قراءة في مجموعة: اللهو بالخراب للشاعر سلام مكي

نشر فى : الأثنين 22-01-2018 - عدد القراءات : 454

كتب / ساطع الجميلي ......
الشعر شكل جديد للحظة تم اكتشافها تواً ليخلق لها رديفاً عقلياً ينزلُ الى حيز التجربة والوجود كحكمة تنتقل بين المجتمعات على امتداد الزمن .

 ومهما تلتبس الوجوه وتختلط أوراق الحداثة فالشعر صورةُ يشترك فيها اللاحق بالسابق اذا تغيرت البنى اللغوية والنصية أو خلاف ذلك، ربما ينبغي ذكر استلهام الحدث من اي مكان أو جهة لبلورتهِ تعبيراً عالي الشعرية ليندرج في اطار الكشف والخلق العالي .

سلام مكي اسم أدبي معروف في الوسط الشعري البابلي فهو شاعر إضافة إلى كونه قانونياً ضليعاً وله اصدارات وبحوث في ذلك المجال، أصدرَ أخيراً مجموعة شعرية عن دار الفارابي – بيروت – لبنان . بعنوان (اللهو بالخراب) تضمنت إحدى وعشرين قصيدة كنت قد راجعتها مرة فتشكلت لدي رؤى حولها آثرت طرحها وعلى النحو التالي .

لقد حَضَرَت اللغة والصورة التعبيرية بقوةٍ تعكس ألم الشكوى والهموم الوجدانية الخارجة من عبء كبير أسمه الوطن .

جسدها الشاعر بعد خوض تجربة طويلة تمخضت عن رحلة وارتحال في غرف الوطن المظلمة التي تخلو ولو من كوةٍ للنفاذ نحو شيء يسير اسمهُ طموح ... وهذا ما لاحظناه  في أول قصائد المجموعة المعنونة : أحلام قيد النهار – ص11 ؛

يا جرحاً ينزف الحسرات

يا عمراً يغط في وجعٌ عميق

يا حناجر طفت بسيول الصدى البعيد

وفي القصيدة ذاتها يقول أيضاً

يا قمري المضرج بالغيوم المبللة

زيف إلهك المنتصب

في اقبية الحرية ......

من الواضح أن القصيدة لدى سلام مكي تكتب بلغة قام الشاعر باختراعها وخلق المعاني لها نتيجة عناصر فكرية وعاطفية وخيالية ماضية وحاضرة في الوقت ذاتهِ، ومن الطبيعي ان تكون هكذا لغة يشوبها الكثير من الغموض وبمستوى دلالي يمثل فضاءً يحتوي عناصره الحاضرة، ففي قصيدة غريق المعنى ص26 نلاحظ

الريح تصفع شراعه،  الموج يطعن ساحلهُ

الحلم والرؤية سبقت اختراع اللغة :

صرتُ أتباهى،  بجمعِ كسر الدخان

لأحشو رئة زهرةٍ

هنا تجسيد واضح للتجربة وجر الواقع الى الخيال واستثمار التعبير الصوري بأقصى لغة فخمة يتمثل ذلك في عدة قصائد مثل ضوء في الظلام ص 48

ليس لي أن اتركَ ظلي

يراودُ خطاه

ليس لي أن اتركَ نجمي

نائماً في عشه حتى الصباح

الشاعر سلام مكي يختزل ويعبيء موقفهُ سلاحاً يمثل الذاكرة الجمعية يتبناها كمشترك لمواجهة سلطة الجهل المجتمعي معرجاً بشكل كبير على الذات المقدسة ومحملاً إياها نكد البقاء في هامش المجهول وفي ذلك يقول :  ص49

آه يا رب : أرفع اليك كفي المقطوعة

وانتظر لقاءك

على أحر من الجحيم

يا ربُ : أرح ليلك مني

واجعل من فلاتك نهراً ..... ص49

الصور لدى الشاعر سلام مكي احتفاء التعبير الجمالي الذي يشير إلى قدرة في صناعة شعرية ترتبط عضوياً فالتقنيات ضاغطة من اجل إخراج نص سمعي حسي بصري للمتلقي الحاكم والطارئ فهو يقول في قصيدة المطر العاري ص/55

تتعرقُ السماءُ

زرقةً وغيوماً

تضمد فمها المثخن بالقبلات

البحار تشعل غلايينها  في الصيف

وتورطُ السماءَ بثمر غير شرعي

ليأكله المؤمنون

فتنضج في احشائهم

أسئلة محرمة

الغموض في شعر سلام مكي يقترب كثيراً من انتباهة وذكاء المتلقي فهو غموض دلالي من باب الخلق او الاخرى بالديني او الاسطوري فجديد الخلق البشري يتجه نحو تكرار البنية المجتمعية فلا جديد في مجتمعاتنا ففي ذلك يؤكد في ذات القصيدة :

ذائعُ الصيتِ، يترجل دمه  نحو  الميازيب

يشهر قلبه بوجه الاشياء

يرتدي قبعةَ أبيه المثقوبةَ برصاصةٍ قديمة

غرست رأسها بين عينيه

وبثت سواقيها

نحو الزائر الجديد ..... الخ

في ص 48  قصيدة ضوء الظلام نلاحظ حركة المفردة تخلق لروحها مكاناً شعرياً في صور يستمتع بها المتلقي وترسخ انتباهه الى قادم أخر في المتن النصي شعراً بعناصر تشكل حلماً باحثاً عن واقع يحمل الصورة

 ليس لي ان اترك ظلي

يراودُ خطاه

ليس لي ان اترك نجمي

نائماً في عشهِ حتى الصباح

ليس لي أن احزم انفاسي

على متنِ جسد ......

الظل        =          الخطى

النجم        =         الصباح  

الانفاس     =         الجسد

نلاحظ حركة المفردة وهي تخلق لروحها مكاناً شعرياً في الصورة يستمتع بها المتلقي وترسخ انتباهه الى القادم في المتن النصي شعراً  بعناصر تشكل حلماً باحثاً عن واقع يجمّل الصورة .

صورة اخرى للضباب قصيدة ذات دفق صوري مكثف ورغم تباعد المعنى ودلالته من صورة لأخرى لكن الوقع حاصل مثل تجربة توصل فحوى ومراد الصورة الى المتلقي باحثاً عن استدلال وتطبيق وهكذا نلاحظ في صفحة 75

البواب الكسيح كظل متجمد .....

الصنم تحلل في بطون الجائعين .....

السنجاب الذي يبحث في الغابة عن اخاديد  تغزو شجرة هرمة .....

الذئب العجوز انتزع اسنانه السوداء ليقنع أهل الحي بأنه خلع ماضيه ........ وهكذا

تتميز نصوص الشاعر سلام مكي بالابتكار والخلق المستند الى وعي عال لجدل الواقع المعاصر لذا اكتضت نصوصه بالصور الفنية والاستعارات فهي تستفز القارئ والباحث وتجذبهُ على دوام القراءة


........

المصادر : الخطاب الشعري الحداثوي والصورة الفنية  (عبد الاله الصائغ)

المزيد من الثقافة والفنون

آخر التعليقات