رواية عربة المجانين: سيرة سجن لكارلوس ليسكانو

نشر فى : السبت 10-02-2018 - عدد القراءات : 303

كتبت / ا.م.د. هديل عادل كامل ......
حين سألوني ماذا أحتاج ـ عندما خرجت من السجن ـ كنت في الواقع في حاجة لكل شيء: الملابس والعمل والدفء والحنان خاصة رغم أني لم أكن أشعر بذلك أجبتهم بأني أريد آلة كاتبة/كارلوس ليسكانو

في العام 1971 في سن الثانية والعشرين، كان كارلوس ليسكانو عسكريًا حيث درس ثانوية عسكرية ودرس في القوات الجوية، إلا أنه انضم لإحدى الحركات الطلابية التوبماروـ التي تناضل ضد آلة القمع العسكري في الأوروغواي فتم اعتقاله. والذي قضى بعدها ثلاثة عشر عامًا في السجن والتعذيب ليخرج عام 1984

في العام 1984 اندلعت احتجاجات شعبية واسعة النطاق ضد الحكم العسكري في الأورغواي ما أدى إلى إعلان الحكومة العسكرية خطة لاعادة الحكم المدني للبلاد. بمضمون العفو العام يجد ليسكانو نفسه أمام أحد معذبيه في شوارع العاصمة مونتيفيديو، يكتب ليسكانو عن تجربته في السجن في روايته “عربة المجانين” وقد ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الاجنبية. ليسكانو روائي وشاعر ومسرحي من أهم أدباء أمريكا اللاتينية.

التوبمارو: حركة تحرر ثورية يسارية اعتمدت النضال العسكري وحرب العصابات لتحقيق أهدافها ـإسقاط الحكومة العسكريةـ منذ عام 1960 وحتى بداية السبعينيات. انتهجت الحركة الكفاح المسلح و تمت تصفيتها والانتصار عليها عام 1974

عربة المجانين هي العربة التي كان ينقل فيها العسكر في الأورغواي المساجين السياسيين، كارلوس ليسكانو مناضل سابق في حركة "التوباماروس" اليسارية التي تبنت أساليب الكفاح المسلح لقلب نظام الحكم في الأورغواي وباقي بلدان أمريكا الجنوبية.

دخل ليسكانو السجن كأحد أفراد حركة ثورية تحمل السلاح وخرج منه كاتبا روائيا وشاعرا ومسرحيا ينبذ العنف ويحكي قصة سجنه، السجن الذي لم يتأقلم معه يوما، لم يتكيف معه ولم يتقبله، على العكس بقي السجن والسجان شاخصين أمام عينيه باستمرار، راح ليسكانو يكتب سجانه الذي لم يره بعينه إلا في فترة متأخرة من المعتقل.

امتدت فترة سجن ليسكانو ثلاث عشرة سنة دخل السجن في الثالثة والعشرين من العمر يوم السابع والعشرين من أيار سنة 1972وخرج في السادسة والثلاثين، كان خروجه في 14آذار سنة 1985، خرج ليجد كتاباته، التي كتبها سرا في السجن وهربها في قيثارة أحد أصدقائه، في بيت شقيقته التي تم اعتقاله ليلة عيد ميلادها السادس عشر، كان ليسكانو قد قرر، في السجن، أن يكتب، يكتب لأنه، كما يذكر في ختام كتابه "كلمات العزلة"، عثر على صوت يحدثه عن الزمن القديم، ذات يوم سيدرك هذا الصوت بأن العلاقة بين الفرد المعزول والكلمات لها من القدر والقيمة ما يجعلها قابلة لأن تسرد، لذا سأكتب كلمات العزلة وسوف أؤمن بأن هذا جل ما أقوى عليه. "

