لماذا يتغاضى بعض النواب عن تقديم ذممهم المالية

نشر فى : الأحد 21-01-2018 - عدد القراءات : 455

بغداد/ أحمد عبد ربه .......
“أنا أخذت رشوة.. كلنا فاسدون” قالها نائب في لقاء تلفزيوني، بث خلال العام 2016. ومنذ سنوات وحتى الآن، لا تزال اتهامات بالتربح وتضخم الثروة تطال نواب في البرلمان العراقي دون سند للإدانة أو برهان لإبراء الذمة، فلا النواب يلتزمون بالقانون الذي وافقوا عليه ويقدموا اقرارات الذمة المالية، ولا الجهات القضائية تفتح تحقيقا لتصدر أحكاما نهائية بالإدانة أو البراءة.

في العام 2005، أقر مجلس النواب بأكثرية ما عرف باسم «قانون هيئة النزاهة» الذي نص على إلزام النواب وجميع مَنْ يتولون مسؤوليات رسمية في الدولة بتقديم إقرارات الذمة المالية في الشهر الأول من كل عام.

وبحسب هذا القانون، فإن عمل هيئة النزاهة التي ترفع شعار “من أين لك هذا؟“ يقتصر على مراقبة النواب والمسؤولين الذين صرحوا عن أموالهم فقط ، كما يكفل لها القانون حق تحريك دعاوى قضائية حال تضخم ثرواتهم، بينما يبقى بعيدا عن تلك المساءلة الممتنعون.

بعد ٦ سنوات، أقر البرلمان قانون هيئة النزاهة الثاني، فيما بدا وكأنه تكريس لمبدأ الشفافية والمساءلة، غير أنه ومنذ العام ٢٠٠٥ امتنع عدد من المسؤولين في الدولة وبرلمانيين، عن تقديم اقرارات الذمة المالية، بما يخالف القانون.

هذا التحقيق يكشف عن امتناع ما يقرب من 100 نائب برلماني عن تقديم اقرارات الذمة المالية الخاصة بهم، رغم مرور ٤ سنوات على توليهم مهامهم، فيما خلص التحقيق كذلك إلى أن البرلمان العراقي هو أقل السلطات التزاما بتقديم إقرارات الذمة المالية.

وفقا لاحصائية صادرة عن دائرة الوقاية التابعة لهيئة النزاهة، الجهة المنوط بها تحصيل كشوف الذمم المالية للمسؤولين، فإنه وخلال السنوات الأربع الماضية، تباينت نسب استجابة النواب لقانون النزاهة، في عام 2014، بلغت نسبة النواب الملتزمين 16%، فيما ارتفعت في 2015 إلى 59% لتتراجع في 2016 إلى 33% ، فيما بلغت 35 % خلال العام الماضي.

تبليغات سنوية
مدير دائرة الوقاية المسؤولة عن كشف الذمم المالية في هيئة النزاهة، معتز العباسي يقول إن “الهيئة تبدأ مطلع كل عام بإرسال التبليغات والبيانات من اجل حث المسؤولين في الدولة على كشف ذممهم المالية، على الرغم من ان ذلك ليس من واجبها، لان القانون يلزم المسؤول بتقديم الذمة المالية، مطلع كانون الثاني من كل عام”.

ويضيف العباسي، “احيانا نذهب الى مجلس النواب من اجل تبليغهم مباشرة للاسراع بتقديم الذمة المالية”.

وبرغم ذلك، يؤكد أن “البرلمان يعد اقل مؤسسة يكشف اعضاؤها عن ذممهم المالية”.

وبخصوص تحريك دعوى بخصوص النواب الممتنعين، اوضح العباسي ان الهيئة “حركت مئات الدعاوى ضد نواب لم يكشفوا عن ذممهم المالية لسنوات، الا ان القضاء ابطل كل تلك الدعاوى، واعتبرها مخالفة ادارية تخص الدائرة التي ينتمي اليها المسؤول، ولا ترتقي الى الجرم”.

“وبحسب القانون فإن هيئة النزاهة ليس لديها اي سلطة على النائب الذي لا يكشف عن الذمة المالية، سوى مخاطبة الدائرة او الوزارة التي ينتمي اليها بذلك” يقول العباسي.

