محمد خضير ودهشة الأغلال.. قصة: الرسالة نموذجا

نشر فى : الأربعاء 21-02-2018 - عدد القراءات : 105

كتب / وديع شامخ ....
محمد خضير قاص ومبدع عراقي كبير اقترنت بإسمه وباعماله السردية والفكرية منعطفات ابداعية في مسيرته الشخصية وفي حقل السرد عراقيا وعربيا، فهو وراث أمين للتراث السردي العربي بقديمه وحديثة، وقارىء نوعي ومنتج للتراث العالمي.

 في قصته الجديدة "الرسالة" يستعيد محمد خضير كل هذا الارث الابداعي ليصوغ رائعته العراقية الانسانية معا، في هذه القصة يعتمد القاص على تقنية السرد المراوغ بين الزمان والمكان واستثمار خلاصتهما في أثر خارجي خلاصي وهوالرسالة، والذي ربما تذكرنا شكليا برواية ماركيز القصيرة "ليس للكولنيول من يكاتبه" الذي ينعزل منتظرا رسالة ما تأتيه .

 ذهب خضير الى موضوعة انسانية ساخنة وهو السجين السياسي ""حين يهبط السكان تحت الأرض، كلما اشتدّت حرارة السطح، يأخذون معهم سجيناً واحداً، يستبقونه رمزاً لماضٍ سياسيّ خانق عانوه، مع سجّانه الذي يرافقه دوماً. وربما وضعوا تاريخاً ثابتاً يذكرهم بيوم السجين السياسي، أسوة بأيام الأسبوع المتسلسلة في رموزها الأبدية" ومن تقويم السجن الذي سيصبح شرطيا وفق "بافلوف" الى عادة وعاهة مستدامة حتى لو تخلصت من الظروف الملازمة لها "في بداية صيفٍ لاهب، أعفِي المساجين جميعُهم من مدّة حبسهم، بمرسوم رئاسيّ، إلا هذا السجين الذي استُثنيَ من الحرية لأسباب واهية. أما رفيقه السجّان فقد ظنّ أنّ وظيفته ستنتهي حالما ترِدُ الرسالة التي تأمر بإطلاق سراح سجينهِ"

هذا التلازم الاشاري بين السجان والسجين يشي بولادة اصفاد كبرى، "ومع مرور الأيام ويأسِ الرفيقين من وصول رسالة العفو." في انتظار الرسالة يذهب محمد خضير الى عدته وذخيرته المعرفية لتقصي تاريخ الرسائل عبر مزاوجة ذكية بين الأدب كحكاية متخيلة والتاريخ كوقائع قارة،فمنذ رسالة سرجون الاكدي، الى حكاية قائد يوناني مرورا بالأدب الروسي وحتى حكاية الشاعر طرفه وخاله المتلمس في رسالة ملك الحيرة عمرو بن هند إلى عامله في البحرين يأمره فيها بقتلهما، وصولا الى صدام حسين " ربما كانت حكاية الجندي الذي نقل رسالةً من صدام حسين إلى آمر وحدته، يأمره بقتله" سنجد ان هذه الوشايات، الرسائل قادمة من تراث ضارب في العمق الإنساني في الكتب القديمة وربما تكون وشاية زليخا بيوسف اكثرها تداولا ومقبولية في المتون المقدسة،. وباسلوب مبهر يعكس محمد خضير دلالة السجن بتبادل ادوار غريبة، يطلّ السجّان على صاحبه، الذي اعتاد الزيارةَ الصباحية، ويقول بنبرة ثابتة: "الحقيقةُ يا أخي، إنّ رسالة العفو عنك، قد تتأخر هذا اليوم أيضا"

ويتعاضد التاريخ بوصفه مدونة تكرارية ودرس للتلقي – البافلوفي- كمتوالية شرطية لاجراس الطاعة، تصبح حكاية لتلقين وتقنين فكرة التبادل وامتهان العبودية بين السجين والسجان في مكانية تحت الأرض وخارج قوانينها في التوق الى الحرية، ويتماهى محمد خضير مع نصه ليخلق لنا علاقة عشق متبادلة بين العبد والعبودية بدلالة ثلاثية السجين والسجن والسجان .

