الأسماء الأجنبية والغامضة تغزو واجهات المحال التجارية

نشر فى : الأربعاء 22-11-2017 - عدد القراءات : 513

 بغداد / هدى العزاوي .....
يتساءل المرء وهو يرى واجهات المحال التجارية والمطاعم والمقاهي وصالونات الحلاقة: هل عقمت  اللغة العربية وعجزت عن انجاب مصطلحات جديدة تتلاءم مع الحداثة والتطور، فقد بدلت الكثير من المحال لائحاتها من «عشتار وسومر وبابل» الى «بابا روتي، وعشعوش، وروتانا» وغيرها من الاسماء الغريبة التي اخذت ومع مرور الزمن تزيح الاسماء المحلية، .

ويقول الاعلامي سلام الزبيدي: «انفتح العراق وبشكل مفاجئ على العالم الخارجي بعد ان كان منغلقاً على نفسه لاكثر من ثلاثة عقود، وهو ما جعله «يستورد دون اية ضوابط» كل ما هو جديد وغريب الى ان وصل به الامر الى استيراد المصطلحات الغريبة والدخيلة.

ويضيف الزبيدي مستذكرا اسم «حبشكلات»:»هذه الكلمة ليس لها معنى في قاموس اللغة العربية ولكن معناها حاضر عند متداولي الرشاوى في دوائر الدولة، فلماذا يضع صاحب محل تسوق للمواد الغذائية لافتة تجذب النظر بهذا الاسم المعروف بلغة الرشوة الخفية؟، مع الاسف الكثير اليوم ممن يسعى الى فتح مشروع تجده يختار مثل هكذا  مصطلحات قد لا تجد لها أصلا في قواميس لغات العالم اجمع، لنصل بذلك الى أكبر خطر يعمل على نسخ متبنياتنا وثقافتنا وحضارتنا ويغيب لغتنا العربية من واجهات المحال والاسواق التجارية باستبدالها بهذه العبارات، وكل ذلك يحدث في ظل الغاء دور بعض الجهات التي من المفترض ان «تفلتر» كل ما هو جديد حتى لا نصل الى حالة من الفوضى التي وصلنا اليها اليوم».

وتشير استاذة علم النفس الدكتورة شيماء عبد العزيز الى ان»اللغة العربية واحدة من اهم اللغات في العالم وانتشرت الى كثير من البلدان والاقاليم والثقافات المختلفة، واية لغة في العالم تعد هوية ووسام فخر واعتزازا لافرادها، فعندما تخترق منظومة القيم الاخلاقية لاي مجتمع سيؤثر وبشكل سلبي في هوية المجتمع اللغوية، كما ان  الانفتاح على ثقافة المجتمعات الاخرى التي تختلف باللغة والدين والعرف والعادات والتقاليد سيتأثر سلباً بالاندماج والالتصاق، بالتالي سيكون الامتثال حاضرا في المفردات اللغوية للمجتمع الذي اطلع عليه،  لذلك  نلاحظ ان المجتمع العراقي بعد الانفتاح أصبح مبتعدا عن اللغة العربية وكلماتها الجميلة باستعماله المصطلحات الغربية  التي بدأت تعتلي منصات الترويج للمطاعم والشركات والنوادي والتي تكتب بالعربية وليس بلغتها الحقيقة».

تضييق وعزلة
« اصبح انتشار هذه الاسماء كانتشار الحبر على الورق « بهذه العبارة استهل المواطن حمد العطراني حديثه مشيرا الى ان» نسبة كبيرة من هذه الاسماء  تعود لماركات غربية معروفة بفضل ثورة المعلومات وشبكات التواصل الاجتماعي والسوق المفتوحة للاستيراد والتي يبدو القصد من استخدامها للاغراض التسويقية لانها تعد عامل جذب للمستهلك والزبائن، ويتابع العطراني:« ومثلما يقول المثل فان مغنية الحي لا تطرب فقد ابتعدت الناس عن الاسماء المحلية بهدف البحث عن الحداثة والغرابة وتحاشي المألوف من الاسماء العربية حتى في اسماء الاولاد والبنات، وهذا مؤشر على المتغيرات الثقافية والاجتماعية نتيجة عوامل الانفتاح الثقافي بفضل الانترنت والقنوات الفضائية وحرية السفر».

