الموقف العراقي من تداعيات القصف الثلاثي (الأبعاد) على سوريا

نشر فى : الثلاثاء 17-04-2018 - عدد القراءات : 5
كتب بواسطة : الفريق الركن محمد العسكري

الاحداث تتسارع وتتوالى المواقف ومؤتمرات عدة للأمم المتحدة ومجلس الامن وفي انقرة واخيراً القمة العربية في السعودية تناقش وتناقش وتصريحات مختلفة كل تصريح ينطوي على رؤيته وفهمه للمشهد السوري الذي أصبح فك طلاسمه يحتاج الى عقول نيّرة متفتحة لأن ما وصلت اليه الاحداث والمواقفوما ستصل اليه مخيف جداً وخطير وينذر بتصعيد ومواجهات بين عظماء القوم ممن يمتلكون الطائرات النفاثة والغواصات والبارجات والسفن الحربية وصواريخ الدفاعات الجوية المتصدية للصواريخ بعيدة المدى وترسانات كبيرة من الأسلحة المدمرة والنووية كلها اصبحت وسائل ردع وضغط لفرض هيمنة وسياسات معينة في المنطقة.

فقراءة سريعة خلال الايام الماضية لما جرى ومواقف الدول وخاصة دول الاقليم والدول العربية عن شرعية وتداعيات الاستهداف الصاروخي للمنشآت العلمية والعسكرية في سوريا. فمنهم من ايّد بل وشجع الموقف الاميركي والفرنسي والبريطاني لضرب المنشآت السورية ومعاقبة النظام السوري.

وقد يكون ساهم بشكل غير معلن حتى لا يتقاطع مع ما تبقى من عواطف للشعوب العربية التي تتحمل صدمات وتأثيرات الصراعات بين الدول الصناعية والاقتصادية والعسكرية الكبرى في العالم، ومنهم من وقف مع الجانب الروسي والايراني بعدم شرعية هذه العمليات العسكرية واعتبرتها خرقاً للقانون الدولي وتدخلا سافرا في شؤون دولة ذات سيادة.

تعالت الاصوات وتعددت المواقف وتباينت التصريحات وظهر حق النقض «الفيتو» بمواقع عدة في مجلس الامن. ورب سائل يسأل: اين موقع العراق وموقفه من كل هذه التداعيات وخاصة انه اقرب المتضررين او المنتفعين من احداث سوريا لكونه يجاورها بحدود اكثر من 360 كم وتربطه مع سوريا اضافة الى التاريخ المشترك والعلاقات الاقتصادية وغيرها علاقة جديدة هي ضعف أو قوة التنظيمات الارهابية (داعش) في المنطقة وخاصة ونحن ندرك جيداً ان ما وصل اليه (داعش) في الفترات السابقة جاء نتيجة للاوضاع المتردية في سوريا اذ كوّنت هذه العصابات قدراتها العسكرية والتنظيمية والاقتصادية والاستخباراتية في الاراضي السورية واستغلت ما جرى من أحداث دراماتيكية بعد تداعيات الهم الكبير (الربيع العربي) واستطاعت ان تدخل عبر الحدود السورية الى مدن العراق واحتلتها وهذا تطلب جهوداً كبيرة من الحكومة والشعب لرد هذا العدوان والقضاء عليه.

المتتبع لموقف العراق من الاحداث الأخيرة في سوريا ينحني إجلالاً لكيفية ضبط المعادلة المربكة بالموقف الوطني السليم والواضح وقد تكون من الحالات النادرة جداً في تاريخ العراق الحديث ان حكومة العراق تتعامل بواقعية ووضوح وتضع مصلحة شعب العراق وامنه ومصالحه فوق كل اعتبارات عربية او اقليمية او عاطفية بانحيازها الى هذا الطرف او ذاك.

قد يكون العراق البلد الوحيد الذي عبّر عن موقفه بشكل واضح خلال فترة الأزمة السورية وبعد التدخلات العسكرية وبعد الضربات الصاروخية الاخيرة انه ينأى بنفسه عن اي صراع دولي او اقليمي ولن يسمح بانتهاك سيادته او انتهاك سيادة الغير، وان العراق لن يسمح بأن تكون اراضيه واجواءه قاعدة تنطلق منها اي عمليات عسكرية باتجاه اي دولة من دول الجوار وبذلك أفشل رهان المتصيدين بأن العراق سيكون موقفه داعما للموقف الروسي - الايراني الذي يقف مع الحكومة السورية او يتأثر بعلاقاته الطيبة المتطورة مع دول الخليج او ان السياسة الاميركية وتواجدها في قوات التحالف لمحاربة داعش قد يجعل من الحكومة العراقية تجامل في المواقف وقد تسير مع السائرين.

ولكن الصلابة والشجاعة في اتخاذ المواقف بيّنت ان موقف العراق هو الموقف الحكيم والموقف المسؤول الذي لن ينحاز الى طرف لحساب طرف ولن يخل بتوازناته وتحالفاته الاقليمية والدولية. ومضى ينظر الى الموقف السوري عكس ما يراه البعض الآخر من الدول المجاورة والاوروبية وهو ان الحل بيد الشعب السوري والحل السياسي هو الحل الأمثل والوحيد لمعالجة الأزمة السورية وليس الحلول الاخرى المطروحة.

وهذه السياسة والمواقف جعلت من دول العالم تنظر الى العراق نظرة اخرى هي نظرة احترام وتقدير كونه موقفا مسؤولا يعبر عن ذاته ومصالحه رغم انه يتقاطع مع مواقف عدة دول مثل اميركا واوروبا وبعض الدول العربية.

وان العراق اليوم اصبح واضح المعالم في سياساته وقراراته وبنفس الوقت فأن حكومة العراق لن تتوانى في التعبير عن اتخاذها كافة الاجراءات العسكرية وغيرها لحماية حدود العراق الغربية المحاذية لسوريا وعدم السماح للتنظيمات الارهابية باستغلال هذه الظروف والانتقال مجدداً الى الاراضي العراقية.

هذا الموقف الوطني المسؤول الذي لم يجامل ولن يكون قد تعامل بعواطف القومية وعلاقات الجوار وغيرها بل تعامل بمسؤولية حفظ امن وسلامة شعب العراق واراضيه وعدم التدخل في شؤون الآخرين.

 ان هذا الموقف قد حيّر الكثيرين ومازالوا يبحثون عن ثغرة لمجرد الانتقاد ولكن لن يفلحوا ما دام ان مصلحة العراق تأتي اولاً في مثل هكذا حسابات ومعادلات ومواقف تحتاج الى بصيرة ثاقبة لاتخاذها.

المزيد من المقالات

آخر التعليقات