موسى بن جعفر الكاظم.. لم يكن غريباً

نشر فى : السبت 14-04-2018 - عدد القراءات : 3
كتب بواسطة : أنور الموسوي

انه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلاّ انقضى عنك معه يوم من الرخاء، حتى نقضي جميعاً الى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون. رسالة موسى بن جعفر إلى هارون الرّشيد.

مقدّمة:

التاريخ الإسلامي للرواية يمكن تصنيفه على صنفين:

التاريخ السياسي للرواية: ويشمل هذا التاريخ كل التدخلات السياسية، والمصالح المتبلورة في توظيف الرواية أو وضعها أو رفعها، وقد لعب هذا التاريخ، دورا مهما في استنزاف الأصل الروائي وتبديله بما يتناسب مع الحكم، وسياسة الحاكم. يقسم هذا التاريخ المستشرق الدانماركي بيترسن Petersen E. L.   إلى الرواية الأموية، والرواية العباسية.

والتاريخ الأصيل: وهذا التاريخ الذي لا يخضع، إلى التعديل، أو الإضافة مع طبيعة الحاكم والحكم، بل هو التاريخ الذي يرد من مصادره دون تغيير أو وضع، لكن هذا التاريخ هو من الضعف، وقلة المصادر، والضغط الكبير الممارس نحوه، ظل أيضا تاريخ مشكوك به، يخضع كثيرا للمداولة، والمناقشة، أو ما يسمى بعلم الجرح والتعديل، عند المختصين، وهو أيضا مما يقع الاختلاف به إذ ليس كله مقبول، وليس جميعه متفق عليه، لا أود الخوض في مناقشة تاريخ الرواية، أو محاكمتها وددت فقط الإشارة إلى ذلك الأمر لأنه مدخل البحث الذي سأعتمده في الاستنتاج.

غيب التاريخ السياسي الكثير من سمات، وأثار موسى بن جعفر الكاظم، وما سبقه وما تلاه من أئمة الشيعة، لذلك ونحن نريد أن ننقاش بعض الظروف الموضوعية للأحداث، سوف نستند إلى رؤية عقلية، وفي حدود القلة سنستخدم ما اتفق عليه المؤرخون من أحداث كي نؤسس عليها ما نستطيع من دراسة بسيطة.

تأريخ؛

أمضى موسى بن جعفر الكاظم ثلاث وثلاثون سنة من إمامته وهي مدة أطول من إمامة أبيه جعفر بن محمد الصادق بثمانية سنين. بعد سقوط الدولة الأموية، وابتداء النهوض للدولة العباسية، وحالة الاضطراب التي صاحبها، جعل العباسيين يخوضون التصفية والحروب الداخلية، من اجل تمتين ملكهم، فقام أبو جعفر المنصور بتصفية صاحب الدولة العباسية وواليها في عهد السفاح، وهو: أبو مسلم الخرساني،

والقضاء أيضا على عمه عبد الله بن علي، ومن ثم قامت ثورات عدة في عهد المنصور هي (ثورة السنباذ، انقلاب جمهور بن مرار العجلي على المنصور، ثورات الخوارج، ثورة محمد ذي النفس الزكية، ثورة كافر خرسان).

كانت الإمامة لموسى بن جعفر بعد أبيه جعفر الصادق فعاصر فيها بعد خلافة المنصور، خلافة كل من:

الخليفة المهدي، الذي خلف المنصور في عام 158ھ،

اذكر هنا هذه الرواية وأناقش جزء منها، لو صح فرضا متن هذه الرواية، فقد أودع المهدي الإمام السجن مدة من الزمن. ثم أطلق سراحه بسبب حلم رآه.

يقول المؤرخون أنه انتفض مرعوباً من نومه ذات يوم، وبعث إلى وزيره الربيع وأمره بإحضار موسى بن جعفر [ع]، كما ينقل صاحب كتاب تاريخ بغداد وغيره عن وزيره الربيع.

