النفط مقابل الماء.. أم العكس!

نشر فى : الأحد 18-02-2018 - عدد القراءات : 47
كتب بواسطة : د.محمد فلحي

حضارة الماء مهددة بالعطش،إنها مفارقة من عجائب الدنيا ونوائب الزمان، فقد شيدت أعظم الحضارات البشرية حول ضفاف الأنهار،وبخاصة حضارتي وادي الرافدين ووادي النيل،واليوم تلعب متغيرات السياسة والاقتصاد والجغرافيا والطبيعة لعبتها الخطرة ،عندما تواجه مجاري الأنهار الخالدة تهديدات جدية بسبب تناقص موارد المياه وتزايد استهلاكها في الوقت نفسه، إلى جانب مشاريع تخزينها من خلال بناء سدود في روافد الأنهار العليا فتصبح معرضة في وديانها السفلية للجفاف والموت..فالماء هو سر الحياة على الأرض!.

 هناك دراسات منشورة منذ أكثر من ربع قرن حول أزمة المياه المقبلة وتداعياتها المرعبة على الحياة،في ظل انفجار سكاني متزايد ونمط استهلاكي للماء غير مسبوق،فضلاً عن عوامل (جيوسياسية) متداخلة تنذر بشحة في المياه ومن ثم تزايد ثمنها حتى يمكن أن يكون سعر الماء مقارباً لسعر النفط في الأسواق العالمية.

حروب القرن الحادي والعشرين سوف تسمى(حروب المياه) بعد أن كانت حروب القرن الماضي قد وصفت بحروب النفط.. عندما يرفع بعضهم شعار(النفط مقابل المياه) فإن هذه ليست معادلة خيالية، إنها خطة بدأ تطبيقها فعلياً من قبل تركيا بخصوص نهري دجلة والفرات عبر انشاء سدود عديدة،أبرزها سد أليسو، تكاد تقطع شريان الحياة في العراق،في سابقة خطيرة في العلاقات الدولية والاتفاقيات المتعلقة بالجوار وتنظيم موارد المياه! هناك ردود أفعال وليس أفعال،كما يبدو،من الجانب العراقي، لمواجهة الكارثة التي وصلت إلى حد أن أهوار العراق الجنوبية التي تعد اقدم بيئة مائية ومهد حضارة سومر الساطعة في تاريخ البشرية تعاني هذه الأيام من الجفاف،وهو ما يعني تدمير النظام البيئي الزراعي والرعوي وفقدان ثروات طبيعية من أهمها صيد الأسماك والطيور فضلاً عن الثروة الحيوانية،وتهجير السكان أمام زحف التصحر.

رئيس الوزراء ثم وزير التعليم العالي والبحث العلمي،يدعوان إلى البحث من قبل العلماء في البدائل التي أصبحت مطلوبة من قبل الجهات العلمية والأكاديمية قبل السياسية،لكنها ليست متاحة بسهولة.

ويمكن هنا أن نشير إلى الخيارات المطروحة،في الوقت الراهن، أمام صانع القرار العراقي بخصوص أزمة المياه:
 1- تحرك سياسي نشيط من قبل الحكومة العراقية من أجل الضغط على تركيا حول ضمان حصة عادلة للعراق من المياه،والتفاوض حول المصالح المشتركة بين البلدين ومن ضمنها التجارة وتصدير النفط فضلاً عن تنظيم الحصص المائية،بأشراف الأمم المتحدة ورعايتها وضماناتها،رغم غياب المعاهدات الدولية التي تتعلق بتوزيع مياه الأنهار المشتركة العابرة للحدود،وهي ثغرة استغلتها تركيا بخصوص نهري دجلة والفرات،كما فعلت أثيوبيا في أعالي نهر النيل،والكيان الصهيوني في ما يخص نهري الأردن والليطاني.

 2- ضرورة التخطيط السريع لمشاريع سدود وخزانات جديدة للمياه في العراق، بهدف التنظيم والترشيد والحفاظ على ثروة الماء من الهدر والتبذير والضياع،ويمكن لهذه المشاريع أن تحظى لأسبقية في الميزانية المالية ومشاريع الاستثمار، ومن المعروف أن حجة تركيا في الاستيلاء على حصة العراق المائية،هي أن العراق لا يمتلك نظاماً لإدارة المياه،وأن المياه النازلة من جبال تركيا باتجاه الأراضي العراقية،عبر نهري دجلة والفرات، تذهب مباشرة إلى الخليج العربي،في حين أن الأنهار الرافدة من الأراضي الإيرانية، ومن أهمها نهر ديالى، لم تطرح للمناقشة الجادة في أي لقاء ثنائي بين البلدين الجارين،رغم تحسن العلاقات بينهما.

3- تعود العراقيون على نمط عشوائي في استخدام المياه في ظل وفرتها السابقة، سواء في السقي الزراعي أو الاستهلاك البشري،وازاء الأزمة الحالية المتصاعدة ينبغي أن تقوم الجهات المعنية بالبيئة والموارد المائية بوضع خطط جديدة حول ترشيد استخدام الماء وتنظيمه،وتوفير الأجهزة الحديثة التي تقلل من استهلاك الماء بطرق علمية مبتكرة .

 4- من المهم التفكير في مصادر جديدة لتوفير المياه،وبخاصة للاستهلاك البشري الذي يجب أن يحظى بأولوية عاجلة،وذلك عبر استغلال المياه الجوفية من خلال نظام متطور لحفر الآبار واستخراج المياه وتصفيتها وتوزيعها،ويمكن الاستفادة من الإطلاع على تجربة النهر الصناعي العظيم في ليبيا حيث تم استخراج المياه من عمق الصحراء الليبية القاحلة وتوصيلها إلى المدن البعيدة.

 5- إن اكبر مصدر للماء هو البحر،دون شك،وهناك مشاريع عالمية معروفة لمعالجة المياه المالحة وتصفيتها صناعياً،ومن المعروف أن العراق من بين الدول التي تمتلك اطلالة بحرية ضيقة عبر شط العرب والخليج العربي،ولكنه لا يمتلك أي تجربة في تحلية مياه البحر، وقد آن الأوان لإنشاء محطات كبرى لاستغلال مياه البحر،وبخاصة ان العراق يستطيع استثمار جانب من الطاقة النفطية في تشغيل محطات التنقية،وهي عملية تجعل من المعادلة السابقة معكوسة.. أي الماء مقابل النفط،وذلك بدلاً من الخضوع للابتزاز الخارجي من جيران لم يحترموا حق الحياة لجيرانهم الأزليين!

 6- لم يفعّل العراق حتى اليوم أي طريقة لمعالجة المياه الثقيلة أو الصرف الصحي وإعادة تدويرها للسقي الزراعي،كما لم تعتمد أي مشاريع لتجميع مياه الأمطار،رغم شحتها،ولكن ينبغي بعد اليوم التفكير في الاستفادة من كل قطرة ماء..فالماء أرخص موجود وأغلى مفقود!.

المزيد من المقالات

آخر التعليقات