أزمة الصحافة العربية وراهنها الملتبس.. لبنان أنموذجاً

نشر فى : الأثنين 23-04-2018 - عدد القراءات : 18
كتب بواسطة : جبار عودة الخطاط

اذا جاز لنا اقتباس مقولة جابر عصفور في كتابه زمن الرواية: "أصبح زمننا العربي ابداعياً زمن الرواية، حتى وصف البعض الرواية العربية بديوان العرب المحدثين" .. فهل نستطيع القول - بغض النظر عن مدى الاتفاق او الاختلاف مع عصفور- إن زمننا العربي إعلاميا أصبح زمن الأنترنت والتواصل الاجتماعي وان هذه الوسائل الحديثة السريعة أصبحت (ديوان الإعلام العربي) ؟!

 وهل انتهى زمن الصحافة الورقية أو شارف على الانتهاء؟! سؤال عريض يفرض نفسه على واقع الصحافة العربية التي باتت تعاني اليوم أكبر (ازمة وجود) عرفتها في تأريخها وهي ازمة في جانبها الأكبر يتصل بمسألة التمويل الذي غابت معطياته المادية عن صحف عريقة، فحاولت البقاء متشبثة بحلول مؤقتة، غير انها استسلمت أخيراً واتخذت القرار الصعب وتوقفت عن الصدور! وهل للموضوع صلات أخرى ينفتح على (هوية) تلك الصحافة في ظل الاستقطاب الذي سنورد تفاصيله، فضلاً عن تأثير (صحافة) المواقع الالكترونية والسوشال ميديا (التواصل الاجتماعي) وما باتت توفره من معلومة سريعة بغض النظر عن مستوى ومهنية تلك الوسائل.

ازمة غير مسبوقة الازمة باتت الهاجس الأكبر للصحفيين في مصر ولبنان ودول الخليج وهي الدول التي عرفت بعراقتها الإعلامية فهل هي ازمة تمويل فقط أم ان الامر يتعلق بهذا الفضاء المعلوماتي الهائل الذي فرضته ثورة الشبكة العنكبوتية لتحجم مساحة الاهتمام بالصحافة الورقية؟

مراقبون ذهبوا الى ان انحسار المال السياسي عن الكثير من الساحات الإعلامية قد القى بظلاله الكثيفة على واقع الصحافة التي فقدت الرافد الأكبر لتمويلها في زمن تعصف به أزمة مالية كبرى فتوقفت صحف عريقة بعد ان وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه فيما عمدت صحف أخرى الى حلول جراحية صعبة فسرحت اعداداً كبيرة من كوادرها وقلّصت صفحاتها في محاولة منها لتمديد عمر مقاومتها لما بات يتهددها بالموت ولو بعد حين. التحدي وعلاج الكي بسبب هذه الازمة، والتدني الخطير توزيع نسخها الورقية، اتخذت صحفٌ عالمية، مثل "الإندبندنت" البريطانية، قرار الاكتفاء بالتواصل عبر موقعها الإلكتروني، والتوقف عن الإصدار الورقي ، ويبدو ان علاج الكي لصحفٍ كبرى في العالم هو توجه مستقبلي للكثير من تلك المؤسسات والصحف لا محالة! في الوطن العربي، تمظهرت هذه الازمة في لبنان والعراق ودول الخليج ومصر والمغرب العربي حيث يبرز المال السياسي كعامل رئيسي في ديمومة الصحف اما الاعلانات والمبيعات وحتى الاشتراكات فهي عامل مساعد في ضوء حالة التراجع الاقتصادي التي اجتاحت دولا عدة فعمدت الى إجراءات تقشفية كان من جملتها انحسار المال السياسي عن الصحافة!

التمويل المشكلة الأساسية ، مما جعل الكثير من الصحف مرتهنة بما يملى عليها من أجندات الممولين وربما استطاعت صحف معروفة من خلق موازنة وفقت فيها الى حدود مقبولة في المقاربة بين طرح الحدود الدنيا من املاءات الممولين والحرص على خطاب إعلامي فيه مقدار من الحصافة بحيث لا تهوي في مزالق الجهات الممولة ولعل تجربة جريدة السفير اللبنانية خير مثال فاستطاعت فرض خطابها المهني رغم ضغط عامل الاستقطاب من قبل الممول في حين كانت التجربة تختلف في دول الخليج بحيث تحوّلت - بشكل متفاوت- اغلب تلك الصحف والوسائل الاعلامية إلى مضخات تعبوية للضخ السياسي والطائفي.

