هوية صراعنا...الحداثة والتراث والتاريخ

نشر فى : الأربعاء 04-04-2018 - عدد القراءات : 93

كتب / حكمت البخاتي .....

ان أول مبادرات الفكر الاصولي بشقيه العلمانوي والاسلامي يحيل أزمتنا الى التراث فالعلمانوي يجد عوامل التخلف وعدم القدرة على دخول العالم / الحديث بسبب متبنيات أو تبني التراث المستمرة في عالمنا الاسلامي ويجد الاسلاموي عوامل الهزيمة والخسارة التي اصابت ذاتنا ومنعتنا من بناء عالمنا الخاص بنا الذي سيغدو من وجهة نظره هو البديل لعالم اليوم انه يجد عوامل ذلك في تخلينا عن التراث وعدم اصطحاب متبنيات هذا التراث في أزمة بناء وجودنا الخاص بنا في عالم من التحديات التاريخية الفاعلة ،

لكن التراث اذا لايلغى من جانب فانه يكتمل في شقه الثاني في ان التراث لايعود ، واذا كانت الاولى تشكل أزمة الحداثوي في واقعنا العربي الذي يطالب بالقطيعة رغم ان الحداثويين العرب يضعون حلولا عقلية وثقافية ممكنة لهذه الازمة ، إلا أن الثانية هي أزمة الاصولي الاسلامي  الذي تحولت به الى هاجس نفسي يقارب المرض العصابي في إرتداده وأنغماسه في التراث   ، وكان هذا مصدر المواجهة بين الحداثة والتراث بين الأصالة والمعاصرة بين العالم القديم / عالمنا وبين العالم الحديث / عالمهم عالم اليوم وتبدو الخطورة متجهمة وغير قابلة للحل لذلك وصلت الى حدود العنف الرمزي من جانب الحداثة والى العنف الدموي من جانب الاصولية الاسلامية وتحول الصراع حول التراث الى أشكالية ظلت تنتج الكثير من الازمات .

لكن التراث لايلغى وبنفس الوقت لايعود لان التراث لم يكن لحظة عابرة او لحظة تمثل الانا الخاص بنا بل هو مقدمة وهوية ال ( نحن ) العامة بنا ، وهو لم يكن ايضا بقادر على التواصل في التعبير والتمثيل لنا في ظل التحديات التاريخية التي يشهدها عالمنا الكلي ، لكنه يتضمن امكانية التعبير عنا ضمن منطق التحولات والتغيرات التي يرفضها الاصولي / الاسلامي  ويذهب بها بعيدا الحداثوي / العلمانوي ، وبهذا فان منطق التحولات هو الذي يحكم قبضته على طبيعة هذا الصراع ، لكن حين نحدد طبيعة الهوية في التراث هل هوية وجودية أم هوية تاريخية بامكاننا ان نحدد طبيعة اخرى في الصراع ومن ثم نحدد طبيعة الاطراف التي تخوض لعبة الصراع هذا

التراث والحداثة ....
تتشكل الهوية في التراث ومن ثم يعيد التراث انتاج ذاته في الهوية  وبذلك تتشكل دورة تكاد ان تكون قارة في اعادة انتاج التراث مما يؤكد علاقة التراث بالهوية في بنائها الذاتي وتكوينها الداخلي لاسيما الهويات القديمة التي تنتمي اليها هويتنا الدينية والثقافية مما يحيلها الى عملية انتاج وجودي تسبق ما هو تاريخي او تتفوق عليه في الديمومة والثبات في الوقت الذي يشكل فيه التاريخ منطق التحولات والتغيرات بطبيعة بنيوية وتركيبية جاهزة في تشكيل مفهوم التاريخ . وبالقدر الذي يشكل فيه التراث هوية في الوجود تخضع الى إمكانية الديمومة والبقاء فان التاريخ يشكل محور المتغير والمتحول وهو ما يقتضي تفكيك العلاقة بين التاريخ والتراث فالتراث هو راسب العلاقة التاريخية المتراكمة في طبقات الوعي لدى المجتمع  والتاريخ هو المحفز للوعي وتكوين الطبقة العليا والظاهرة في هذا الوعي ، من هنا يقترن الوعي بالتاريخ وشرط خضوعه الى المتحول والمتغير على أثر خضوع التاريخ لمنطق التحول والتغير ، لكن التراث يقترن به المزاج الجمعي وينشط في حقول التربية والتنشاة الاجتماعية ومن هنا يستمد عنصر بقائه وديموته وهنا يحتوي التراث التاريخ ويدخله في أساليب ووسائط التنشأة والتربية ليصون ديمومة الهوية فيكون التاريخ والهوية معا عصيين على التحول والتغير عبر استحواذ التراث علي التاريخ تحت مدعى صيانة الهوية التي اخذت هنا تنحو منحى تاريخي فكانت السلفية التراثية تنتج القومية التاريخية  فينشأ صراع النقيض بينه وبين التراث نتيجة الصراع بين منطق الثابت والمتحول ، الذي يختزل موضوع الصراع بين الاصالة والمعاصرة ، بين التراث والحداثة ، بين الأنا والأخر في أدبيات الثقافة العربية الحديثة ، وهكذا تعود المعادلة المستأنفة في حلول الحداثة محل التاريخ في مواجهة التراث وهنا تتشكل إزدواجية صراع من جهة بنيوية بين التاريخ والتراث ومن جهة تاريخية بين التراث والحداثة لقد تم إقصاء التاريخ في هذه المواجهة بعد استحواذ التراث عليه لجهة محددة هي مؤسسة الخلافة التي أحتكرت سلطة التاريخ فأحتكرت التراث وهنا تتشكل إزدواجية قلقة مرتبكة عبرت عنها الصراعات بين إمتدادات هذه المؤسسة وعناصرها في التراث بين الوهابية والسنية وبين السلفية وبعض فروعها وبين الوهابية وأمتداداها في المنطقة التي عبرت عنها القاعدة اولا ثم تنظيم داعش الذي تشقق بالتتالي عن السلفية ثم عن الوهابية ثم عن القاعدة ليترجم ازدواجية الصراع في هذه المنظومة التراثية القلقة والمرتبكة في مواجهة التاريخ والتحولات التي يمر بها العالم الاسلامي باعتباره جزء من عالم اليوم مهما حاولت التراثية السلفية ان تفصله عن عالم اليوم وليتقمص عبرها .

