قراءة في كتاب ..الفكرة والدولة.. صراع الحضور الفلسطيني في زمن الانتكاسات

نشر فى : الأربعاء 16-05-2018 - عدد القراءات : 68

صحيفة بدر / متابعة ...

يتناول الكتاب صعود حركة المقاومة الفلسطينية منذ حرب 1967، وما تحقّق نتيجة هذا الصعود من حضور للشعب الفلسطيني وقضيته خلال السنوات التالية، رغم «الانتكاسات» التي واجهتها المقاومة في العقود اللاحقة، والتي لم تتمكن من فرض الاستسلام السياسي أو الفكري، حيث بقيت فكرة الدولة راسخة لدى الأجيال الفلسطينية المتعاقبة.

في كتابه هذا، المقسّم إلى جزئين، يتعرّض المؤلّف، بالتحليل والنقد، لمرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة المعاصر، وهي مرحلة صعود «حضور» الشعب الفلسطيني بعد عدوان عام 1967. وهي، في آنٍ واحد، مرحلة من الإنجازات المهمة على صعيد إحياء الهوية الوطنية واستعادة وحدة مشاعر الانتماء إلى تجمعات الشعب الفلسطيني؛ وبالنتيجة، تحقيق أوسع اعتراف عالمي بالهوية والحقوق الوطنية لهذا الشعب.

ويغطّي الكتاب تطوّرات المسيرة التحرّرية الفلسطينية المعاصرة، في سياقها الإقليمي والدولي، من دون التقليل من أهمية العوامل الذاتية (الفلسطينية) وتأثيرها، أكانت نقاط القوّة، أم الأخطاء والقصورات التي وقعت فيها هذه المسيرة، لكن مع وضعها في سياقها الجغرافي - السياسي المتداخل باستمرار مع الوضع الفلسطيني، بعد حرب 1967 كما قبلها.

يبدأ المؤلّف الفصل الأول، وعنوانه (صعود الحضور الفلسطيني في أعقاب «النكسة»)، بالتأكيد أن نتائج حرب حزيران - يونيو 1967 كانت، في واقع الحال، بمثابة نكبة ثانية لشعوب المنطقة، ومكمّلة للنكبة الأولى التي حصلت للشعب الفلسطيني في أيار 1948، وخصوصاً على خلفية ما حملته السنوات اللاحقة من تطوّرات في المحيط العربي.

فالإقرار بالهزيمة في العام 1967 لم يكن يعني فقط الإقرار بواقع وجود «إسرائيل»، والتوسع الذي قامت به لتتجاوز المساحة المخصّصة لها في خريطة التقسيم لسنة 1947 خلال حرب 1948/1949 وما بعدها؛ بل أيضاً بمشروعية توسعها الإضافي الجديد المفترض بعد حرب 1967، تحت يافطة «الحدود الآمنة والقابلة للدفاع عنها»، على أرضية كونها «الطرف المنتصر» في الحرب الأخيرة.

وفي هذا السياق، «يلتقط» المؤلّف بعض المؤشرات والمواقف العربية أو الأميركية، والتي صبّت جميعها في خانة «تثبيت» «الإنجاز» الإسرائيلي في العام 1967، سياسياً واستراتيجياً، برغم المحاولات الفلسطينية والعربية للنهوض من رماد هزيمة 1967. ومن أهم تلك المؤشّرات والمواقف:

- معارضة حركة المقاومة الفلسطينية (الحديثة النشأة) للقرار الدولي (242) حول الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة في العام 1967، لم تمنع مصر والأردن من تأييد القرار، الذي قد يحقّق المطالب العربية، فيما اعتبرته «إسرائيل» مجرّد إطار للتفاوض وليس للتنفيذ.

- رأى المؤرّخ الإسرائيلي آفي شلايم أن التصعيد الإسرائيلي الذي حصل في العام 1969/ 1970 ضدّ مصر، كانت له أهداف عسكرية ردعية وأهداف سياسية غير معلنة، وأهمها إسقاط الرئيس المصري جمال عبد الناصر، واستبدال نظامه بنظامٍ موالٍ للغرب.