ويضيف بأننا “رصدنا تضخما في اموال بعض المسؤولين الذين قدموا ذممهم المالية، ورفعنا ايضا بهذا الخصوص الكثير من الدعاوى، الا ان اغلب المسؤولين كانوا يكسبون الدعوى، في وقت نعتقد نحن كهيئة نزاهة ان هذا المسؤول مدان حيث نقدم الكثير من المستندات التي نراها كافية لادانته، لكن تبقى الكلمة النهائية للقضاء”.

يقول العباسي :إن هيئة النزاهة ارسلت تعليمات الكسب غير المشروع الى مجلس الوزراء الذي وافق عليها، الا ان المحكمة الاتحادية طعنت بدستورية بعض المواد التي تتعلق بتحديد مدة زمنية لتقديم الاقرارات وحبس المخالف، واعتبرتها المحكمة مواد غير دستورية، وهو ما اصابنا بالاحباط.

الدواعي والأسباب
النائب فرات التميمي، يوضح ان “تلك الطريقة تعد الافضل لكشف اموال المسؤولين العراقيين وعلى أعضاء مجلس النواب ان يكونوا اول المتقدمين”.

وتحدث عن وجود بعض المعرقلات، التي قد تجبر النواب على تأخير تقديم الذمة المالية اشهرا طويلة.

ويوضح التميمي ان الاستمارة كانت تذهب خلال بريد سري الى هيئة النزاهة، وفي حال حدوث خلل في الاستمارة، تردها الهيئة الى النائب من اجل تصحيح الخطأ، مفيدا بأن “تلك المخاطبات قد تتأخر لوقت طويل، وبالتالي تضيع فرصة تقديم الذمة المالية”.

لكنه يردف كلامه، بأن “تلك الاجراءات لا يمكن ان تكون مبررا لعدم تقديم الذمة المالية خلال دورة انتخابية كاملة”، داعيا هيئة النزاهة الى “تسهيل الاجراءات لقطع الطريق امام (المتحججين)، مقابل استخدام كل الصلاحيات التي منحها القانون لها من اجل محاسبة النواب غير الملتزمين بالكشف سنويا”.

غياب الجدية
النائبة رنكين عبد الله، تقول, إنها ملأت الاستمارة الخاصة بكشف الذمة المالية منذ 2014 وارسلتها الى الهيئة، الا انها لم تتابع الموضوع، ولم يصلها أي رد من النزاهة بهذا الخصوص.

وهنا ترى النائبة أنه “لا توجد جدية من قبل هيئة النزاهة بهذا الخصوص، اذ لم اسمع منذ 2014 باي شيء يتعلق بالكشف عن الذمة المالية، ولم يصلني اي كتاب او طلب بخصوص تقديم الذمة المالية من خلال هيئة النزاهة”.

وردا على ذلك اكد العباسي مدير دائرة الوقاية المسؤولة عن كشف الذمم المالية في هيئة النزاهة، بأن الهيئة ترسل دائما التبليغات والبيانات من اجل حث المسؤولين في الدولة على كشف ذممهم المالية.

النائبة عالية نصيف قالت , إن الهيئة “تطالب النواب سنويا بالكشف عن الذمة المالية”، فيما هي تعتقد ان هذا الاجراء لا داعي له، إذ اغلب النواب لم يطرأ أي تغيير على ممتلكاتهم وحساباتهم.

وتقترح نصيف على الهيئة أن “تسأل النواب عن الاستحداث في الأملاك وليس الشروع ببراءة ذمة جديدة، تتكون من 6 صفحات مطولة”.

وترى نصيف ان “تلك العملية التي تقوم الهيئة بها سنويا غير مجدية، وفيها هدر للمال والوقت، وتشكل عبئا عليها وعلى أعضاء البرلمان والنزاهة ايضا”.

نصيف لم تكن وحدها من اشتكت من بيروقراطية النزاهة، حيث يؤكد نواب اخرون أن “الإجراءات الجديدة المتبعة من قبلِ الهيئة أخرت عملية كشف الذمم المالية الخاصة بالرئاسات الثلاث والوزراء وأعضاء البرلمان والدرجات الخاصة”.

الكشف يبعد الشكوك
لكن النائب احمد حمه رشيد يستغرب “من تراجع معدلات الاستجابة بكشف الذمم المالية في اعلى سلطة بالدولة”.