يذهب القاص الى اختزال عزلة الانسان وتماهيه معها في احكام ضبط السرد وتقنين المساحة عبر حشد اكبر قدر من المعلومة في اسطر معدودوات وهذا كناية عن حالة السجن والسجين في استحاضر الزمن في شريط فلمي قصير يمر عبر لحظات، لكنه لم يرد لسجينه ان يعتلي المقصلة، المشنقة وتنتهي الحكاية ببطولة فردية، ان القاص على درجة عالية من الحساسية لمهمة القص في هذا النص القصير، الذي أطال خضير عمره برسالة خطيرة عنوانها " ادمان العبودية " ليس عبر قسوتها المفترضة وليس عبر شكلها المعروض للتسويق الشفاهي والتدويني تاريخا وحاضرا، بل يسعى وبطريقة منظمة الى بحث موضوع دهشة العبودية واستمرائها كجزء من متطلبات الحياة، وهذا خطاب ميتا معرفي للوصول بالانسان رمزيا الى الدهشة السالبة،

" توالت الأيام،على السجين وحارسه، من دون تغيير. استسلمَ السكّان إلى طقسهم المناخي القاسي، ورموزهم المتداولة في السرّ والعلن، ونسُوا قصصَ الكهف الأرضي، الذي تعلوه قبّة بارزة على سطح الأرض الحارق"

القاص الذي اوصلنا الى نفق العبودية ودهشتها سيفضح سر رسالة الانعتاق وخارطتها، الرسالة التي انتظرنا نحن المتلقين وصولها كما كان السجين، لقد كانت رسالة مختلفة تماما عن رسالة العفو العام الصادرة عن مركز القرار، انها رسالة سرية خاصة محتواها البحث عن الحرية، ومحاولات السجناء حفر الانفاق او غيرها من الطرق، ومحورها الحرية من السجون القصية،محمد خضير اخفى الاثر وقدّم النص المؤدي الي الرسالة عاكسا ومشاكسا كل تاريخ الرسائل السرية المذكورة في القصة، وبهذا من حق الكاتب ان يعنون وبذكاء قصته ب" الرسالة"، لانها رسالة السجين للسجان، ولانها رسالة سرية تتعلق بعفو شخصي عن طريق سري.

" وخلال ذلك كان السجين قد تلقّى الرسالةَ التي وعده الحارسُ بوصولها في يوم من الأيام، وأخفى أمرَها عن حارسه. كان شعاع الشمس، يسقط من كوّة في قبّة الكهف، في وقتٍ محدّد من النهار، على كتابة محفورة على الجدار، ينتبه لها السجينُ ويحاول فكّ رموزها قبل انسحاب الشعاع واشتداد ظلمة الكهف. ويوماً بعد يوم، يكتشف السجينُ معنى رموز الكتابة التي تخفي طريقةً للفرار من سجن الكهف، لكن السجين الذي اعتاد انتظارَ سقوط شعاع الشمس على كتابة الجدار، يزهدُ في الحرية، ويختار مجاورةَ سطر الكتابة المشفّرة، وحديثَ سجّانه اليومي"

بهكذا كشف معرفي جمالي يختم محمد خضير سفره السردي المحمل بالايحاءات والمراجع ليجعلنا نقف شهقة واحدة لزفير سردي ضارب في العمق الابداعي، بمشاكسته للسياق التاريخي، من عنوان القصة وجدنا تضامنا عاما مع تاريخ الرسائل، وفرمانات الولاة والطغاة حول مصائر الناس وخصوصا السجناء والسياسيين منهم بوجه خاص، واظن ان محد خضير ركز على هذا الجنس من السجناء انتصارا للعقل البشري وتوقه للحرية وآفاقها الشاسعة .

الرسالة قصة قصير مكتنزة تحمل رؤيا مفارقة لتاريخ السجون والرسائل، بوصف الرسالة زاجلا والسجين انسانا مكبلا بشروط مكانية بحتة، رسالة الكشف المكاني للحرية عبر انفاق الحروف ودهليز الوصايا التي لم يمتثل لها السجين، الذي أدمن أغلاله حد الدهشة ورابط على ثغور حريته رافضا المغامرة المحسوبة، فخريطة الطريق لخروجه من السجن مسورة بالمجاهيل، ولكن محمد خضير يثير مسألة مهمة وهي توقيت الحصول على الرسالة، زمنها، مكانها، وكذا كان زهد السجين في الحرية بعد فوات الآوان لادمان العبودية حد الدهشة .

سؤال مهم يضعه الرائي محمد خضير أمام مصير كلي لشعوب تنتظر رسالة المجهول .

 

......................

 *- القصة منشورة على موقع (ضفة ثالثة) الذي يديره الشاعر أمجد ناصر من لندن بتاريخ 1/9/ 2018

المزيد من الثقافة والفنون

آخر التعليقات