الشاعرة سناء الحافي .. (( حورية المنافي ))

نشر فى : الأثنين 13-11-2017 - عدد القراءات : 238

 كيف تسللت الى المنفى الشعري , في تشابك الذات الشعرية والوجع الانساني ..

كتب:  نعمة يوسف السوداني ..

في الشعر العربي اليوم الكثير من الشواعر اللواتي يكتبن الشعر باساليب وطرق متعددة , ولأهمية الجانب المعرفي والنقدي لشاعرية النص وجماليته وهو ينتشر بمساحات واسعة على الانترنيت وايضا في المطبوع الورقي , ولأن النص يبقى يحمل معه تطبيقاته وافتراضاته بالرغم من وجود او انعدام الذائقة الشعرية لما يكتب اليوم من الغث والسمين ..

ونحن بدورنا هذا نعلم ايضا ان الشعر هو كالشراب اللذيذ نتمتع به حينما نتذوقه ,لكننا لانعرف تكويناته , فالشعر هو غموض والشاعر لابد وان يحتاج الى هدوء وسكون امام اسراره الشاعرية كي يستطيع ان يقدم لذة البوح المنتظرة لدى القاريء .

كما هو الناقد , بعض الاحيان يحاول الوصول الى باب المعبد ولكن لايدخل لاسباب قد تمنعه , لان النقد ايضا عملية بناء وشرح وجهة نظر ايجابية , حتى لو كانت هناك قسوة , لكنها قسوة بانية , لبناء النص وتقويمة من خلال تقديم الملاحظات الفنية !
لذلك نشير أو نقول عن ماهية طريقة البناء المعماري لشكل النص فهو مهم جدا كي يتناسب مع المضمون الذي يشكل بفكرته خارطة طريق لرسم افكار الشاعرة او الشاعر :

كان القمر الأخضر حين التقينا,
مشرّدا
و رحم الحزن انشقّ
ليلد عشقنا المستعار،
حتى ضاعت سذاجتي
بين أوراق ربيعٍ
أحمر الرداء،
فراقصت الزهر مع المطر البريء
لأغتسل بطهر الفصول
وأنت
على خاصرة العشق ،
تسترق مني أشتال البقاء ..

سناء الحافي .. شاعرة من طراز خاص ..

دخلت المعترك السياسي في بداية حياتها العملية بقضية مهمة تتعلق بوطنها ,فكتبت المقال السياسي, ومن ثم ابتعدت عنه لفترة طويلة بسبب المضايقات التي واجهتها في بداية التوجه السياسي لها ..
لها ايمان خاص بقضية وطنها فيما يتعلق بالصحراء المغربية .. هذا الايمان كان له الاثر الكبير والبالغ في العديد من أعمالها الأدبية بشكل عام والشعرية بشكل خاص .
فقد عبرت عن موقفها هذا في المحافل العربية التي قامت بحضورها و تسليط الضوء على أهمية القضية ....
شاركت في مؤتمر الجمعية المغربية للصحراء و التضامن في سنة 2012 الذي اقيم في مدينة مراكش المغربية و كانت رفقة وجوه اعلامية و ادبية كبيرة .

من مؤلفاتها ثلاثة مجاميع شعرية (شمس النساء ) ( غواية امرأة ) و ( حورية المنافي ) الذي كشفت لنا به عن طاقات جديدة متنوعة بالكتابة فهي تتفرد بهذه المجموعة لكونها شاعرة مختلفة حيث تجمع فيها كل أوجاعها وآلامها التي خاضتها معبرة عنها في قصائد تتباين بين العمودي و الحر و المنثور.
الصدفة قادتني الى ان اضع نفسي امام شاعرة مركبة المزاح والروح والنفس ..قادتني بشغف ولذة الى طريق الاطلاع على منجزها الشعري الذي يحتوي على مؤلفاتها الشعرية الثلاثة :
(شمس النساء ) ( غواية امرأة ) و ( حورية المنافي) ..

حورية المنافي مجموعة شعرية مهمة جدا كشفت لنا به الشاعرة العربية عن طاقات جديدة متنوعة بالكتابة فهي تتفرد بهذه المجموعة لكونها شاعرة مختلفة حيث تجمع فيها كل أوجاعها وآلامها التي خاضتها معبرة عنها في قصائد تتباين بين العمودي و الحر و المنثور.

