صورتان

نشر فى : الأحد 18-03-2018 - عدد القراءات : 5
كتب بواسطة : حسين الصدر

الحياة ساحةُ معارك الأضداد ، فأصحاب الحق لا ينازعهم الاّ حماة الباطل، والصادقون لا يعاديهم الاّ الكاذبون ، والمخلصون لا يتربص بهم الدوائر الاّ أصحاب الخيانات والجنايات ..،والأصيل لا يتنكر له الاّ الدخيل ...،وتجري العصور على هذا المنوال ...

والتاريخ عادة يحتفظ بمواقف الذين يتمحضون للشرّ والعدوان ، وينغمسون في حمأة الإجرام والانتهاكات للقيم والموازين، ويحتفظ أيضا بمواقف النبلاء الذين يملكون القدرة على مقابلة أعدائهم المسيئين اليهم بالاحسان .أما الرصد الالهي لأعمال الناس فهو لا يغادر أحداً الاّ بعد ان يحصي أفعاله وأقواله، سواء كانت ايجابية ام سلبية، فان كانت ايجابية ، اعتبرت من الحسنات ...وان كانت سلبية اعتبرت من السيئات .

واذا كان معظم الناس يخلطون الصالح بالطالح فان الطغاة لا وجود للصالح في قواميسهم على الاطلاق ...انهم لا يحسنون الا فنّ القتل والتعذيب والتخريب والاغارة على الانفس والممتلكات والمقدسات .

ومن أبرز هولاء الطغاة العتاة المتنمرين :
عبيد الله بن زياد ، الذي سلّطه (يزيد بن معاوية) على رقاب العراقيين فعاث فسادا في البلاد والعباد ...وقد يكون انحداره من صلب (زياد بن أبيه)، الذي استلحقه معاوية فجعله أخاه ونسبه الى ابي سفيان، هو الجذر الحقيقي لشعوره بالنقص، فأراد أنْ يغطي عليه بالافراط في القسوة ...والمصيبة انك تجد بعض المؤرخين البعيدين عن الموضوعية ينحازون الى الطغاة بدلاً من انحيازهم الى التقاة .

خذ مثلا على ذلك ، ما علّل به ابن خلدون في تاريخه استلحاق زياد حيث قال :(انّ ابا سفيان أصاب أمّ زياد ، بِنَوْعٍ من أنكحة الجاهلية )ومعنى ذلك أنْ لا غبار على نسب زياد ..!!مع أنّ زياداً ولد في السنة الأولى للهجرة ولم يولد أيام الجاهليّة ..!! وقد ورّث زياد نزعته العدوانية لولده (عبيد الله) فجاء (الفرع) مطابقاً (للاصل) ، وربما زاد عليه ...

يقول التاريخ :
ان عبيد الله بن زياد استدعى (عروة بن اديّه  وهو من مشاهير العُبّاد والزهاد – بعد أنْ وعظه فامتعظ من وعظه ، واعتبرها جرأة على الوالي ...، وأصدر أوامره بأنْ تقطع يداه ورجلاه وهو ينظر اليه متلذذا ..!!
وكان عروة من الشجاعة والبطولة ورباطة الجأش بمكان ولم يظهر منه اي لون من ألوان الانهيار ...

وهنا سأله (عبيد الله) قائلا :
كيف ترى ؟
فقال له :" أفسدتَ دنيايَ وأفسدتُ عليك آخرتك "وكان هذا الجواب بمثابة الصفعة القوية ، التي جعلت الطاغية يأمر بصلبه في الحال ، وهكذا كان لقد صلبوا (عروة) على باب داره ،ولم يكتف الطاغية الجبّار بذلك ، بل بعث برأسه الى ابنته ، فجاءت تبحث عن جثة أبيها لتدفنها، وكانت الجثة مطروحة بين يديْ ابن زياد ، فقال للصَبيّة :أنتِ على دينه ؟

فقالت له :كيف لا أكون على دينه ، وما رايتُ قطّ خيراً منه، فأمر بها أن تقتل ايضا، فقتلت مع أبيها .

ان ما صنعه (ابن زياد) بعروة وابنته، لا يصنعه الاّ الأوغاد الممعنون في السفالة والنذالة والدناءة والانحدار الى مستنقعات الرذيلة والاجرام .

وبالفعل فهو فارس من فرسان الاجرام واراقة الدم الحرام وكان قلبُه الأسود لا يدرك للرحمة معنى على الاطلاق .

وقد فعل ما لاتفعله البهائم ولعّل هذا الاجرام والغلظة التي تجاوزت الحدود عند الطغاة جعلت الرصافي يدعو الى ان ينسب الى (الشاء) أو (البقر) بدلاً من ان ينسب الى الناس ...
قال :دع الأناسيّ وانسبني لغيرهم
إنْ شئتَ للشاءِ أو إنْ شئتَ للبقرِ
فانّ في البشر الزاهي بخلقتِهِ
مَنْ قد أنفتُ به أنّي مِنَ البشَرِ

وما موقفه من الامام الحسين (ع) والكرام الطيبين من أهل بيته وأصحابه الاّ الدليل الصارخ على تلك الحقيقة .

واذا كان (ابن زياد) احد الامثلة البارزة على تجميع الأصفار .

فان (عروة بن اديّه) يعتبر من الأمثلة البارزة على اخلاقية النبلاء الأبرار يقول التاريخ :لقد أوصى أهله ، حين تهيّأ الجلاوزة لصلبه ، وقال :( انظروا الى هؤلاء الموكّلين بي فأحسنوا اليهم فانهم أضيافكم ) العقد الفريد / لابن عبد ربه الاندلسي ج1/ص234
وماذا عسانا ان نقول في هذا الانسان الفريد الذي أحسن لقاتليه ..!!

انها بالفعل صورتان :صورةُ للحقد الأعمى المعّمد بالدماء ...وصورةُ النبل الذي جسّد أعلى صيغ المناقبية الانسانية .وفي الصورتين من الدروس والايحاءات الملهمة والحثّ على احتضان المكارم واجتناب المآثم ما هو جدير بالاستذكار آناء الليل وأطراف النهار.

المزيد من المقالات

آخر التعليقات