- حصلت خلافات بين القيادة الفلسطينية في تلك المرحلة (أبو عمّار وأبو إياد وآخرون) وبين عبد الناصر، بشأن المبادرات الدولية التي طرحت، وكانت مستندة، نظرياً على الأقل، إلى القرار 242.

وقد انطلق عبد الناصر من تقديره لموازين القوى الإقليمية والدولية وما يمكن أن يتحقق في ظلّها، في مقابل طرح حركة «فتح» شعار «الدولة الديمقراطية في فلسطين، وذلك في أواخر العام 1968، والتي تتسع لكلّ المواطنين المقيمين فيها، وللفلسطينيين المشرّدين العائدين إليها.

- نقلاً عن صلاح خلف (أبو إياد)، فقد دعا عبد الناصر القيادات الفلسطينية في تلك المرحلة إلى التفكير في «مرحلة» النضال، قائلاً «إن دويلة في الضفة الغربية وغزة هي خير من لا شيء»، فردّ (أبو إياد)، كما نقل محمد داود عودة (أبو داود)، بالتمسك «باستعادة أراضينا كاملة».

- بات معروفاً بأن كلّ مبادرات ومشاريع وزير الخارجية الأميركي وليم روجرز بشأن الصراع العربي - الإسرائيلي، والتي أجاز الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون طرحها في الفترة 1969 - 1970، كانت تلقى اعتراضاً من مستشاره للأمن القومي، هنري كيسنجر الذي كان يعمل على عرقلتها؛ وهو الذي كان يرى الصراع العربي - الإسرائيلي من منظار المواجهة مع السوفيات حصراً.

- في أيلول - سبتمبر 1970 حصل تطوّران دراماتيكيان غيّرا كثيراً من المعطيات في المنطقة، وخصوصاً بالنسبة إلى حركة المقاومة الفلسطينية: الأول هو الصدام الكبير بين القوات النظامية الأردنية وقوات المقاومة في الأردن (أيلول الأسود)، والذي شكّل بداية النهاية لوجود فصائل المقاومة هناك؛ والتطور الثاني هو وفاة جمال عبد الناصر في 28/9/1970، حيث بدا أن صدامات الأردن قد فاقمت من وضعه الصحّي، الذي كان مضطرباً أصلاً في سنواته الأخيرة.

وفي المقابل، اندفع الطرف الإسرائيلي، مستغلاً الظروف الإقليمية، لاستكمال وظيفة حرب 1967، في محاولة منه لفرض الهزيمة على شعوب المحيط العربي، وعلى الشعب الفلسطيني في المقام الأول، كون مجرّد «الحضور» الفلسطيني على المسرح الإقليمي والدولي يشكّل تذكيراً بالجريمة «الأصلية» التكوينية للمشروع الصهيوني؛ جريمة اقتلاع شعب كامل من وطنه، ومحاولة شطبه من الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة. وهذا النهج الإسرائيلي ترجم في الفترة 1970 - 1971 بقمع عنيف للمقاومة في غزة وللحراكات الشعبية في الضفة الغربية.

- هذا النهج الإسرائيلي القمعي والاستئصالي لم يمنع تزايد الأصداء الدولية (الأوروبية والآسيوية) للحضور الفلسطيني المقاوم، فيما كانت المنطقة العربية تشهد «فشلاً مؤلماً» لقمة عربية في الرباط، بسبب خلافات بين مصر والسعودية بالخصوص حول أفق الحرب مع «إسرائيل» بعد هزيمة 1967.

- في تلك المرحلة أقرّت الإدارة الأميركية بصعود «العامل» الفلسطيني، لكنها لم تسلّم بـ«حقوق» له، وهي التي باتت بعد حرب 1967 مصدر التسليح الرئيسي لإسرائيل وركيزتها السياسية الرئيسية على المسرح الدولي.

وهكذا بدا الوضع في أواخر العام 1970 كأن الأمور قد بدأت تتطوّر في المنطقة بشكل أكثر راحة لإسرائيل؛ فيما وجدت الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها أمام وضع جديد حرج، وتحدّيات كبيرة كان عليها أن تتجاوزها في السنوات اللاحقة، كي تحافظ على زخم الإقرار الدولي بالحضور الفلسطيني، وتسعى إلى ترجمته إلى حقائق على الأرض.

 

المزيد من الثقافة والفنون

آخر التعليقات