يحكي ليسكانو عن تجربته في الكتابة يقول : "سنة 1981، كان مضى على سجني تسعة أعوام، ولم أكن قد كتبت حرفا واحدا، ذات يوم قررت أن أخط بيدي، بصبر وبطء، رواية، ولما كان يحظر علينا الكتابة، كنت أخفي أوراقي حيث أمكن إخفاؤها، ولم أنجح يوما في تخبئتها كما ينبغي إذ من المستحيل أن تخبئ شيئا في زنزانة، ولكني على الأقل كنت أحرص أن تكون محجوبة عن الأنظار، عقب تأليفي تلك الرواية أدركت أن هذا العمل كان يعينني على البقاء حيا، ومنذ ذلك الحين لم أتوقف عن الكتابة، في 12شباط سنة 1982دخل ضابط إلى زنزانتي فصادر الرواية وعددا كبيرا من الأوراق التي كنت قد سودتها حتى ذلك الحين، ومنذ ذلك الوقت لم أر أوراقي مجددا ولا الضابط الذي صادرها. "

نواجه في رواية ليسكانو علاقة السجين بجسده، علاقة غريبة، في لحظات يشعر المعذّب بالتقزز من جسده، بعد فترة طويلة من الحرمان من الماء والتنظف، هذا التقزز حين "تفوح رائحة الشقاء الإنساني، رائحة لا يمكن تحديدها، ولكنها موجودة تطفح بها قاعات التعذيب في العالم بأسره، هنا، تفوح رائحة نموذجين من الشقاء : شقاء المعذّب وشقاء الجلادين، لا تتماثل هاتان الرائحتان، ولا يماثل شقاء المعذب شقاء الجلادين، ولكن يبقى الألم ينال من الكائن ذاته "، يهدف الجلاد لجعل هذا التقزز معذبا مرافقا للسجين، معذبا منه، من جسده بالذات، إيغالا في تعذيبه، لكن ليسكانو يتصالح مع جسده ويتضامن معه يقول في عربة المجانين "غير أننا لا يسعنا أن نطالب جسمنا بمقاومة الألم وأن نقول له في الوقت نفسه اننا نتقزز منه، لذلك نشفق لحال هذا الحيوان، يثير تقززنا ولكننا نود أن نحبه، لأنه كل ما نملك، ولأن كرامتنا، أو بقية باقية من كرامة فينا، تبقى مرهونة بقدرته على المقاومة" ويقول "لا أدري كيف أفسّر حقيقة أن مقدار تقززنا من جسمنا هو الذي يجعلنا ننظر إلى أنفسنا على نحو مغاير وأن نظرتنا هذه تلازمنا طول العمر، أن نحب الحيوان الذي نكونه لكي نستمر في كوننا بشرا," ,

على مدار كتابات ليسكانو كان يكتب عن جلاديه كان يتغلغل إلى أعماقهم، ويصل إلى فهم الشقاء الذي يعيشونه، لم يشعر ليسكانو يوما أنه ضحية يقول: "كان ذلك هو خياري السياسي الذي أتحمل مسؤوليته، ولم أشأ أن يبدو الأمر من قبيل الشكوى، والحال أنني لا أشكو، فأنا لست ضحية، لقد جرى لي ما كان ينبغي أن يجري لي"، إذن لن نعثر على ضحية تحكي في أعمال ليسكانو بل سنعثر على معذّب وجلاد، سنتعرف عليهم بشكل قريب جدا، على شقائهم المزدوج ولكن المختلف، يصل إلينا حوار عميق بين المعذب وجلاده، نعيش علاقات معقدة بينهم، يقول ليسكانو: "المعذّب يشعر بأنه في حال أفضل مع جلّاده، إذ أنه يسمع صوته فيشعر أنه على ما يرام"، يسمي ليسكانو الجلاد المخصص له ب "المسؤول" الذي هو "مرجعية السجين، مزيج من أب سلطوي يجيد إنزال القصاص، سيد بعبده، وإله صغير يوفر الألم والطعام والماء والهواء والملاذ وأسباب النظافة ومواعيد الذهاب للمراحيض، المسؤول هو شخص ضروري في عالم الألم ذاك. ".