فلما حضر الإمام [ع] قام له المهدي وعانقه وأجلسه، ثم قص عليه قصة الحلم الذي رآه. قال إنه رآى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [ع] في المنام وهو يتلو عليه هذه الآية: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم). ثم طلب من الإمام عهداً ألا يخرج عليه أو على أحد من ولده. فأكد له الإمام [ع] أن ذلك ليس من شأنه ولا يفكر فيه. فأطلق سراحه وأعاده إلى أهله في المدينة. المصدر

ومن ثم عاصر حكم الهادي ابن المهدي، وفي عهد الهادي حصلت واقعة تسمى موقعة فخ بين العباسيين والعلويين.

تعرض الإمام لمضايقات مستمرة من العباسيين خلال حكم الهادي، الذي حكم سنة واحدة وبضعة شهور، فحاول هذا أن يقتل الإمام، على أثر الثورة العلوية التي تزعمها الحسين بن علي صاحب فخ. إذ اعتقد الهادي أن للإمام دورا فيها، وأنّه الذي حرّكها وقادها، فثارت ثائرته متهما الإمام بإعلان العصيان وألقاه في السجن وقرر تنفيذ مؤامرته بقتل الإمام، غير أن الله جلّ وعلا انتصر للإمام بموت الهادي وهلاكه بعد مدة قصيرة من سجن الإمام فأهلكه الله قبل أن ينفذ مخططه. / المصدر.

والمعاصرة الأخيرة كانت على يد هارون الرشيد الذي قتله بعد أن أطبق عليه في السجن لسنين طوال.

مناقشة:

لنقدم هنا بعض الرؤى والاستنتاجات حول الجو العام الذي كان يسود الوضع، وما سبقه وما تلاه.

1-   كان التوجه العام للائمة أهل البيت، بعد ثورة الحسين بن علي، أن يؤسسوا إلى مدارس فكرية تعني بالقيم، والاتجاه التثقيفي العلمي، وذلك حصل ابتداءً من تعاليم علي بن الحسين وتربيته القيمية من خلال الأدعية التي وصلت، والى عهد الصادق، ومدرسته العلمية، واستغلاله للجو العام الذي أتاح له تأسيس اكبر مدرسة فكرية فقهية، وكلامية كان لها اثراً بالغ، ورغم عدة من الثورات التي حصلت أبان إمامته، لم يكن له يد في أي واحدة منها،بل في بعض الأخبار انه كان يرفضها، لأنه في كل الحالات سيؤدي إلى فرض امر بقوة السلاح، أو بصيغة الدم، وهذا مما لا يرغب الأمام في تأسيسه، فوضعوا طريقا إلى مزيدا من المعرفة، وكثيرا من الفقه والعلم. وهذا مما يعطي نتيجة أكثر أهمية من نتائج الحكم، وتوارد الانقلابات، وفعلا حقق جعفر الصادق أشواطا كبيرة وكثيرة في هذا المضمار العلمي، الذي كان يتوازى مع الجانب القيمي الأخلاقي.

2-   في معرض الرواية التي ذكرنها سابقا، خلال حكم المهدي، وسجنه للأمام موسى بن جعفر، ومن ثم إطلاق سراحه نتيجة حلم راه، يكون هناك مستويين أمام تلك الرواية لو صحت فعلا كسند قوي.

المستوى الأول:

روج العباسيين إلى شرعية حكمهم من خلال أن لبني العباس سند شرعي في وراثة الدولة كونهم من سلالة عم النبي، العباس بن عبد المطلب، أعطت لهم السبق على أبناء عمهم الطالبيين. وتمثلت في المكاتبات بين المنصور وبين محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية، ويتلخص ذاك السند في الفتوى بإن العم أحق في الوراثة من البنت وابن العم ويقصد بذلك أهل البيت. لذلك ومن خلال تلك الفرضية التي أسس لها بنو العباس حصلوا على دعم في القضاء على الدولة الأموية واستغلال كره الفرس للأمويين، لذلك نرى المهدي يشير إلى رؤياه في الحلم لعلي ابن أبي طالب، ويتلوا عليه أية تتسم باستنكار قطع الرحم، إشارة إلى تلك الفكرة التي سوق لها بنو العباس.