صوت وصدى تاتى من تراكمات حياتية ,, صوت الذات العاري الوحيد الذي يتبع اثار اليتم ويسير نحوها صور تتناسل باشكال النثر قصيدة نثر او بالشعر العمودي اشكال كتابيه فنية مختلفة كلها تعبر عن الالم ودرجات القساوة التي اكتنزت هذه التجربة للشاعرة المغربية سناء الحافي !! في عالم ينتمي الى القصيدة و لتهويمات الشاعرة التي تتوارى خلف جدران نصوصها تارة و مختبئة في واحة في قلب الصحراء تحيطها اربعة جبال كسور تنهض كفراشة حول غديرها تحلق لتمتص رحيق الازهار . حالمة .بالامل والحب ,, وسرعان ما تجد نفسها في عمق الرمال الجاثمة على صدرها وكانها في حدائق الفردوس المفقود , تلثم اعناق الحب بسيف قلمها لتعلن حربا ضد المنافي التي عاشتها وهي لم تزل حورية !

في هذه المجموعة الشعرية ايضا ( حورية المنافى ) نجد من المستوى الخاص لجمالية الصورة الشعرية من حيث الايقاع والموسيقا والارتباط والتوازن بلون اللغة وادواتها كانها لوحة فنية تشكيلية !!وانت تقرأ تجد نفسك امام ومضات تُصبُ عبر انفعالات وجدانية للروح للحب سيد الاشياء تعبر وتسطر ما يخرج عن جوانيات الشاعرة المكلومة بالالم والحرمان العاطفي والاجتماعي والحنين .. انها تبوح بكل قوة وشجاعة لحب قد افضى مهزلة :

آهٍ مـــــــــــن الحب آهٍ من عـــــــــــمائله
لقـــــــــد تمـــــكن من قلـــــــــبي فأوهاني
أذعـــــــــــتُ حبا حرصت الـــدهر أكتمهُ
والـــــــــــــيوم أفــــــــــشيهِ يا حبا تولاني
لا ســـــــــــامحَ الحب ، أفضى بي لمهزلةٍ
فــــــــــيا تــــــرى ما الذي بالحب أعماني
دمــــــــــــعي يسح عـــــلى الخدين منهمرا
فالعـــــــــين بحري وســــاح الخد شطآني

في اللغة والصور الشعرية نجدها تعتمد في كتاباتها على حالة الوعي واللاوعي التمرد والتحديق من خلال هذه اللغة في اسلوبها وشكلها حينما تسمعها مع نفسك بصوتها الداخلي تشنف اذانك اليها .

هذه التجربة الشعرية تعتمد على وجدان صادق مفعم بالفكرة والفلسفة الخاصة بها , منطلقة من عبارات الذات والايحاء والايماءات من خلف سلالم الموسيقا الداخلية للنص منسجمة مع خيالها والواقع المؤلم !! فنرى المواقف الفكرية التي تنبثق من حياتها التي عاشتها بين الشرق والغرب العربي من المغرب حتى الاردن والعراق والكويت و السودان و غانا !!! لغة شعرية ذات مستوى متطور وظفتها بشكل صحيح , عميقة في الغوص في النص لاصطياد اللؤلوء من الدرر للمعنى الجمالي للصورة كي تكتمل لها نظرتها بالقيمة والاختزال الشعري الذي يفسر لنا الصورة حيث تبث في اي عتبة من عتبات النص وفضاءاته المتعددة .

شاعرة تقف امام الاستلاب الروحي والماساة بالرغم من الانقلابات العديدة في حياتها لكنها قوية وناعمة كالحرير ,, تعبر عن رغبة الجسد الذي لاينيء! تكتب الوجع الحقيقي على شكل نص ادبي رصين لكل حالة عشق تمر بها ,فالوطن ,والحبيب و الاهل كلهم عتبات مهمة داخل فضاء النص !

رصيد كبير في حروف هذه الشاعرة تتناثر على حال لسانها وهي مفجوعة بالاسى والحمى !! حمى الوداع والفراق والوطن !

