طائر الفلامنكو يموت حزنا في أسواقنا الشعبية

نشر فى : السبت 13-01-2018 - عدد القراءات : 816

 بغداد/ علي دنيف حسن .....
لو ان طائر “الفلامنكو” الجميل يستطيع التحدث مثلنا لأعلن احتجاجه على مصيره الكارثي، ولأكد ندمه الشديد على توجهه نحو الأهوار  طلبا للدفء والأمان، ولو كان لديه وعي وذاكرة لما عاد لتلك المسطحات المائية بعد ان تم اصطياده ظلما وعدوانا كي يلفظ انفاسه الأخيرة بجسد مرتجف قبل ان يباع باعداد كبيرة في اسواقنا الشعبية.

والمهزلة تتجلى في قول أحد باعة الطيور المائية الذي أوضح:“ لا يعيش هذا الطائر لمدة طويلة، ولا يستسيغ أغلب الناس أكل لحمه، ويحتاج إلى ظروف خاصة كي يبقى على قيد الحياة، وفائدته الوحيدة هي انه يجذب المارة ويدفعهم للتجمع بذهول ودهشة حول مجاميع الطيور التي نبيعها بسبب شكله الغريب، ويلتقط الكثير من الناس صورا له بهواتفهم المحمولة، ونشتريه بأبخس الاسعار، وغالبا ما يموت قبل بيعه فهو لا يتحمل الظروف القاسية.”

ويعيش طائر “الفلامنكو” أو النحام في أغلب دول العالم عدا استراليا، ومن اسمائه “ البشروش” و”المرزل”، ويهاجر مع حلول الشتاء نحو البلدان الدافئة نسبيا ومن بينها الأهوار العراقية قاطعا مسافات طويلة تقدر بآلاف الكيلومترات.

الطيور المهاجرة
 وتعد الأهوار أكبر نظام بيئي فريد من نوعه بمسطحات مياهها العذبة الممتدة على مساحة ثلاث محافظات هي ميسان، ذي قار، والبصرة، وبما يؤمن الحياة لما يقارب 81 نوعا من الطيور، كما تعد الأهوار محطة توقف مهمة للطيور المهاجرة بين سيبيريا وأفريقيا، بالإضافة إلى أنواع نادرة من أسماك الماء العذب والحيوانات البرية والأبقار والجاموس.

وقد أدرك المشرع العراقي أهمية صيد الأحياء البرية والمائية وانعاكاساته على البيئة فصدر قانوناً في العام ‏‏1935 لتنظيم هذه العمليات وفق أسس وضوابط، ثم تلاحقت التعليمات والاضافات ‏فصدر قانون تنظيم صيد واستغلال الاحياء المائية وحمايتها رقم ‏‏”48” في العام ‏‏1976‏ الذي اشترط حصول الصيادين على هويات تعريفية ووضع محددات وأسس ‏وعقوبات تنظم الصيد وتمنع الجائر منه، اعقبت ذلك القانون عدة تشريعات لكن كل تلك ‏القوانين كانت تركز على الثروة السمكية في أكثر موادها وفقراتها، ولم تلتفت للطيور ‏سواء المحلية منها أو المهاجرة.‏

ويقول السيد حسن البخاتي الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في الاهوار قبل ان ينتقل للعيش في بغداد:“ جرت العادة على صيد جميع انواع الطيور المائية منذ القدم، فالهدف هو بيعها للحصول على المال سواء كانت تلك الطيور تستعمل في اعداد وجبات الطعام مثل البط والوز ودجاج الماء والخضيري أو تلك التي لا تستعمل لهذا الغرض”.

ويضيف البخاتي متذكرا أيام شبابه وصباه:“ تباع الطيور المصطادة بالجملة وتنقل من اهوار ميسان وذي قار وبعض مناطق الكوت والبصرة الى المدن العراقية الأخرى مع تباشير حلول فصل الشتاء، إذ تفد إلى العراق الآلاف من الطيور المهاجرة في هذا الموسم، وهو الموسم الذهبي الوحيد للصيادين.”

ويعد طائر “الفلامنكو” من أشهر الطيور الجميلة في العالم بسبب مشيته المختالة وحركاته الراقصة التي استلهمت منها موسيقى اسبانية نالت الكثير من الشهرة العالمية اسمها “رقصة الفلامنكو”، ويمتاز بلون ريشه الوردي وبساقيه الطويلتين جدًا، وبمنقاره وعنقه المقوّسين، وبطيرانه الفريد من نوعه، وبوقفته الشهيرة على ساق واحدة ووضعه ساقه الاخرى تحت جسمه وهذا ما لم يجد له العلماء تفسيراً محددا حتى الآن، ويبلغ وزنه ما بين الكيلوين والأربعة  كيلوات.