المستوى الثاني:

وهو مستوى أعمق وذو دلالة ستستمر حتى أمد طويل.

انهم وخلال كل تلك الحقبة، وبعد سقوط الدولة الأموية وعداؤها المعلن لعلي، وتأتي الدولة العباسية، ضامرة الخوف أيضا من علي، لذلك هي تصرح ضمنا، باسمه، ووجوده بين أحلامها، وكما يذكر ذلك الخليفة المهدي، فالخشية من علي لازالت تمارس دورها على الدولة المؤسسة حديثا، وان حاضر علي ابن أبي طالب لازال يطاردهم، ويقض مضاجعهم، من خلال إمامة أولاده الذين يأتون تباعا، فهو صرح بشيء ذو مدلول عميق لو اهملنا الجانب الآخر في الرواية، إذ انهم يضعون في حسبانهم أهمية الامتداد الروحي لعلي من خلال الإمامة والمتمثلة في موسى بن جعفر الآن. وهو خوف من اخذ الحكم منهم، وهذا ما اشترطه الخليفة على الأمام. ومن الجانب الآخر لم تكن نظرية الإمامة قائمة على الحكم، بقدر ماهي قائمة أساسا على التربية الروحية، والمرجعية العامة لكل شؤون المجتمع.لكن ذَلِك لم يكن بالقدر الكافي اذ أن نتائجه الحتميّة ستقود بالنتيجة إلى وعي الأمة، وأحداث الإنقلاب، وهذا ماحصل فعلاً لأكثر من مرةً، وعلى مر العصور.

الأمر الآخر في الرواية المذكورة حول المهدي انه طلب من الأمام ألا يخرج عليه أو على أحد من ولده. فيجيبه الأمام بانه ذلك ليس من شانه ولم يفكر به.

يبين هذا المقطع عدة أمور

الأول: الحجم الذي كان يتمتع به سابع الأئمة، والثقل الذي كان يمثله في تلك المرحلة، لذلك يتم سجنه اكثر من مرة و ومن ثم يطلب منه عدم الخروج على الخليفة، فنحن في هذا الموقف لا يمكن أن ننظر إلى كلمة عدم الخروج على الخليفة ضمن الرقعة الجغرافية التي يسكنها الأمام، إذ ذلك من غير المعقول أن يشكل من خلالها خطرا على الدولة، أو أهمية تكون من الخطورة على الخلافة العباسية، لكنه كان يعي جيدا الثقل والحجم الذي كان يتمتع به موسى ابن جعفر على طول الرقعة الجغرافية التي يحكمها بنو العباس، وهذا ما شكل لهم مدار خطر، وأهمية في طلب الخليفة المهدي من الإمام أن لا يخرج عليه.

الثاني: استراتيجية الإمامة وكما هو الظاهر كذلك، لم تكن قائمة على نظرية الحكم، لذلك نجد قول الإمام انه لم يفكر في ذلك وليس من شانه، ذلك العمق الذي بنيت عليه نظرية الإمامة بأن تبتعد عن الحكم، ولا تزاوله، سياسيا وأنها ليست مما تفكر به، أو ليس من شئنها ذلك، وقد يقول معترض أن الظرف الموضوعي كان يلزم الإمام أن يجيب بهذه الصيغة؟

قلنا: لكان من الأجدر أن يكون الظرف الموضوعي اكثر ملائمة في اعتراض نشوء الدولة العباسية، وقيام الإمام جعفر الصادق بتلك المهمة، إذ عرفنا مسبقا، ضعف التكوين الذي نشأت عليه، وكثرة المواليين له، أي للإمام الصادق في حينها، ومن ثم الثقل الذي يتمتع به جعفر الصادق، في ذلك الوقت، والأهمية، حتى انه على اقل تقدير لم يدعم أي من الثورات التي حصلت، بل له عليها اعتراضات، لحفظ الدم، والاهتمام بأرواح الناس،فأجابت الإمام موسى بن جعفر في حينها، هي إجابة ذات طابع استدلالي على نوع النهج الذي اتفقت عليه الإمامة بعد ثورة الحسين بن علي، وهي التربية الروحية، وزراعة القيم، والاهتمام بشؤون الناس، وبذلك خطت الإمامة بعد ثورة الحسين، نهجا، أدبيا، يتورع عن المشاركة في الحكم سياسياً، أو القيام به، ليس عجزا، ولكن لغرض اسمى من اجل بث روح العلم، والثقافة، والقيم، ومساعدة الناس، والقرب الإلهي.