يا وطن المجد،
و لا أدري
لما أخجل من حبري
فقد أقمت عليه في الغياب
ألف حدِّ،
كما ترى يا وطني
لا أقوى على الابحار،
فقد ذبلت بالخوف اشرعتي
و صنعت شراعا من كفني
لأبدأ رحلتي اليك
و أسارع بين المدّ و الجزر
حقّ الشوق و اللحد

سناء الحافي شاعرة من المغرب ..
تستحق هذه الشاعرة المتميزه , التوقف لقراءة افكارها التي تنطلق من الواقع والخيال , من البساطة وجزالة القول في المعنى واللغة , انها سهل ممتنع , تصنع انموذجا شعريا جديدا غير مكرر , يشكل نصا بصريا حين تتامله العين !
لغتها الشعرية مليئة بالالم والشجن والحزن فيها غربة الروح وغربة الوطن , المكان والزمان والعلاقات والعادات ,كلها محطات ثقيلة على نفسها , لكنها كورد شقائق النعمان ينبت ثم يخرج من بين الحجر والصخر مفعما باللون والعطر , تخرج متاملة والفرح يكتنز قلبها , وعيونها مبتسمة , انها تعبر عن زوايا غربتها المتعددة ,تحمل حكايا وقصص فيها البوح والمجهول والتاويل .
الشاعرة عبارة عن حكايات سبرت غور النص الابداعي وتحدثت بمنطق الشعر الصادق العفيف هذا المنطق الذي تراه في قاع المجموعة الشعرية يمتد على جسد كل النصوص المتسلسلة في الالم والماساة , والمترتبة بالايقاع والموسيقا التي تنعش كل ذاكرة لكل رحال فينا وغريب او عاش غربة ما في حياته حتى لو كانت في وطنه وما اقساها ..

تكتب والجمال يتسيد روح القصيدة ,وتفتح لنا نافذة على الحياة حتى تزاحم الشعر نفسه ! الابعاد الانسانية والفنية هي خليط تلك الارواح التي تتشبث في الامساك بتلابيب الحبيب الغائب والوطن البعيد .

تشابك العلاقات الداخلية للنص الشعري وظاهرة الانزياح :

قصائد مكتنزة تحمل في عتباتها المتنوعة الجميلة في الاختيار بدءا من عنوان القصيدة الى اخر كلمة او نقطة او فارزة فيها كما يشير ذلك على مستوى النص المفتوح عبر ذلك التوتر العاطفي التي تشتعل به الشاعرة يتوضح لنا على مستوى المضمون والبناء الدرامي للنص منذ نقطة الشروع الى تطورالصراع المستمر بينها وبين ماتكتب على الورق هذا ينطلق من تجليات نفس الشاعرة وجوانيتها المليئة بالحزن بصورة بالغة الاثر , وبالمقابل تحركها فلسفة من التناقضات بين الفرح والسعادة والحزن والتعاسة تمتد على جسد المجموعة الشعرية هذه ( حورية المنافي ) ومن عنوانها الواضح جمال يتمثل في الحورية والالم يعتصر المنافي ..

ان الاسلوب الذي تكتب به الشاعرة سناء يقودنا الى مستويات متعددة بين التركيبي والدلالي والايقاعي ضمن عملية الانزياح في كسر الرتابة المالوفة ومن ثم الكشف عن الذات الشعرية وايضا الاشارة الى اوجه التاويل والغموض في النص , مما يجعل من القاريء ان يتخيل على راحته تلك المفردات التي غادرت والتي حلت بديلا عنها دلالات محذوفة يشعر بها القاريء في منأى عن الشاعرة لانها تعمل على ناصية الشعرية والايجاز , وايضا راينا عملية انتاج دلالات جديدة في كسر الزمن والكتابة باتجاه حياة جديدة والابتعاد عن الماضي من اجل تغيير واقع الحال ! ولم نرى اسلوب انشائي في مدلولها الشعري على العكس كان هناك تعميق في الصورة وتكثيفها واستخدام لغة موفقة جدا واستعارات عديدة , فنجد بالقصائد ماهو حسي اكثر مما هو معنوي وبعض الاحيان محسوس فيه من الاستعارة , هناك ترابط عضوي بين صور النص الشعري وهناك نظام يتضمن الربط في الجملة الشعرية وسواها كما هناك الابتكار والاثارة والجدية التي ميزت لغة الشاعرة سناء الحافي كما في هذا النص :