نص ليسكانو نص سريع، لا يسير في خط مستقيم، بل يتنقل، بعبارات سريعة لا تنسى، بين لحظات كثيرة، علاقة ليسكانو مع الزمن علاقة مختلفة، يقول ليسكانو في عربة المجانين، في بدايتها :"تعلمت قراءة الوقت في السابعة من عمري، ولكن لم تكن لدي ساعة، في تلك الفترة، وحدهم البالغون، كانوا يملكون ساعات، فالساعة آلة نفيسة وغالية الثمن، تستوجب عناية كبيرة، ولا يؤمن الأطفال عليها"، كما يقول "الآن تم إيقاظي ولا أعلم كم الساعة، لا أجيد تحديد الوقت، لا هذا الوقت ولا الوقت عموما"، بالتأكيد أن الزمن داخل السجن يختلف عن خارجه، الزمن مرتبط فهمه في كثير من الأحيان بالأحداث، بالحركة، في السجن تبدو الأحداث والحركة مختلفة، مرعبة وأحيانا تبدو نادرة أذكر هنا أن أحد المساجين كان يستأنس كثيرا بصوت المصباح في الزنزانة وحزن كثيرا حين تعطل هذا المصباح عن العمل.

في 14آذار 1985نال ليسكانو حريته، أركبوه في عربة تعيده إلى حيه القديم، إلى أحد أحياء مونتيفيديو بعد ثلاث عشرة سنة من الغياب، الآن أصبحت الحرية في الوجه تماما، كانت في السابق حلما جميلا أما الآن فهي واقع تجب مواجهته، الحرية تحمل في عمقها تحمّل المسؤولية، هذه المسؤولية التي تتلاشى بشكل كبير في السجن حين يصبح السجين تحت تصرف السجان حتى في أدق تفاصيل حياته، يقول ليسكانو واصفا مواجهته للحظة الحرية "فجأة، أحسست بالغربة التي يشعرها المرء حينما يكون حرا، لأنه حينما أكون بخير في عربة شرطة، مع شرطي بهراوته بالباب، لا أعود سجينا، يمكنني فعل ما أشاء بحياتي، هذا شيء يحلو سماعه ولكنّه مرعب، والآن ؟ ما لذي سيحصل الآن ؟ يستحيل طرح سؤال على أحد هنا، بين هؤلاء المجانين المنكمشين على فكرة حريتهم."

بعد فترة بسيطة وتحديدا في 11كانون الأول 1985استطاع ليسكانو الانتقال إلى ستوكهولم عاصمة السويد، السويد التي هي في نظره بلد السلام والذي أدهشه فيها "الثلج والسكون"، يقول "قدمت إلى السويد في فصل الشتاء أذكر ذلك اليوم جيدا، ذلك اليوم من شهر كانون الأول ودهشتي لدى تفحّص ساعتي، في الخارج كان قد حلّ الليل، فيما الساعة تشير إلى الثالثة"، انتقل بعد ذلك، في منتصف التسعينيات إلى اسبانيا، تحديدا "بلازا ريال" أحد معالم اسبانيا الأكثر بؤسا والأكثر غنى وتنوعا، حيث كما يقول ليسكانو "كان من اليسير أن أعثر هناك على شخصية رواياتي"، إلا أنه عاد مؤخرا للعيش مجددا في الأورغواي البلد الوحيد الذي يشعر فيه "أنه ليس غريبا".

ليسكانو اليوم كاتب شهير جدا تترجم أعماله إلى اللغات العالمية ويتم الاحتفاء به في أكثر من مكان وهو بالتأكيد وقبل أي شيء آخر سيرة تستحق أن تقرأ.

المزيد من الثقافة والفنون

آخر التعليقات