قراء في كتاب .. حضارة مدينة ماري في سوريا

نشر فى : الأثنين 16-04-2018 - عدد القراءات : 49

صحيفة بدر / متابعة ...

الجزء الاول ..

تختصر قصة حضارة ماري، المدينة والمملكة، مجمل الخطوط العريضة للذهنية المشرقية والسورية القائمة على التفاعل والانفتاح والأصالة والإبداع الإنساني.

نشأت مدينة ماري في بدايات الألف الثالث قبل الميلاد وقد وسم الطابع الديمغرافي العموري هذه المدينة. وإن كانت مجمل الظواهر الفنية والأدبية والثقافية والعمرانية تشير إلى مبلغ التفاعل مع مدن الجناح الرافدي الباكرة غير أن الباحث يستطيع أن يتلمس الروحية المارية الخاصة في جميع المظاهر والظواهر الحياتية.

يرصد كتاب "حضارة مدينة ماري" للباحث بشار خليف الصادر عن وزارة التعليم العالي وجامعة دمشق في العام 2017، حضارة تعود إلى نحو خمسة آلاف عام وتعتبر من أعرق الحضارات في المشرق. أحاط الكتاب بمعالم نشوء مدينة ماري- تل الحريري على الفرات الأوسط قرب مدينة البوكمال وذلك منذ عام 2900 قبل الميلاد وإلى حين تدميرها على يد الجيش البابلي بقيادة حمورابي في نحو عام 1760 قبل الميلاد.

أنشئت مدينة ماري وفق مخطط مسبق ومدروس بعناية وهذا يعني أنه تم اختيار المكان ودراسة جدواه من كل المناحي، إن كان لجهة الأمان من جور الطبيعة المتمثلة في الفيضانات أو من التعديات والنواحي العسكرية.

يشير الكاتب إلى نمط معماري يعبّر عن خصوصية ذاتية تتصف بها حضارة المشرق. فوفي مطلع الألف الثالث قبل الميلاد ستتجه مدينة ماري إلى إنشاء عمرانها وفق ذاك النمط مع المزيد من التعقيد بإنشاء منشآت مائية وملاحية تحتم آلية متطورة تخدم المدينة الجديدة.

وقد كان لإنشاء ماري أثراً بارزاً في الحياة الاقتصادية والتجارية بين جناحي المشرق(العراق وسوريا). وبذلك أمكن للجناح الرافدي أن يطل على عالم المتوسط وبلاده، في مقابل إطلال الجناح الشامي على العالم ما بعد الرافدي ولا سيما الإيراني والهندي وشرق آسيا وعبر مواقع الخليج.

ويشير الكاتب إلى أن المخطط الأصلي لمدينة ماري كان على شكل دائرة تخترقها قناة مياه متفرعة عن نهر الفرات. ويلاحظ أن بناء سور المدينة قد تم أولاً ومن ثم شيّدت الأبنية، وثمة تطور كبير في مجال تأمين مياه الشرب لمدينة ماري من خلال إنشاء القنوات وإقامة السدود.

أدت هذه الذهنية المتطورة في إنشاء المدن في ذلك الوقت المبكر إلى ازدهار كبير في منطقة الفرات الأوسط وزيادة الكثافة السكانية فيها.

لم يذكر الاستشراق الغربي الواقع الديمغرافي في ماري إما جهلاً أو تجاهلاً، وإما لإظهار حالة قطيعة بين المشرق اليوم ومشرق تلك العصور. وقد ساهم السومريون في صنع حضارة الجناح الشرقي للهلال الخصيب ولم يسهموا في حضارة بلاد الشام، حيث قامت بواسطة الماريين والإبلائيين والأكاديين، وفق ما ذكره الدكتور علي أبو عساف.

ويبدو أن البيئة الديموغرافية بحسب المعطيات الآثارية تشير إلى فاعلية آكاد عمورية ويبدو أنها تأثرت بالثقافة السومرية. وهذا ما دفع مكتشف ماري أندره بارو للقول: "إن ثقافة ماري تفتحت في وسط غير سومري".

إن حركة التفاعل في ماري في النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد كانت ذات اتجاه رافدي أكثر منه اتجاه إلى العمق الغربي الشامي. وربما ذلك يعود إلى النشوء المبكر لمدينة ماري في ظل غياب فاعل لمدن كانت في طور التكوين مثل إيبلا وإيمار.