قدسية الطين
قدّيسة الطين ، طهري يكتسي خجلا
فـــــي منتهى حنقي أو بــــدء زلاّتي
ويل لطبعي ، ويـــا لي كيف أدفنني
فامـــنن عليّ أيا طــــوقا لمرسـاتي
فالقــــلب يأمرني أرنــــو لعاشقه
و النفس تأبى بأن أخطو بويلاتي
لكنما الهجر أردى بـــي وزهدنـي
عـــن الحبيب وعـــن كل الملذاتِ

وحقيقة اخرى لابد من التحدث عنها في مملكة الشاعرة سناء الحافي التي تثير فينا شهوة النص البصري والمشاكسات التي يخلقها النص للذات الغائبة والروح الملتهبة يعملان بشكل متناوب بين الملامة والفراق وبين العذاب واللقاء , تقودنا الى مراث ومرافيء حزينة ولكن في مناخات من نصوص متالقة بشجن محب يلامس اللوعة وتذهب بنا نحو الهم الروحي الانساني الذي يعبر عن نبض الحياة وتختزل المسافات بين المفردة والاخرى وتشكل لنا صورا ذات حركة مؤثرة , فافكارها تنتمي الى عالم الحلم البعيد الذي لم يتحقق بعد.
وكما في هذه المفردات التي تاخذ طابعا اخر و معاني عديدة :

كما ترى يا وطني..
لا أقوى على الابحار،
فقد ذبلت بالخوف اشرعتي
و صنعت شراعا من كفني
لأبدأ رحلتي اليك..
و أسارع بين المدّ و الجزر
حقّ الشوق و اللحد..
فتسابق الطيور المرهقة ظلي
و أنت .. كالشهاب
تلهث و سط السماء
لتخيط ثيابي الرثّة بالودِّ
حتى يأتي اللقاء و لا يأتي ..
الآن أدركت ثورة الموج ..
الآن قواربي تشرع في الغرق
الآن يا وطني
أوفيتك الوعد..
و هذي السماء المحتشمة
ليتها تصدّق وعدي..
الصمت .. والصوت ... والصدى .. والبوح .. الضجر .. رثاء الحال , اللوعة , والعشق .

الشاعرة مميزة في كتابتها , فلكل معنى لهذه الكلمات شكل اخر من اللغة لانها تبحث عن البديل في الغوص بروح المفردة لانتاج لغة اخرى لها مقارنة لتضعها على شكل دال ومدلول , تصنع لغة شعرية متقدة للقاريء الذي يتفاعل مع هذا الاتقاد , فنجد لها تفرد مميز في توصيل اشاراتها الصادقة عبر التاويل في شكل اللغة مضافا اليه الاحساس في الكلمة وكانها ترسم بالحروف لوحات فنية وصورا شعرية ملونة , تستخدم كل الوان اللغة والطبيعة ! في التجريد والسريالية منطلقة من الواقع والمحاكاة التي اعتصرت ذاكرتها , لذلك نجد القصيدة تسمو وتزهو بهذه العلاقات الداخلية حتى تلامس وجداننا ونتلمسها فتؤثر فينا ! ان الايقاع والمعنى الجمالي للنص يتركزفي البحث عن الحب واختلافاته عند سناء الحافي لوجود حيز كبير من التناقضات في ذات الشاعرة وما للغياب والمنفى من اثر بالغ , والبعد عن الموطن الاصلي , والحب , والحقيقة الضائعة , كل هذه العلاقات الداخلية تظهر لنا على سطح القصيدة :

أخبرني عن ضياع الالوان في عشقك
عن ذبول الظهيرة في أحضان النساء
لأعانق المدى بوصيّة
من خجلي
فترثيني لونا ..
يهرب من ألواح المساء

توظيف اللغة في كتابة النص الشعري:

