العراق وتركيا.. الأزمة القديمة الجديدة للمياه

نشر فى : الخميس 14-06-2018 - عدد القراءات : 1
كتب بواسطة : د.قيس العزاوي

كم هو مثير للدهشة والغرابة القول بالعربية او بلغة اجنبية " عطشى في بلاد ما بين النهرين" !! ذلك لأن الماء شكل علة الوجود الاجتماعي العراقي وسبب التشكل الحضاري فيه ، حتى ان العراق استمد هويته الحضارية واسمه " موزوبوتاميا Muzubutamya " أي بلاد ما بين النهرين من كونه نشوءا ديموغرافيا ما بين نهرين هما: دجلة 1717 كم والفرات 2300 كم ، حيث قامت بينهما حضارة تعود لأكثر من ستة آلاف سنة، وهي حضارة سومر التي امتدت حدودها إلى سوريا وفارس والكويت والبحرين والأحواز بإيران ..

ومن الاعتداد بماضينا المجيد ان نعيد التذكير بأن حدود السومريين امتدت إلى المنطقة التي تحوي اليوم سد اليسا وبقية السدود التركية وهي منطقة جنوب شرق الأناضول التي يختصر اسمها بمشروع الـ GAP الذي يحوي على 21 سد ونفق على مجريي نهري الفرات ودجلة. ويعود الاهتمام التركي باستغلال مياه النهرين لتوليد الكهرباء وتوسيع الاراضي الزراعية الى منتصف الستينات من القرن الماضي عندما باشرت تركيا ببناء سد كيبان ومن بعده سدود اخرى الامر الذي سبب مشاكل تدفق المياه إلى نهر الفرات من تركيا وسوريا الى العراق وكاد يتسبب بازمة سياسية كبيرة بين هذه البلدان، كان ذلك في سبعينيات القرن الماضي، اي منذ قرابة خمسين عاما .

    والضجة الكبرى التي تثار اليوم بسبب ملء سد اليسو الذي سيستغرق قرابة سنتين يكون العراق فيها بحاجة ماسة لارواء اراضي البلاد وعطش العباد، هذه الضجة المليئة بالشكاوى والاستنكارات والتهديدات لن تفيد بشيء لأن المشاريع التركية لتخزين ثروة المياه ليست جديدة وان سياسة التخزين ليست لتوليد الكهرباء او توسيع الزراعة فحسب كما يقولون، وانما هي ستراتيجية اقتصادية وسياسية تحدث عنها بصراحة تامة الرئيس التركي السابق تورغوت اوزال عندما قال بمعادلة "الماء مقابل النفط" أي إننا سنبيع العرب الماء بسعر النفط !!..
 
واليوم تشير التقارير العراقية والدولية الى الانخفاض المتزايد في الخزين المائي للعراق من سبعة وعشرين الى سبعة عشر مليار لتر مكعب'. وان هناك انخفاض كبير في مناسيب نهر دجلة في بغداد ومدينة الموصل. كل ذلك يعرفه المسؤولون العراقيون جيداً ويعلمون تفاصيله وزميلنا حسن الجنابي وزير الموارد المائية خبير دولي مرموق في هذا الشأن وسبق ان نشر دراسات في "الصباح" يتنبأ فيها بحدوث الازمة المائية الحالية.. وهو اليوم يطمئن العراقيين ويؤكد عدم كارثية الأزمة التي لا يرى انها تختلف كثيرًا عن الأزمات السابقة ولا تستدعي القلق فخزين الماء الحالي يمكنه تأمين زراعة 2 مليون دونم. ولكن السيد الوزير وغيره من المسؤولين يعلمون جيداً إن هذه الازمة ستستمر ولن تفيدها التطمينات فلا حلول عراقية معلومة لازمة متفاقمة مع الوقت ومن دون ان نخطط لمستقبل مياهنا.

لن تفيدنا دعوات الشكوى الى لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية لأن المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة للحقوق والواجبات الاقتصادية للدول لعام 1974 تنص على أن" لكل دولة الحق في أن تمارس بحرية السيادة الكاملة الدائمة بما في ذلك الامتلاك والاستخدام والتصرف في جميع ثرواتها ومواردها الطبيعية وأنشطتها الاقتصادية".. ومن حسن الحظ ان المادة الثالثة من الميثاق نفسه تنص على أن " لدى استغلال الموارد الطبيعية التي تتقاسمها دولتان أو أكثر ينبغي على كل دولة أن تتعاون مع غيرها " ووفقاً للقواعد القانونية المنظمة لاستغلال الأنهر الدولية لابد من الالتزام بالتشاور عند تنفيذ مشروعات خاصة بالنهر ;وعدم جواز المساس بحقوق أية دولة من دول مجرى النهر المقررة وفقاً للأحكام العامة". ولكن مشكلتنا تبدأ مع تركيا عندما تختلف في تعريف تلك الأنهار وتعتبرها عابرة للحدود وهو ما سبب مشكلة قانونية بين البلدان المتشاطئة.


