أبعاد موقف مقاطعي الانتخابات

نشر فى : الخميس 17-05-2018 - عدد القراءات : 15
كتب بواسطة : عبد الحليم الرهيمي

بالرغم من انشغال الرأي العام والسياسيين ووسائل الاعلام بنتائج الانتخابات وحجوم الكتل التي سيقع على عاتق البعض منها تسمية رئيس الوزراء المقبل وبرنامج حكومته المفترض ، تبقى مسألة تدني نسبة المشاركة في الانتخابات وعزوف او مقاطعة نحو 56 بالمئة ممن يحق لهم الانتخاب من الأدلاء باصواتهم ، هي المسألة التي ستكون حاضرة ، بشكل او بآخر ، في الحراك الراهن حول التحالفات المحتملة لتسمية رئيس الحكومة وشكل وبرنامج هذه الحكومة ، لكن الأمر المهم الذي سيلي ذلك هو : لماذا العزوف وتدني المشاركة في الانتخابات من نحو 78 بالمئة في انتخابات العام 2006 ونحو 60 بالمئة في اتنتخابات دورتي العام 2010 و 2014 بينما هبطت الآن اي في دورة هذا العام 2018 لنحو 44.5بالمئة حسب الاعلانات الرسمية ، بينما تشير العديد من الاستطلاعات والحسابات الرقمية الى ان هذه النسبة لم تتعد ، خاصة في محافظات الوسط والجنوب ، نسبة الـ 20 بالمئة وأن ارتفاع نسبة التصويت في محافظات كردستان وبعض المناطق الغربية هو الذي رفع النسبة العامة للتصويت الى 44.5 بالمئة !

لقد كانت نسبة العزوف عن التصويت في انتخابات الدورات السابقة والتي تراوحت بين 30 و 40 بالمئة هي نسبة طبيعية ومقبولة في المعايير الدولية ، لكن تدنيها الكبير في هذه الدورة ينطوي على أبعاد ودلالات سياسية وأجتماعية مهمة ستؤثر بقوة في طبيعة مسار وتطور الاحداث والعملية السياسية في المدى المنظور للمرحلة المقبلة ، غير ان الأمر الاكثر اهمية هو ان تقوم الحكومة والبرلمان الجديدين وكذلك الاحزاب والقوى السياسية التي تحملت مسؤولية الحكم في المرحلة الماضية وحتى التي لم تشارك في الحكم ، بمراجعة عميقة وجادة ومخلصة لتحديد ومعرفة اسباب عزوف ومقاطعة نحو اكثر من نصف (وربما ثلثي) من يحق لهم التصويت عن الادلاء باصواتهم ، وهي الاسباب ذاتها التي يشاطرهم فيها غالبية الذين شاركوا ، لكن على أمل ان تتبدد وتزول تلك الاسباب بالمشاركة بالتصويت وعدم العزوف بينما فقد المقاطعون الثقة وانعدام امكانية الاصلاح بالتصويت .

لقد هبطت نسبة الاقتراع مقابل ارتفاع نسبة العزوف وعدم الاقتراع بهذه الدورة الانتخابية بناء على قناعة الكثيرين من المقاطعين بلا جدوى المشاركة ، لكن قسماً كبيراً منهم استجاب لدعوات المقاطعة والعزوف التي أطلقها سياسيون ورجال دين وبعض منظمات المجتمع المدني كتعبير صارخ ، حسب قناعتهم ، على الاوضاع السياسية والاجتماعية المتردية وعلى الطبقة السياسية المتنفذة التي قادت الحكم والدولة منذ 15 عاماً .

وبينما قوبلت دعوات المقاطعة والعزوف عن الاقتراع بتفهم بعض القادة السياسيين وكذلك تفهم مرجعية السيد السيستاني لموقف المقاطعين باعتبار المقاطعة حق دستوري وانساني واخلاقي ودعوة ، في الوقت نفسه للتصويت ، ووجهت تلك الدعوات وممارسة المقاطعين لحقهم باتهامات بعض السياسيين وبعض وسائل الاعلام بالتحريم والجريمة والخيانة وبالعمالة .. والى غير ذلك من اتهامات هابطة وغير مسؤولة !

في الواقع ، فقد اعتبر كثيرون ، وجزء كبير من الرأي العام ، ان هذا العزوف والمقاطعة للانتخابات انما يمثل (عقوبة) للطبقة السياسية المتنفذة القابضة على السلطة لخمسة عشر عام ، وانها صرخة احتجاج مدوية تريد اسماعها (لمن يهمه الامر) والعالم بأن الاوضاع العامة لم تعد تطاق ،لاسيمابعد  تفشي الفساد وهدر وسرقة المال العام وانعدام الخدمات الاساسية واتساع حالة البطالة والفقر وسيطرة الجهلة وعديموا الكفاءة على معظم مفاصل الدولة وكذلك عجز السلطتين التشريعية (البرلمان) والقضائية عن القيام بدورهما الدستوري ولو بالحد الادنى حيث لم يستمع الجميع لما طالبت به حركة الاحتجاجات في المحافظات والمدن المطالبة بالتغيير والاصلاح منذ العام 2011 لكن دون جدوى .

ان عزوف هذه النسبة الكبيرة ممن يحق لهم الاقتراع عن التصويت ومقاطعة الانتخابات ومشاطرة غالبية الذين لم يقاطعوا مواطنيهم الآخرين الذين قاطعوا في اهدافهم وغاياتهم ونظرتهم للاوضاع العامة ، انما يمثل جرس انذار قوي من اجل معالجة الخلل في بنية النظام السياسي وفي خلل واداء سلطاته القضائية والتشريعية والتنفيذية ، والتي تمثل أهم أبعاد ودلالات تلك النسبة المتدنية من التصويت وما يقابلها من نسبة عالية في العزوف عن التصويت ومقاطعة واحدة من اهم سمات ومعالم النظام الديمقراطي وهي الانتخابات واختيار اعضاء المؤسسة التشريعية (البرلمان).

المزيد من المقالات

آخر التعليقات