الغدر , العنوسة , الطوفان , الفزع , الطهارة , الطفولة , المرافيء , الحزن , الليل , الغربة , الهجران , الدمعة الرصاصة , عتبات الوطن , البكاء , الخجل , الارق , الشوق للضفة الاخرى الى اخره ....
كل هذه الصفات والافعال تشكل قاموس الشاعرة ولغتها . تدخل ضمن بناء القصيدة الدرامي حتى يكاد الينا ان نسمع انفاس كل كلمة عبر توظيفها الى اللغة بشكل مثير :

انت لم تعلم بعد
ان جروحي مبتلة بالغدر
الاعوام تمضي
وانا كالعوانس
افتش عن ضلعي الايسر
حتى احتمي ببقايا وطن
لاشط فيه ولا مرفأ ..


تجربة تتمتع بصوت خاص !

ان العمل على توظيف اللغة في كتابة الشعر يلعب دورا مهما في ثقافة وكينونة الشاعرة سناء الحافي يعطينا دليل على قدرتها الفنية والموهبة الشعرية التي تتمتع بها لصياغات شعرية حديثة فيها من اللمعان والبريق والتالق حتى يسمو النص الى سموات عالية بفضاءات مؤثثة بروح الشاعرة ونبضات قلبها ! فمرة تحيلنا الى الدهشة والتلقائية والعفوية وتجمعنا حول مائدة لذة النص والصوت الشعري الذي يخترق كل المجموعة الشعرية الذي يدهشنا وهو يتدلى عموديا فتتحلق حوله كل المفردات من فرح والم كانها معزوفة موسيقية تسترخي وسط النص وتؤثرعلى المنظومة الحسية كلها فتجعلنا ان نصغي لها تماما ! بحب ووجل . وهذا يعود كله الى ادوات اللغة المتطورة التي تمتلكها كي تعمل على توازن في النص يشعرنا امام لغة متماسكة ورصينه .

تعزف في لغتها الشعرية اللون والاغاني والموسيقا , لغتها تنبع من دواخلها كانها ((الحرير)) ..
فهي من جهة ( ناعمة ) في الوصف وفي تكوين جمالية للصورة و (قوية ) بتحديها للزمن الذي لم ينصفها وهي تعيش المنافي !
توظيف طاقة اللغة لديها يمتد بشكل متناسق ومتناغم في مسافات القصيدة المتراصة مع بعضها فلا تترك لنا ثغرة يتخلخل فيها النص :

الروح غريبة مثلي
تموج مع الموج القصير
لتقذفنا الى الوطن الحافي
وتعزف التيه على أرصفة العراء
حتى اخشع قرب الوميض الابيض
وتعلن بعفة الحداد .. الحان المقابر
اغثني ياوطن الحمى !

حينما نقترب من القصيدة , ونسمعها بصمت , سنرى اتجاه الروح للشاعرة ياخذنا الى ماجري من حولها من احداث مؤلمة فترمينا وسط ذلك الاشتباك , سنضطر الى ان نقف بجانبها ونعلن موقفا صريحا بذلك الدعم الانساني لما تعيشه من حالات ظلم وقسر والم . سنجد ايضا فيها تعبير عن رؤية شعرية صادقة تعتمد الجمال بالرغم من كل الالام والقساوة التي عبرت عنها في مجموعتها الموسومة (( حورية المنافي )) لاشط فيها ولا مرفا .

تجربة تتمتع بصوت خاص .. النص المصور بين المرئي واللغة..

ان الروعة في صناعة الشفرات والترميزات , لانها الاقرب الى حياة الشاعرة سناء , وهي تبصم لنفسها خصوصية كما هي جراحاتها وعذاباتها في المجموعات الشعرية التي قدمتها للقاريء !
فكتبت القصيدة العمودية باحترافية كبيرة وعالية حتى لقّبها البعض من النقاد والادباء بخنساء عصرها لما تتميز به عن بنات جنسها من فطنة و موهبة و جمال بالاضافة لمستوى ثقافتها و رقيّ تصرفاتها التي تنبأ الكثيرين بأنها سيدة مجتمع ترقى لخدمة رسالتها الأدبية و العملية و جعلها تدخل قلوب الاخرين دون استئذان حقا . ان مدلول تجربتها الشعرية مليء بالافتراق والتحام توديع ولقاؤ نصوص ثرية بمقياس الجمال والمعايير الحسية والسمعية منها والبصرية .وما يتعلق بين اللغة التصويرية من خلال النص المرئي النص البصري الذي رسم علامة مميزة في اعمال هذه الشاعرة المتفردة ! كما هنا في حنين الصبا :