التراث والتاريخ....
وفي مقارنة تفكيكية أخرى بين التراث والتاريخ فان التراث يمثل ألـ " نحن " والتاريخ لدينا يمثل الـ " ألانا " ، من جهة ان التاريخ يمثل انقسامنا وحروبنا ، محاولاتنا للاستحواذ عالى السلطة بأسم مذاهبنا وفرقنا حينها يتحول المسلم لدينا الى آخر في مذهبه في دينه وهكذا أسس البيان القادري الذي أصدره القادر بالله العباسي سنة 408 هـ لكل هذه ألـ " ألانا " التي تحولت في التراث لدينا بأسم أهل السنة والجماعة الى مفهوم الفرقة الناجية بعد ان أخذ القادر بالله العباسي تـ 422 هـ إقرار العلماء والقضاة على مضامين هذا البيان وأن مخالفته تعد من الباطل بل توجب الكفر ، وهكذا بواسطة التاريخ ألـ " ألانا " تم اختراق التراث ألـ " نحن " ليعود حكرا على كل متطرف متشدد متعصب ويمثل التأسيس الرسمي للتطرف والتشدد في تاريخنا الاسلامي ليتم إلغاء التراث لصالحه وهكذا ألغيت الكلامية الاعتزالية والشيعية بل وفرق كلامية أخرى في المدرسة السنية مثل الكلَابية لمؤسسها أحمد أبن كلَاب  (لم تحدد سنة وفاته ) في النصف الاول من القرن الثالث الهجري والماتردية لمؤسسها أبو منصور محمد ابن محمد الماتريدي تـ 333 هـ في اوائل القرن الرابع الهجري ، فالكلام في اصطلاحه ومفهومه هو الفكر المتكون في تطورات الوعي بالاسلام والنص لدى المسلمين ، ومراجعة الى كتاب مقالات الاسلاميين لابي الحسن الأشعري تـ 333 هـ تحيلك الى هذا الثراء الفكري والمعرفي الذي يتسم به التراث الاسلامي والذي يعبر عن او يمثل الهوية الاسلامية في نطاق الـ " نحن " لكن حتى هذا الكتاب أُلغي لصالح الكتاب التاريخي ، تاريخ الملل والنحل للشهرستاني تـ 548 هـ والفرق بين الفرق للبغدادي تـ 429 هـ ، بل الأدهى فيها الفصل بين الملل والنحل لمؤلفه إبن حزم تـ 456 هـليكون حكما وحاكما تاريخيا على مقولات التراث وثراؤها طبعا مع تزوير المقالات وبترها وعدم الكشف عن فحواها وملابساتها ، وهكذا أحيل كتاب مقالات الاسلاميين الى خارج اهتمام الاصوليين المتشددين فلا نجد في مصادرهم وادبياتهم أي وزن له او اهتمام به واعتباره من مرجعيات الفكر الاسلامي ونفس الكلام ينطبق على كتاب المقالات والفرق لمؤلفه المحدث الأمامي سعد بن عبد الله القمي تـ 301 هـ .

لقد تم التخلي عن مفهوم وهوية الـ " نحن " الأسلامية من جانب السلطة التي أمسكت بالتاريخ وهيمنت بواسطته على التراث وأزاحت كل مكونات هذا التراث الكلامية والفكرية ومن ثم ازاحت طوائف ومذاهب هذه المدارس الاسلامية وكانت تنخر من خلال هذه العملية بهوية الأمة الاسلامية وتعمل على تمزيق الدولة والمجتمع بآن واحد وهنا يمكن أن نفسر الطبيعة الثقافية والتاريخية التي تتحرك وتسير بتاثيرها سياسات الاضطهاد التي تنتهجها الانظمة العربية ضد مكونات مجتمعاتها التي تجد هويتها الدينية والتاريخية في التراث الاسلامي الذي نجد فيه الكثير من صور التواصل والتعايش الأهلي والتضامن الاجتماعي الذي كان يهيمن على العلاقات الأهلية في المحلات والحارات في المدينة الاسلامية وهو ماتحتفظ به ذاكرتنا الحية في تاريخنا القريب ، وتحفظه لنا مرويات التراث الشفاهية في تاريخنا البعيد .

وبذلك نستنتج ضرورة تحرير التراث من هيمنة التاريخ قبل ان يتحرر فكرنا من ثنائية التراث والحداثة ، ان تحرير التراث من هيمنة التاريخ يتيح لنا إمكانية دراسته من جديد ونقده وتشريحه ومن ثم صياغته بعلمية كأحد أهم مكونات الهوية ، فتتحرر الهوية لدينا من إستحكامات التاريخ وسلطانه ونبذه واقصائه ورفض مرور الهوية من خلال قنوات السلطة التي تروض الهوية باتجاه أحادية نابذة وطاردة نجد التأسيس الدكتاتوري لها في البيان القادري العباسي الذي اسس بنفس الوقت للصراعات في هويتنا .
 

المزيد من الدراسات والبحوث

آخر التعليقات