وعن مسببات هذه الفوضى ؟ تجيب استاذة علم الاجتماع الدكتورة اشواق عبدالحسن عبد موضحة أن» المجتمع الذي يخرج من حالة ضيق وعزلة على كافة المستويات إلى فضاء الحرية المنفلت سيطلع  بصورة مباشرة على تجارب الاخرين فتبرز له العديد من القضايا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تحمل معها الغث والسمين، خصوصاً اذا ما علمنا أن سبب ذلك نقاط محورية يمكن اجمالها بضعف تطبيق القانون وغياب الرقابة الفعلية على الكثير من الانشطة السياحة و التجارية التي ادت الى ضعف الثقافة وانتشارها بهذه الصورة غير الملبية لمتطلبات البلد واظهاره بصورة متميزة، فكل تلك المصطلحات المنتشرة ماهي الا لغرض لفت الانتباه،  فميل المواطن العراقي بصورة عامة باتجاه الاسماء الرنانة او التي تظهر بمظهر الفخامة والأبهة من دون تمحيص او تدقيق من حيث صحتها ودقتها لغويا يؤثر وبشكل سلبي في عقلية المواطن».

تغيرات الواقع
ويقول حيدر الكركوشي المختص في علم التاريخ:إن» ما حصل من تغيرات على الواقع العراقي بعد عام ٢٠٠٣ وما رافقه من احداث  على مستوى تفكير الفرد نتيجة اطلاعه على حضارات دول العالم الاوربي دون رقيب او توجيه دفعه الى ممارسة تقاليد تلك الدول واستيراد العادات الدخيلة والطارئة  والتي لا تتناسب مع واقعنا الشرقي المحافظ والملتزم الى ان تعدى الحال  الى ابعد من كل تلك الحدود، حيث بدأت تظهر للعيان المسميات السمفونية الخالية من اية الحان عربية مأخوذة اغلبها من دول الغرب وبصورة عشوائية ليس لها علاقة من بعيد او من قريب باللغة العربية وابجدياتها، ومع الاسف الشديد وانا اقولها متألما إن الكثير اليوم من يبحث عن مصالحه الخاصة ورغباته متناسيا ثقافتنا الممتدة منذ الالاف السنين ليضعها جانبا ويقتني مسميات اغلبها مخدشة للغة».

ويضيف الزبيدي والاسى باد عليه أن» الكثير من السلع الرصينة، بدأت تقلد بتغييرات تطال بعض اسمائها، وقد تباع بنفس السعر الذي تباع به السلع الاصلية، فالمستهلك لايملك اية قاعدة بيانات باسماء المستورد في ظل هذا الكم الهائل من الاستيراد مما جعله ضحية للمنتجين والتجار، وهذا كله  يدخل ضمن الفوضى التجارية والاجتماعية التي يعيشها البلد، لذلك على الجهات الرقابية ان يكون لها دور فاعل لتحصين المواطن من عملية الوهم والغش التي يتعرض لها يومياً هذا من جانب ومن جانب آخر لكي  نحافظ على ما تبقى من لغتنا وتاريخنا وحضارتنا التي بدأت تدثرها «العولمة» تدريجياً من حيث لانعلم  ذلك».

التقاطات أخرى
ويعود الكركوشي للحديث مؤكدا أنه» على الجهات المعنية ان تقف وقفة جادة وسريعة ومنع انتشار مثل هكذا تسريبات تحط من سمعتنا وسمعة المنتج العراقي الذي هو بالاساس مقلد بشكل احترافي لماركات تابعة لشركات عالمية يصعب حتى على الشركة الام معرفتها فكيف بالمستهلك العراقي فمن هنا يجب تفعيل الدور الرقابي واستخدام تسميات ليست لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بمنتجات تابعة لماركات معروفة، كما يجب فرض شروط على المحال التجارية في ما يخص موضوع الاسماء وتدقيق مخرجات الكلمة قبل اصدار موافقة عليها لتلافي الاخطاء الفادحة في اختيار المصطلحات التي اصبحت خالية من اية اهداف».

وتختتم عبد العزيز حديثها مشيرة الى نقطة جديرة بالاهتمام:»لذلك انصح بان تكون المسميات مرتبطة ومنسقة من تاريخ وحضارة المجتمع ومن انجازات ابناء هذا المجتمع ليؤثر تأثيرا مباشرا وايجابا على نفسية الفرد ويكون  محل اعتزاز وفخر حتى وان انتفت الحاجة اليه  الا انه يكون نقطة دالة يمكن الاعتماد عليها، فنحن اليوم بحاجة ماسة إلى خلق ذائقة مجتمعية تتعاطى بايجابية تجاه هذه الفوضى في الاسماء والمسميات، بحيث تكون هناك حركة تؤسس لذوق اجتماعي قادر على عزل الغث من السمين، وعدم اعطاء مشروعية أو استمرارية لاي مشروع فيه حيف أو غبن أو استغلال للمواطن».

المزيد من تقارير و تحقيقات

آخر التعليقات