 وقد كانت تلك هي المشكلة الحقيقية التي عانيناها عندما كنت سفيرا  للعراق في جامعة الدول العربية عند التفاوض في اطار الجامعة او من خلالها للتفاوض المباشر مع الطرف التركي، اذ نحن نستند الى التعريف الدولي الذي يقول ان الأنهار الدولية هي الأنهار التي تمر أحواضها بين إقليم أكثر من دولة ، أو تلك التي تفصل بين إقليم دولتين، فبينما يعتبر العراق ان دجلة والفرات نهرين دوليين لا تعترف تركيا بدولية النهرين وتعتبرهما حوضا واحدا وتراهما نهران تركيان وطنيان يخضعان للسيادة التركية ، وتطلق عليهما تسمية ( مياه ما وراء الحدود) . وبناء على ما سبق لا نتوقع الوصول الى حلول قانونية مع تركيا وانما هناك قوانين الجيرة والتاريخ المشترك والعمل الصالح والاستعداد للمستقبل وتلك تستدعي القيام بعدد من الاجراءات العاجلة :


 أولاً : الوصول الى حلول دائمة مع الجارة تركيا مبنية على المصالح المشتركة وبخاصة وان حجم التبادل التجاري بين العراق وتركيا يقترب من 30 مليار سنوياً بعد ان كان اقل من مليار عام 2003 حسب ما ذكره السفير العراقي السابق لدى أنقرة هشام العلوي.

ثانياً : القيام بمشاريع مشتركة ما بين العراق وتركيا، فالمشاريع المشتركة تحل اعقد المشاكل واصعبها، وقد نجحت دول اوروبا في القفز على مشاكل الحدود التي كانت تثير الحروب والنزاعات بالسوق الاوروبية المشتركة.

  ثالثاً : أهدرت مليارات الدولارات منذ عام 2003 وحتى اليوم على المشاريع المتعلقة بالموارد المائية ولم تبنى السدود ولا خزانات المياه ولا حفرت الابار التي من شأنها توفير كميات أكثر من كافية للاستهلاك، وتستدعي الضرورة الوطنية اليوم التحقيق الجدي في ذلك والبدء العاجل بالتنفيذ.

 رابعاً : ترشيد الاستهلاك المائي، فازمة المياه عالمية فقد أدى التغير المناخي وتزايد سكان العالم والزراعة المكثفة، إلى شحة المياه عالمياً وعربياً بنحو خاص إذ تعاني منها دول جارة مثل  الاردن ولبنان وسورياً وقد تمكنت من تقليص استهلاكها من الماء.. وربما يكون الحل الامثل للعراق هو الاستعانة بخبراء يحسنون التعامل مع الشحة المائية، ويعملون على إعادة تدوير المياه وإعادة استخدامها والاستفادة من تجربة


كل من الإمارات العربية المتحدة والأردن وتونس في تشجيع التوجه نحو إعادة استخدام مياه الصرف الصحي .
    وخير ما نختتم به هذه العجالة هو التذكير باهمية وحيوية نهري دجلة والفرات اللذان شكلا  مصدراً للإلهام الشعري العراقي الفصيح والحر على حد سواء ، فمن ينسى قصيدة شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري :

حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحَييني " " يادجلة الخير , يا أمَّ البساتين ِ
حييتُ سفحَك ظمآناً ألوذ به " " لوذ الحمائِم بين الماءِ والطين
يادجلة الخير ِيا نبعاً أفارقه " " على الكراهةِ بين الحِينِ والحينِ
إني وردتُ عُيون الماءِ صافية " " نَبعاً فنبعاً فما كانت لتَرْويني
 
  وكذلك من ينسى قصيدة الشاعر المبدع بدر شاكر السياب وهو يتغزل بالنهرين :
 
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء...كالأقمار في نهر

المزيد من المقالات

آخر التعليقات