القطاع الخاص للنهوض بمهام كبرى يعجز عن توليها لوحده.
2.   إعادة النظر في قوانين وإجراءات تشجيع إقامة المشاريع الصغيرة والاستثمار التي يشوبها الكثير من الفساد، على عكس ما تطلع له المشرع تعبيراً عن إرادة سلطات الدولة.
3.   تحديث الكتروني وتدقيق السجل الشخصي للعاملين في مجالي الجمارك والضريبة، حيث إنهما من اكثر مؤسسات الدولة فساداً، وترسيخ الوعي بالقيم الوطنية لما تهدف له هاتين المؤسستين من رفد المواطن للبلاد في مجال الإنتاج والتكليف بالمشاركة في تحمل أعباء الإنفاق.
4.   تشخيص حقيقة أن ترهل جهاز الدولة الوظيفي بحاجة إلى برمجة لن تتحقق بدون: أ. إقامة مشاريع إنتاجية مجدية.
 ب. إعادة تأهيل العاملين بناء على حاجة الإنتاج.
ج. التعامل مع الجامعات وفروعها التخصصية على أساس تخريج ملاكات وسطى فنية والحد من الفروع الاخرى التي لا تحتاجها برامج التنمية.
د. التعامل مع المشاريع الزراعية والصناعية وفق أسبقيات الحاجة والبيئة المتوفرة وتجنب اية مشاريع لا تتوفر لها الموارد المتاحة طبيعياً او مالياً أو الخبرات، وهو الأمر الذي عملت عليه كثيراً وزارة التخطيط بدون اية استجابة من دعاة الخطط الانفجارية سابقاً ولاحقاً.
5. ضرورة الالتفات بمسؤولية عالية لحالة الجمع الغفير من الشبان والشابات الخريجين ممن استعانوا بـالأرصفة لبيع السلع (الجنابر) ليعتاشوا وعوائلهم أو ممن عجزوا حتى عن إقامة الجنابر.
6. الحرص على خطاب وطني وإقليمي ودولي يتجنب المنازعات، كما أفلحت الحكومة في التعامل مع "استفتاء" الإقليم، لتجنب المنازعات او التداعيات الأمنية، بكل ما استدعته من تجيند عسكري وامني يثقل كاهل الدولة.
7. تطوير قانون الضمان الاجتماعي بما يضمن إعانة المواطن، وفي الوقت نفسه بناء معايير لاحقة للضمان قائمة على حجم مشاركة المواطن في العملية الإنتاجية.
8. تشخيص حقيقة تردي الخدمات الطبية وعدم توفر الدواء إلى حد معاناة ذوي الدخل المحدود من عدم توفر اية ضمانات صحية، في ظل اتجاه عام لرفع أسعار الخدمات الطبية والدواء بشكل يفوق قدرات غالبية ساحقة من المواطنين. وكان المرحوم أ. د. الطبيب خالد ناجي قد قال في وقت مبكر "حل مشكلة الطب والدواء في تأميم هذا القطاع بشكل مدروس، ويضمن حق الطبيب والصيدلاني في إطار حماية صحة المواطن"، وكانت عيادته الشعبية وشقيقه عام 1948 بارقة أمل وآدتها تطلعات الطامعين في الغنى السريع.
9. تظل مشكلة السكن والبطالة والخدمات الصحية والتعليمية بدون علاج حقيقي فيما تتوجه سلطات معنية إلى "مكاسب" المولات حتى بدو دراسة لمشاكل المرور والاختناقات التي يسببها اختيار مواقعها بدون أي تمحيص او استمزاج لرأي سلطات المرور حتى.

الحكومة المقبلة إمام تحديات خطيرة، إلى حد يهدد الاستقرار برغم من نجاح الإرادة الوطنية وقيادتها في طرد داعش...ومن يتصدى لمهام رئاسة الحكومة هو مغوار بحق إن كان في ذهنه برنامج يناطح به ديناصورات الفساد والتخلف وعدم الكفاءة.

المزيد من المقالات

آخر التعليقات