لغات سكان ماري

أما لغة سكان ماري فيلاحظ وجود لهجات أو لغات عدة حيث أكدت الأبحاث أن سكان ماري كانوا يتكلمون السومرية والأكادية القديمة والحورية واللهجات العمورية، وكان ملوك ماري في تلك الفترة يحملون أسماء سومرية.

ويشير المؤلف إلى أن ماري شكّلت عبر تاريخها بوابة العبور العموري إلى بلاد الرافدين، ويمكن أن نصل إلى أن ثمة تعايشاً سومرياً – عمورياً في الثلث الأول من الألف الثالث.

 

وعن الحياة الدينية في ماري يتحدث الباحث أنه لا يمكن البحث فيها من دون الاستناد إلى البعد الديمغرافي الاجتماعي، حيث تؤكد المعطيات الأثرية على التفاعل والامتزاج الاجتماعي إضافة إلى التنوع في مجال الرموز الاعتقادية تبعاً للتنوع الديمغرافي.

فإلى جانب الآلهة السومرية سنجد آلهة عمورية، وبالتالي نحن أمام معابد لكليهما. ولعل طبيعة ماري التجارية فرضت عليها أن تكون حاضنة لمجمل الاعتقادات ورموزها. فإلى جانب معبد نيني زازا السومري، نجد معبداً للآلهة عشتارات العمورية. وقد قدمت نصوص ماري ما يزيد على 125 اسماً إلهياً مقدساً مثل: شمش، سين، أدد، عشتار .... الخ.

أما الأضاحي المقدمة للآلهة فكانت دوماً من الخراف الذكور، وكانت تؤكل بعد ذبحها، مع ملاحظة أن الكنعانيين كانوا يحرقونها.

ويشير الكاتب إلى أن مساكن الآلهة كانت تقام إلى جوار المعابد، وأبانت مكتشفات ماري عن نشوء ظاهرة جديدة تمثلت في إنشاء قصر – معبد، وهي ظاهرة مميزة بين مدن المشرق آنذاك. وهذا يدل على تصالح بين السلطتين الزمنية والاعتقادية.

وعن الواقع السياسي في ماري، يشير الباحث خليف إلى أن الوثائق أبرزت ستة ملوك حكموا ماري لمدة 136 عاماً، وأن سلالة هؤلاء الحكام وغيرهم حكمت بين عامي 2900 و2600 قبل الميلاد، وأول حكام هذه السلالة هو أنسود.

ويبدو أن فاعلية ماري تحققت في زمن حكم ايبلول إيل، فقد أشارت الوثائق إلى أن ماري كانت القوة الوحيدة المسيطرة على حوض الفرات الأوسط، واستمرت بذلك حتى ظهور الأكادية نحو عام 2350 قبل الميلاد. وقد أشارت الدراسات إلى أن ماري في الألف الثالث إمتد نفوذها حتى كركوك في فترة حكم ايبلول إيل وإلى منطقة كوموكبيا في الأناضول، وأن إيبلا دفعت الجزية لها. كذلك تشير الأبحاث إلى أنه في فترة حكم ايشتوب شار خضعت إيمار لفاعلية ماري.

ينتقد الكاتب ما توحي به دراسات وأبحاث المستشرقين بأن ثمة صراعات إثنية وديمغرافية بين مدن المشرق في الألف الثالث قبل الميلاد، مؤكداً أن وثائق المشرق القديم الرافدي لم تشر إلى أي صراعات مع الأكاديين.

وفي معرض حديثه عن الحياة الاقتصادية والتجارية يشير الكاتب إلى دور مدينة ماري البارز، وقد مارست رقابة نهرية صارمة على حركة الملاحة الفراتية، وبذلك استطاعت ماري أن تكون صلة الوصل بين العمق الشامي والعمق الرافدي.

سيمر على حضارة ماري في تاريخها العديد من الفعاليات منها الأكادية ومملكة أور والأشورية، وستؤثر كل منها فيها. فمع لوغال زاجيزي بمحاولة توحيد مدن المشرق استجابت لمعطيات دورة الحياة السياسية – الاقتصادية – الاجتماعية – الروحية الواحدة، وتشكل الفعالية الأكادية القاعدة الأساسية التي تمت صياغة المشرق عليها وصولاً إلى العصر الحاضر.

يتبع ...

المزيد من الثقافة والفنون

آخر التعليقات