ويقول  إن “الذمة المالية ينبغي ان تكون مسألة مبدئية لدى عضو مجلس النواب، باعتباره حاصلا على ثقة الشعب العراقي في تمثيل اعلى سلطة، ومن حق المواطن الذي انتخب النائب ان يطمئن بان الاخير بعيدا عن الإثراء غير المشروع، واول من ينفذ الالتزام القانوني ويطبق معايير الشفافية”، مشيرا الى ان “هذا الالتزام سيبعد الشكوك عن البرلمان ويزيد من احترام الشعب لتلك السلطة”.

وكان متظاهرون غاضبون من الفساد المالي والاداري، قد اقتحموا في نيسان العام 2016 مبنى البرلمان، فيما تعرض بعض النواب للضرب بعد هروب اغلبهم.

ويعتقد رشيد بأن اغلب النواب “متجاهلي كشف الذمة “ يخشون أن يطال مصداقيتهم الضرر الكبير في حال كشفت هيئة النزاهة، وجود إثراء غير مشروع، الامر الذي يجعلهم لا يقدمون على هذا الاجراء القانوني.

ويشير الى ان “المسؤولية لا تقع على الهيئة فحسب، إذ ينبغي على كل المؤسسات الحكومية التعاون من اجل زيادة معدلات الكشف ومحاسبة المتخلفين بالسجن او الغرامة”.

فريد الشيباني، المستشار القانوني لرئيس البرلمان سليم الجبوري، قال إن رئيس مجلس النواب “دائما ما يدعو النواب الى الإسراع بتقديم الذمم المالية، لكن على هيئة النزاهة ان تتابع باستمرار النواب الذين يصرون على عدم تقديم الذمة المالية”.

ويضيف، «على هيئة النزاهة ان توجد آليات تسهل على المسؤول كشف الذمة المالية وتبتعد ـ قدر الامكان ـ عن الروتين والتعقيد».

ويرى ان “امتناع نواب عن ذلك يعد مؤشرا خطيرا”، لافتا الى ان “محاسبتهم من واجب هيئة النزاهة”.

مواجهة القضاء
ويقول الخبير القانوني طارق حرب  : إنه “ينبغي على هيئة النزاهة حاليا احالة أسماء النواب الذين لم يكشفوا عن ذممهم المالية الى قاضي التحقيق من اجل اعلام القضاء بذلك”، ويؤكد ان “هذا الإجراء بمفرده كفيل بردع المسؤول واجباره على تقديم الذمة المالية”.

واضاف أن “هناك أساليب اخرى تكون رادعة كنشر الاسماء في الصحف ووكالات الانباء، من خلال التعاون مع وسائل الاعلام، وعدم الاكتفاء بالتقرير السنوي الذي يصدر عن الهيئة”، لافتا الى ان على الهيئة ان “تلجأ الى كل الوسائل من اجل ضمان الكشف عن الذمة المالية”.

يشار الى ان هيئة النزاهة تصدر تقارير سنوية ونصف سنوية، تتضمن اسماء النواب الذين يكشفون عن ذممهم المالية فقط.

حرب لم ينف الحاجة لوجود تشريعات جديدة او تعديلات في القوانين من شأنها أن تكون واضحة وصريحة في محاسبة من لا يكشف عن الذمة المالية، بعقوبات الحبس والغرامة، وتوسيع قاعدة المشمولين من المسؤولين، كقانون (الكسب غير المشروع) على سبيل المثال.

يشار الى ان مجلس الوزراء وافق في تموز الماضي على مشروع قانون “الكسب غير المشروع”، الذي اقترحته هيئة النزاهة، والذي حدد في إحدى مواده فقرة تتضمن تحديد مدد زمنية واضحة لتقديم المكلَّف استمارة كشف الذمَّة الماليَّة للهيئة، وحدد مشروع القانون عقوبات تتضمن الحبس والغرامة  للمخالف.

ويقول العباسي، مدير دائرة الرقابة :إن هيئة النزاهة اعدت مشاريع قوانين لمحاربة الفساد، وستجبر المسؤولين على كشف الذمم المالية، لكنه يتساءل: هل يمرر نواب البرلمان العراقي قوانينا للشفافية خاصة وأنها من الممكن حينها أن تدين أغلبهم؟؟.

المزيد من تقارير و تحقيقات

آخر التعليقات