هي معادلة تنطوي على الكثير من الصعوبة والتعقيد. الحصول على تمويلٍ كاف، والحفاظ على مقدار من الاستقلال، هو أمر ليس من السهل ، لوجود الكثير من التابوات وما يعرف بـ (الخطوط الحمر) . السفير أول الغيث! خبر توقف جريدة السفير اللبنانية العام المنصرم، وما ينطوي عليه من دلالات صادمة لا يزال يتفاعل بارتدادات تلاحق صحف أخرى ويبدو انها عمدت للحيلولة دون الوصول لنفس المصير الى اسلوب صرف العاملين والتقليص الكبير للصفحات وتأخير الرواتب لضمان استمرارها وهو الامر الذي لم يعد يضمنه أحد ! ، وهو ما عبر عنه رئيس تحرير صحيفة "اللواء" صلاح سلام بالتشاؤم الذي يحيط بمستقبل الصحافة الورقية في لبنان، التي يراها سلام في :"مسيرة تراجعية منذ الحرب الأهلية حتى اليوم" فالإعلانات هجرت الصحافة، وانحسر مردوده.. اذ كشفت أستاذة الإعلام في الجامعة العربية الدكتورة ايمان عليوان :"أنه على المستوى العالمي احتكر موقع فيسبوك ومحرك البحث غوغل حوالي 98بالمئة من سوق الإعلانات الالكترونية".

التهديد وجرس الانذار الأمر الذي جعل إلياس خوري يدق جرس الإنذار محذرا: “هل يمكن أن نتصوَّر لبنان بلا صحافة وهو البلد الذي كان رمزاً للنهضة الصحافية في العالم العربي؟” جريدة النهار العريقة هي الأخرى تعاني أزمة مالية خانقة منذ سنتين فسرحت العشرات من صحفييها لمواجهة الازمة، الامر ذاته ينسحب على جريدة المستقبل وغيرها كما عاش الموظفون في مكاتب جريدة «الحياة» اللندنية في بيروت في وقت سابق حالة ضبابية بشأن مستقبلهم، وخاصة بعد استقالة رئيس التحرير غسان شربل وانتقاله إلى «الشرق الأوسط».

ولعل بارقة الأمل كانت في بزوغ جريدة الاتحاد لصاحبها الإعلامي القدير مصطفى ناصر في أجواء ملبدة بغيوم الازمات المالية المستحكمة وقد وجد الكثير من الصحافيين اللبنانيين المعروفين ممن كانوا في السفير فيها متنفسا جديدا فانضموا اليها لكنهم ما لبثوا ان أصيبوا بخيبة امل كبيرة اذ توقفت بعد ثلاثة اشهر فقط من صدورها اثر مرض صاحبها الذي توفي مؤخرا! المتابع للصحافة اللبنانية يدرك بأنها كانت تمثل الثقل الأكبر في مسيرة الصحافة العربية وما تمر به اليوم من ازمة يرسم الكثير من علامات التعجب والألم، يؤكد محمد فرحات، مدير تحرير صحيفة "الحياة" الصادرة من لندن، ان :"ازمة الصحافة اللبنانية جزء من ازمة لبنان، وحياة الصحافة نابعة من السياسة، وفي حال ماتت السياسة ماتت الصحافة".

ويقول طلال سلمان مؤسس ورئيس تحرير "السفير " التي تأسست عام 1974، قبل عام واحد من بدء الحرب : المتابع للصحافة اللبنانية يدرك بأنها كانت تمثل الثقل الأكبر في مسيرة الصحافة العربية وما تمر به اليوم من ازمة يرسم الكثير من علامات التعجب والألم، يؤكد محمد فرحات، مدير تحرير صحيفة "الحياة" الصادرة من لندن، ان "ازمة الصحافة اللبنانية جزء من ازمة لبنان، وحياة الصحافة نابعة من السياسة، وفي حال ماتت السياسة ماتت الصحافة". ويقول طلال سلمان، مؤسس ورئيس تحرير "السفير " التي تأسست عام 1974، قبل عام واحد من بدء الحرب الاهلية (1975-1990) : "لم تمر الصحافة في لبنان الذي لطالما كان رائدا على الساحة الاعلامية العربية، بأزمة بهذه الشدة من قبل. انها اسوأ الازمات على الاطلاق". ويوضح الاستاذ في كلية الاعلام في الجامعة اللبنانية احمد زين الدين "الصحافة العربية عموما واللبنانية تحديدا ليست صحافة جمهور ولكنها صحافة تمويل تقوم على الافادة من جهات سياسية او اقتصادية .

تراجع المال السياسي عميد كلية الاعلام في الجامعة اللبنانية جورج صدقة يقول:"فقد الاعلام اللبناني تأثيره وتراجعت سلطته ما يعني تراجع الفائدة منه بالنسبة للانظمة العربية التي كانت تموله"، فهي لم تعد بحاجة الى وسيلة لبنانية لتمرير رسائلها بل تعمد مباشرة الى تمويل وسائل خاصة بها. ووصف الكاتب الصحفي اللبناني أحمد ياسين ازمة الصحافة الورقية وتوقف السفير بالأمر الحزين  فيما أفادت الكاتبة زكية الديراني :"ان الأفق بدا مسدوداً بالنسبة إلى الصحف اللبنانية والعاملين فيها فالمناخ الذي يخيّم على الصحافة الورقية سوداوي، إذ تدلّ المؤشرات على مطبّات وتحديات ستشكّل هزّة قوية .

المزيد من المقالات

آخر التعليقات