الثالث: المضايقة التي يتعرض لها الإمام، والسجون المتكررة، في عصر كل خليفة، هي مضايقة، وتحجيم نشاط، والا لو كان سلام الله عليه، لا يشكل أي خطورة، أو أهمية، طوال الثلاث والثلاثين سنة من إمامته، فلما كل هذا الخوف؟، إذ من ظاهر هذه الاعتقالات، والسجون، نستنتج الدور الحركي الفعال، الذي كان يمارسه موسى بن جعفر عليه السلام، والنضال العلمي، والقيمي، الذي كان يمارسه تجاه المجتمع، في النصح، والثقيف، والإرشاد، وهذا اشد ما يخيف أي حاكم، أن يكون لخصمه اتباع، وهؤلاء الاتباع يكونون من حملة القيم، والمؤمنين بالنضال ضد الظلم، والمتسلحين بالعلم والثقافة تجاه أي فكر ظالم، أو منحرف، وهذه هي سر الإمامة أن ترتقي بالامة إلى حيث العقل، وتبلور في داخلهم مفاهيم العلم، والإخلاص، بمعية الإيثار، والمصلحة العامة، ليكنوا منتجين لقادةٍ يمثلون ذلك الوعي، ما وصلنا من اطراف التاريخ عن موسى بن جعفر أكثره يكاد يكون في فترة سجنه، مع بعض التسريبات الطفيفة حول فعالياته القيمية خارج السجن أو من داخله، كل ذلك يوضح إهمال التاريخ السياسي المتعمد لتلك الشخصية، وضياع الكثير، من منجزاتها التي حققتها، والأدوار التي كانت تمارسها، في صراعها ضد الظلم والطبقية، فوفقا لما استنتجناه في هذه النقطة، نرى أن الكثير من نضال هذا الإمام لم يصلنا، لأنه كان يمثل في الحقيقة والواقع، ثقل اتباع كل جعفر الصادق، وممارسته الفعالة في ادرأة تلك الشؤون ونشاطه المخيف لتلك السلطة، مما جعلها تضيق عليه الخناق، وتبادر إلى سجنه لأكثر من مرة. ورغم ذلك تشير الروايات إلى حركته ونضاله من داخل السجن ومتابعته لشؤون الأمة التي كان يرعاها، لذلك تجد الخليفة الثالث الهادي يتهمه بواقعة فخ، وإنها قد تكون من تدبيره، فأي قائد مخيف كان موسى بن جعفر لثلاث خلفاء عباسيين، كل خليفة يستلم الحكم، يعمل على سجنه أو يريد قتله.

هذا الغريب منين؟

تمثل لنا الوقائع التاريخية انه وضع بعد ذلك على جسر الرصافة في بغداد تنظر له المارة!! وما إلى ذلك من انه كان وحيدا غريبا، ليس له أو معه أحد.

هذا امر مخالف جدا لما استنتجناه من نقاط سابقة الذكر، ولعله هناك امر أخر تم التكتم عليه من قبل السلطة العباسية، لم يصلنا، إما بخصوص الرواية نفسها، أو بخصوص الأحداث التي حصلت في حينها، قد تكون هناك حملة اعتقالات كبيرة قامت بها السلطات، أو سد الطرق المؤدي إلى الأماكن المهمة والحساسة ومن ضمنها الجسر، أو فرض حالة شبيه بحظر التجوال، أو ثورات مشتتة وقعت في أماكن معينة، أو أي شيء أخر لم يصلنا، إما القبول بانه وحيدا وليس معه احد في تصوير هكذا مشهد فذلك امر مستبعد جدا، في ضوء ما عرفناه من أهمية كان يمثلها وماله من ثقل على مستوى كبير جدا.

المزيد من المقالات

آخر التعليقات