ألغام ومقذوفات غير منفجرة تعطّل فرص الاستثمار

نشر فى : الخميس 17-05-2018 - عدد القراءات : 55

بغداد / بشير خزعل ......
حسب الاحصائيات الرسمية فإن ما مساحته 1700 كيلو متر مربع من الأراضي العراقية ملوثة بـاكثر من 20 مليون لغم ومقذوفات غير متفجرة ، وبرغم عمليات رفع الالغام والمقذوفات التي جرت على مدى السنوات الماضية بعد العام 2003 ، الا ان نسبتها لم تكن بمستوى حجم المشكلة التي تمتد على مساحات شاسعة وفي تضاريس صعبة.

فبالاضافة الى عامل الزمن الذي طمر الكثير منها  ،لم تكن هناك اية خرائط او معلومات دقيقة عن وجود حقول الالغام ، هذه الاراضي المحرمة اصبحت عائقا امام الكثير من المشاريع وتشكل تهديدا لتجمعات سكانية في القرى والارياف ولاكثر من 2 مليون مواطن عراقي ،  تقرير لمنظمة الأمم المتحدة اوصى بأن التخلص من الألغام في معظم المحافظات العراقية يعتبر واحداً من أهم الأهداف التي تسبق عمليات التطوير والإنماء الداخلي .

مشكلة الالغام تلقي بظلالها على جهود الحكومة العراقية في تعطيل مشاريع كثيرة ، فبسبب ماخلفته الحروب المتتالية من مئات الاف من المقذوفات والالغام المنتشرة في مناطق قريبة من التجمعات السكانية وتسببت بآلاف الاصابات وحالات العوق لفئات عمرية مختلفة، عطلت مشكلة الالغام مشاريع وفرصا استثمارية لشركات اجنبية ومحلية مختصة بانجاز اعمال البنى التحتية والخدمات .

بلغ عدد معاقي الألغام في العراق نحو ثمانمئة ألف معاق باستثناء إقليم كردستان وهو رقم غير دقيق مئة بالمئة فربما  يزيد او يقل عن هذا الرقم بقليل ، اغلب المصابين من الذكور من فئات عمرية مختلفة ولاسيما الرعاة وسكان القرى الحدودية ، وكذلك نساء واطفال تعرضوا الى انفجارات في مواقع زراعية وطرق مؤدية الى الانهار ، حميد كاطع (55) سنة احد ضحايا الالغام الذي فقد ساقه الايمن بعد ان بترت من الفخذ عندما انفجر لغم  ارضي على مسافة قريبة من مزرعته في أطراف محافظة واسط ، يقول حميد :انا ليس الوحيد الذي تعرض لهذا الحادث ، فقبلي بعام تقريبا في سنة 2014 ، قتلت فتاة بعمر 15 عاما كانت ترعى الاغنام مع شقيقها قرب الحدود الايرانية ، واصبح جميع ابناء القرية يتجنبون تلك المناطق ولايذهبون اليها بسبب وجود اعداد كبيرة من الالغام فيها برغم انها تشكل مساحات خضراء غنية  للرعي ، خصوصا وان اغلب السكان يعتاشون على تربية المواشي والاغنام .

 مجازفة
مزارع اخر من منطقة قلعة صالح في محافظة ميسان بين ان اكثر سكان قريته قد فقدوا حيواناتهم من ابقار وجواميس واغنام بسبب انفجارت الالغام في مناطق الرعي وجداول الانهر الفرعية التي تشرب منها الحيوانات ، واشار حسن عبود (58) سنة الى وجود مئات الالغام التي جرفتها السيول ونقلتها من اماكنها الاصلية الى مناطق مفتوحة في اراض ومزارع تعود ملكيتها لفلاحين اضطروا الى تركها بسبب الخطورة التي تشكلها تلك الالغام على حياتهم ، واضاف عبود أنه في العام 2009 قتل ابن احد الفلاحين بعد أن انفجر عليه لغم فتاك مزق اشلاءه، وحزن الاب على ولده الوحيد حزنا شديدا وهجر الارض من ذلك الحين وتحولت الى ارض بور بعد ان كانت مزرعة جميلة وغنية بمختلف انواع المحاصيل والخضراوات.


 رؤيا اقتصادية
الباحث الاقتصادي لؤي محمد السراي المختص بشؤون الاستثمار واعمال القطاع الخاص ، بين ان تعطيل الاستثمار في  الطاقة والصناعة والزراعة بسبب وجود الالغام في الاراضي المؤشرة لتلك المشاريع يسبب خسائر مادية كبيرة على الاقتصاد العام للبلد ، لان عدم اقامة تلك المصانع والبنى التحتية سيؤدي للبحث عن بدائل اغلبها تتم بالشراء من الخارج او استخدام طرق تؤدي الى تكاليف مادية مرتفعة ، واضاف السراي أنه على الدولة والمؤسسات المختصة بشؤون الالغام  اعطاء الاولوية للمساحات المؤشرة كمناطق صناعية او زراعية او سكنية  قبل غيرها ليتم استغلالها بشكل سريع والعمل بشكل دوري على باقي المناطق الاخرى الاقل اهمية .
 
 شؤون الألغام
 وزارة الصحة والبيئة اعدت برامج مع بعثة الـ "يونامي" في البلاد، يتضمن ازالة الالغام والمقذوفات الحربية، في وقت تستعد فيه للمشاركة في مؤتمر جنيف الخاص بازالة الالغام.