احتجاج وتهكم
ومع ظهور طائر “الفلامنكو” اسيرا في اسواقنا الشعبية أبدى بعض الناشطين والمهتمين بالبيئة العراقية احتجاجهم وامتعاظهم من الصيد الجائر لهذه الطيور الجميلة، ونظم ناشطون في محافظة البصرة وقفة احتجاجية مطلع العام الماضي لمنع هذا السلوك. وفي مواقع التواصل الاجتماعي تناول الكثيرون ما لحق بهذه الطيور الجميلة من اضرار، مركزين في تعليقاتهم الحادة على ان هذه الطيور لا تؤكل، ومن الطيش اصطيادها، لا سيما وانها تعاني الانقراض شيئا فشيئا، وانها لا تحتمل العيش بعيدا عن المياه فتموت سريعا. وندد أغلب المحتجين بالصيد الجائر الذي يلحق الضرر بالطيور والأسماك، وسخر الكثير منهم من قرار الامم المتحدة الذي عد الأهوار محمية دولية، متناسين ان الاجراءات بشأن هذا القرار في طريقها للتنفيذ ولم تكتمل بعد.

وفضلا عن ذلك تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي صورا لهذا النوع من الطيور تباع في ساحات واسواق شعبية، وتبدو الطيور حزينة وقذرة ومتعبة، وقد سقط الكثير منها ارضا نتيجة التعب والارهاق، ويتجمع حولها المارة ويلهو بها الأطفال، وطالب الكثير من ناشري هذه الصور بوقفة جادة لمنع صيد هذه الطيور الجميلة بشكل عشوائي وغير مثمر.

وتهكم احد المعلقين على الموضوع في “ الفيس بوك” قائلا:‏” تحاجيه يكلك هاي هوايتي، اني احب الطيور،  لو صدك تحب الطيور جان اعتبرت ‏المهاجره منه خطار و تجي عدكم بس شهرين لو ثلاثة ....ولا تنوكل ولا تصلح ‏للزينة ولا يمكن تدجينها.. اي بعد تصيدها علشنووو......!”، وقال معلق آخر: “  ماكو واحد ‏يحاسب عله هيج شغلات.... الدولة هامله  الاهوار ... ويا هو اليجي يطب للهور ويطلع، ومحد يكله وين رايح اكيد ‏يظل يلعب بكيفه”، وقال ثالث” طائر “الفلامنكو” بعد ان نزل في الاهوار تم صيده ‏وبيعه في المحلات ..... شجابك للعراق مو كاعد باوربا وامريكا ومتونس ... والله ‏الواحد يكره نفسه عندما يرى هذه الامور هل نحن بشر ام ماذا؟ وشراح تكول ‏العالم علينا؟ هذا حال طائر “الفلامنكو” القادم الى الأهوار ، هل هذا التصرف ‏مقبول ؟ لا اعلم اي دور للحكومة ولوزارة البيئة ؟

اجراءات الحماية
وفي منتصف تموز الماضي صوتت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، على إدراج الأهوار والمناطق الأثرية في العراق على لائحة التراث العالمي، وتمت الموافقة على ضم ثلاث مدن قديمة وأربع من الأهوار العراقية إلى سجل لائحة التراث العالمي بعدما حظي الطلب الذي تقدم به العراق بدعم دول “الكويت ولبنان وإيران وفرنسا وكازاخستان وفنلندا واندونيسيا والبرتغال وتونس وتنزانيا وفيتنام واليابان والبيرو”.

ووفقا لهذا الامتياز “ لن يسمح لأية دولة بقطع او تقليل الحصص المائية بما يؤثر في الاهوار، ولن يسمح لأية حكومة عراقية بتجفيف الاهوار تحت اي عذر، كما لن يسمح دوليا بأي نزاعات عسكرية كالحروب في الاهوار، ولن يسمح بأي صيد جائر للكائنات الحية هناك، وحماية الطيور المهددة بالانقراض واعادة تكاثرها عن طريق توفير بيئة مائية مستقرة، كما سيضمن إزدياد التنوع الاحيائي حيث توجد انواع من الطيور والاسماك فيها لا وجود لمثيلها في العالم، وخلق فرص عمل للسكان المحليين عند تطوير المنطقة، وإيصال خدمات التعليم و الطاقة للمنطقة”.

وبانتظار اكتمال الجوانب الفنية والقانونية الخاصة بتحويل الأهوار الى محمية دولية يقول السيد حسن البخاتي:“ تقع أغلب مناطق الصيد في مستنقعات مائية نائية لا يمكن الوصول اليها بسهولة، ولهذا لا يمكن الآن تطبيق تعليمات وقرارات جادة في هذا المجال، لكن قيام نقاط التفتيش بمنع مرور السيارات التي تحمل هذه الطيور قد يجدي نفعا على المدى الطويل، وقد يسهم في منع اصطيادها.”

وأعلنت دائرة حمایة البیئة في محافظة البصرة العراقیة قبل عامين أنها اتخذت إجراءات لحمایة طائر النحام الوردي “الفلامنكو”. وذكرت ان هذه الإجراءات تشمل تكلیف قیادة العملیات ومدیریة الشرطة بتخصیص قوة لمنع صید هذا النوع من الطیور النادرة في الأهوار وعملیات نقلها من محافظات أخرى وبیعها في أسواق المحافظة، لكن هذه الطيور ما زالت تصطاد وتعرض بشكل مزر في اسواقنا الشعبية، وهذا ما يؤكد بيان دائرة حماية البيئة في البصرة الذي قال ان بعض الطیور المهاجرة التي تباع في البصرة یتم اصطیادها في محافظات أخرى.

المزيد من تقارير و تحقيقات

آخر التعليقات