عن حصر السلاح بيد الدولة

نشر فى : السبت 23-06-2018 - عدد القراءات : 14
كتب بواسطة : عبد الحليم الرهيمي

هل بدأت حقاً معركة حصر السلاح بيد الدولة، وهي المعركة المؤجلة دائماً منذ العام 2003 وحتى الان، لأعتبارات عديدة ؟

ما يدعو لطرح هذا السؤال الان، مرة اخرى واخرى، هو ما تحدث عنه رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي وأكده خلال لقائه مع القيادات العسكرية والأمنية يوم السبت الماضي في مقر قيادة العمليات المشتركة لتبادل التهنئة لمناسبة عيد الفطر المبارك.

وخلال هذا اللقاء تطرق العبادي الى عديد من القضايا المهمة والحساسة منها ، العمل لمحاربة الفساد وكذلك التأكيد على ضرورة حيادية ونزاهة القوى العسكرية والأمنية ونظافتها وعلى دورها في حماية المواطن والوطن في عملها وعدم انحيازها لهذا الطرف السياسي او ذاك .. لكن القضية الاهم والابرز التي تطرق اليها كانت دعوته وتأكيده ضرورة جمع السلاح وحصره بيد الدولة خاصة في المرحلة الراهنة والتي تليها، فضلا عن تأكيده ان السلاح خارج هذا السياق وخارج اطار الدولة يؤدي الى الفوضى، وهو سلاح دمار وتعدٍ، ولذلك اشار الى اتخاذ حكومته خطوات متقدمة لحصر السلاح بيد الدولة موحياً إلى أن القيام بهذه الحملة هو اكثر فاعلية من سابقاتها . الواقع ، يخطئ من يظن، دون شك، ان تحقيق هدف جمع السلاح وحصره بيد الدولة هو مهمة سهلة ، انما هي صعبة وصعبة جداً ، وان كانت غير مستحيلة.

لقد كانت قضية حصر السلاح بيد الدولة هي قضية (أزلية) رافقت تأسيس الدولة العراقية عام 1921 حيث كان لدى حكومته، كما يقول الملك فيصل الاول  15 الف قطعة سلاح بينما لدى العشائر عشرة اضعاف هذا العدد!لكن هذا الوضع تغير في العقود الثمانية التالية التي اعقبت التأسيس واستكملت بناء مؤسسات الدولة ومنها المؤسسة العسكرية (الجيش والشرطة).

لكن هذا الوضع بدأ يتغير تماماً بعد عام التغيير في 2003 فنشأت قوى وجماعات مسلحة موازية واخرى معادية للدولة. وبعد غزو تنظيم داعش الارهابي أوتسع نطاق وعديد هذه الجماعات وخاصة المساندة للدولة وقواتها المسلحة وهي جماعات متطوعي الحشد المدني والعشائري، التي كان سلاحها شرعياً وان لم يكن – ابتداءً – منضوياً في اطار المؤسسات العسكرية للدولة .

ولاسباب وغايات عديدة ارتفعت اصوات من قوى سياسية ومن شريحة من الرأي العام تنتقد انتشار، لا بل انقلاب بعض هذا السلاح واخذت تطالب بجمعه وحصره بيد الدولة لتبديد المخاوف التي اثيرت حوله من بعض الجهات من جهة، ولتمييز سلاح فصائل الحشد المساند للدولة من جهة اخرى عن السلاح المنفلت لجماعات الجريمة المنظمة والقتل والتهريب وخدمة الاجندات الخارجية والاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم واموالهم وعقاراتهم، وخاصة مواطني الاقليات .

والسؤال الذي يطرح الان هو : لماذا جدد العبادي الدعوة لجمع السلاح وحصره بيد الدولة والتحذير من المخاطر الناجمة عن ذلك في ظل الاوضاع السياسية المرتبكة والمتوترة ؟ وهل ان هذه الدعوة الجديدة تختلف – كما يتساءل كثير من المواطنين – عن دعوات رسمية وغير رسمية كانت تطرح في الفترات السابقة ؟ لذلك، يمكن القول هنا ، انه اضافة لمبدأ وضرورة ان يكون السلاح من احتكار الدولة وبيدها وحدها كما هو الحال في الدول المتقدمة، فأن ما يضفي اهمية اكبر على طرح العبادي الان لهذه المسألة والتاكيد على ضرورة معالجتها الان، هو ارتباك وتوتر الاوضاع السياسية والاجتماعية وخاصة بعد الانتخابات البرلمانية والتداعيات التي تلت اعلان النتائج، وهو الامر الذي يمكن قراءته او استنتاجه مما قاله العبادي نفسه بتأكيد طلبه من القيادات العسكرية والامنية التي اجتمع بها بضرورة الالتزام بالحيادية والنزاهة وخدمة المواطن والوطن ومن دون الانحياز لاي جهة سياسية، وكذلك تحذيره احتمالات حصول تطورات أمنية سلبية ساخنة الان او في الفترة المقبلة، وهو الامر الذي اكده ايضاً ، بعد كلام العبادي، رئيس اللجنة الامنية في البرلمان ، الذي عبر، في تصريح متلفز ، عن مخاوفه الشديدة من احتمال انفلات الوضع الامني بعد انتهاء ولاية البرلمان في الاول من شهر تموز المقبل وذلك لوجود عصابات وأرتال ومسيرات مسلحة تقوم بابتزاز الأمن وتهديده وخاصة مجموعات الجريمة المنظمة والداعمة لمافيات السرقة والقتل والتهريب.

ولمعالجة هذه الاوضاع واحتمالاتها والناجم بعضها عن انتشار السلاح وعدم انضباط بعض الشرعي منه، فأن الدولة مطالبة بتسريع وتوسيع عملها الاستخباري والامني لمواجهة عصابات الجريمة المنظمة والمهربين والمعتدين على المواطنين وممتلكاتهم، ثم التوجه بعمل واسع النطاق لسحب السلاح من يد العشائر بالحوار والضغط السياسي والاجتماعي والمرجعي، حيث اتسع نطاق المعارك البينية المسلحة مؤخراً في عدد من المحافظات . اما جمع السلاح ومخازنه من بعض الاحزاب والجماعات والفصائل المسلحة غير الشرعية او غير الملتزمة بقوانين الدولة ، فأن الحكومة معنية بمعالجة هذه المشكلة بالحوار والضغط واستخدام القانون بما يمكنها من نزع السلاح من يدها وحصره بيد الدولة المحتكر الشرعي والقانوني الوحيد لامتلاكه واستخدامه . وبالطبع ، فان تحقيق ذلك لن يكون لمصلحة الدولة والمجتمع فقط ، بل وكذلك من مصلحة جميع من لديهم السلاح غير المعادي ، لكن غير المنضبط وغير الملتزم بالانظمة والقوانين ، حيث يتمثل ذلك ببعض العشائر وبعض الفصائل (الصديقة) المسلحة .

أخيراً يمكن القول ، ان هدف جمع السلاح وحصره بيد الدولة سيبقى هدفاً وطنياً مهماً ، ينبغي ان يسعى جميع المخلصين لتحقيقه .

المزيد من المقالات

آخر التعليقات