مدير عام دائرة شؤون الالغام في الوزارة عيسى الفياض قال :  عقدت الدائرة لقاء مع ممثلي بعثة "يونامي" في البلاد بمجال ازالة الالغام والمقذوفات الحربية، واعدت الوزارة برنامجا مشتركا مع البعثة يتضمن مفهوم المشاركة واستقطاب شركات ومنظمات دولية متخصصة في مجال الالغام لمزاولة انشطتها ومهامها واعمالها داخل البلاد.
واضاف الفياض ان اتفاقا على الافادة من النشاط الدولي مع جميع الدول المتقدمة، بغية توفير خبراء وورش عمل فنية مختصة في مجال سن وتشريع القوانين المتعلقة بشؤون الالغام، مؤكدا  ضرورة عكس صورة ايجابية للعالم الخارجي عن صلاحية البيئة الادارية والمالية التي تتيح للدول المانحة تقديم دعمها للمنظمات العاملة في العراق، لتتمكن من مزاولة انشطتها واعمالها ومسوحاتها داخل الاراضي العراقية.

واوضح الفياض ان الوزارة بصدد العمل المشترك مع المؤسسات الرسمية والمدنية للوصول الى عراق خال من الالغام، مفصحا عن ان المرحلة الحالية تتضمن مضاعفة الجهود لتطهير وازالة الالغام من الاراضي المحررة بما يسهم بعودة النازحين الى مدنهم.

 واكد الفياض ان الوزارة تجري الاستعدادات اللازمة من اجل المشاركة بمؤتمر جنيف الخاص بشؤون الالغام، والذي سيعزز المشاركة الدولية الداعمة للبلاد، مضيفا ان وفدا كرواتيا سيزور العراق قريبا من اجل التباحث بشأن مشاركة الشركات الكرواتية للعمل في المناطق المحررة، بالمقابل تعهدت منظمات كرواتية بتقديم الدعم لأسر ضحايا الالغام ، كاشفا عن تنسيق الوزارة  مع صندوق اعادة اعمار العراق بما يخص تحديث نتائج الاحصاء الخاص بضحايا الالغام تمهيدا لانشاء مراكز للاطراف الصناعية عالية الجودة تقدم خدماتها لجميع الضحايا، الامر الذي يتطلب استثمار الدعم الدولي المقدم من الدول المانحة، يقابل ذلك تسهيل اجراءات تسجيل المنظمات الدولية المتخصصة بمجال ازالة الالغام والمخلفات الحربية.


 جهود دولية
 الامم المتحدة اعلنت بأن ازالة الألغام والمتفجرات والعبوات الناسفة التي خلفها تنظيم داعش في مدينة الموصل وما حولها قد تكلف 50 مليون دولار، مشيرة إلى احتمال الحاجة إلى 5 آلاف شخص للعمل في العراق. بول هيسلوب رئيس تخطيط البرامج المتعلقة في الالغام لدى الامم المتحدة صرح في العام 2017 بان ازالة التلوث من مدينة الموصل لوحدها ستحتاج الى 50 مليون دولار ، و50 مليون دولار  لباقي المدن العراقية الاخرى التي توجد فيها اعداد كبيرة من المقذوفات والالغام.

وأضاف هيسلوب الذي يملك خبرة في التعامل مع الصراعات من أفغانستان إلى أنغولا "ان إزالة العبوات الناسفة وتطهير المباني أخطر كثيرا من حقول الألغام. تحتاج إلى مستوى أعلى من المهارة الفنية والمعدات المعقدة وتسير العملية ببطء أكثر، مع تحرير المناطق نكون فكرة أفضل عن مستوى التلوث".

واوضح بأن "العراق بحاجة إلى عملية (إزالة ألغام) على غرار أفغانستان والتي شملت في ذروتها 15 ألف شخص لنحو خمس سنوات"، مشيرا إلى "احتمال الحاجة إلى 5 آلاف شخص للعمل في العراق".

وسبق أن قدرت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام تكاليف إزالة الألغام والمتفجرات في كل أنحاء العراق بمبلغ 50 مليون دولار هذا العام لكنها قالت إن هذا الرقم قد يتضاعف بسبب الموصل.

وكانت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام طهرت، منذ عام 2015، نحو 390 موقعا لها أولوية في الفلوجة والرمادي في محافظة الأنبار، حيث أبطلت مفعول 2600 مادة متفجرة من مناطق تمت استعادتها من تنظيم داعش.


  سلاح بيد الإرهاب
بيانات الأجهزة الأمنية في العراق خلال الاعوام المنصرمة من 2007- 2014 اشارت إلى أن عددا من منفذي العمليات الانتحارية في العراق يستخدمون تلك الألغام في تفخيخ السيارات "فهي قنابل رخيصة ومتوافرة بكثرة في أيدي الإرهابيين"، ولذلك كان الحصول عليها بالتعاون مع بعض افراد الجيش السابقين امرا سهلا من خلال معرفتهم بمواقع تلك الحقول التي زرعت بمئات الاف الالغام المتنوعة خلال الحرب مع ايران وحرب الخليج . وكان ضررها بليغا على المدنيين الذين قطعت اجسادهم بالسيارات المفخخة التي كانت تجوب شوارع المدن العراقية خلال تلك السنوات .

ووفق تقرير لمنظمة الأمم المتحدة، يتطلب البحث عن هذه الألغام نحو 19 ألف متخصص في إزالتها، ويكشف التقرير أن هذه المهمة تستلزم عشر سنوات للتخلص من جميع الألغام، وبموجب قوانين منظمة (أوتاوا) لحظر الالغام  تلزم عضوية العراق في هذه المنظمة بالتخلص من جميع الالغام المنتشرة في مناطق واسعة من اراضيه في نهاية العام 2018 .

 

المزيد من تقارير و تحقيقات

آخر التعليقات