أغِثني
يا زمن الصبى....
عُد بي للصمت الموصول
بطيش الصغار...
بلا صور.
بلا رؤى..
حتى يصلي الوجع في جلال القدر المغادر
و تشيّعني على أكفّ الغباء،
بعدما شُدّ قلبك قسرا اليّ ...
و شاع اللحن في الروح
حتى غاب عنك المساء..
لترثيني ....
كالفجر الطريّ
و تسلب من جسمي المذاب
ظنونك في النساء ..
فتسقط منك أقنعة الألحان
بين المعابر

كما هو الحال في عالم القصيدة النثرية فقد صاغتها في قالب جديد و مغاير محتفظة بجمالية الصور الشعرية و ايقاعها و غموضها و حين نقرأ لسناء الحافي نجد أن لها لغة خاصة لا يتقنها غيرها و لا يصل الى مستواها الا من يدرك قيمة القصيدة الأصيلة و اللغة الرصينة وصوتها الخاص . من خلال الموسيقا التي تشكل لغة خاصة تصويرية فتجمع بين ماهو مرئي وما هو مكتوب مثلما تحدثنا سابقا عن الدال والمدلول بالفكرة وعلى اهمية الدال في الشعر.
وفي خضم هذا الجمال الذي يصاحب الصورة والموسيقا واللغة في الكلمة والمعنى والاخلاق , فهي نبتة طيبة تعكسها للقاريء تعبر فيها صدق واخلاص لقضية الشعر .

شاعرة اصيلة تنطلق من خصائص وادراكات ومشاعر تتصارع بداخلها في التاثير والمؤثر مؤثرة تارة ومتاثرة تارة اخرى , عصامية النزعة قوية البأس بشخصيتها , توصلنا بلحظات مدركة بالحس الى نقطة الذروة وتجعلنا بين نقطتين العقل والعاطفة وهنا يكتمل الشعر بين الاحساس والمشاعر بصور مكتملة واخرى يكملها القاريء , انها نصوص خلقت للتفاعل الانساني !! خيالها , وعيها , الواقع الذي تعيشه , هذه المفردات تشكل لها فضاءات مهمة قد تغيب عنها العين ولاتنتجها , الا انها وبنظرتها الثاقبة ولامتلاكها البصر الحقيقي والداخلي كما هو الصوت الداخلي للنص نجد انفسنا امام خصائص شعرية لشاعرة متميزة وحرفية عالية ..
ان التقنية والمعمار في كتابة القصيدة انما هو اتحاد مع كل العناصر الفنية وبالتالي نقف امام محصلة اعمال متعددة بمستويات مختلفه تتحكم بها لغة الشاعرة ذات قيمة جمالية , كما وانها تشكل علامة مضيئة وجديدة , فالمضمون والشكل متحدان غير منفصلان فكل حيز يكمل الاخر ويعملان على اساس انهما واحد..

ان تكثيف الفكرة .. اي فكرة يبعث الاحساس والانتماء الحقيقي للتعبير عن فلسفة الشاعر ووضعه الاجتماعي والعاطفي والاخلاقي من فرح وحزن هو قاسم مشترك لطرفي المعادلة بين الشاعر والقاريء هو انتصار كبير للقصيدة , حينما يتفق الطرفان على حب القصيدة .

المحاكاة وادراك التغيير في التحولات الشعرية في الحركة والفعل وذات الشاعرة :

ان متابعة دقيقة لجذر تطورات الحداثة في الشعر و الذي يمتد الى عشرات السنين يجعلنا ان نرى ذلك التدفق الفني والاحساس والمشاعر في جمالية الصورة من خلال اعادة النظر في الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع العربي .
لذلك جاءت التحولات باتجاه استكمال الصور الرومانسية بالرغم من التناقضات في النص التي تاتي من تناقضات الافكار التي تعيشها الشاعرة سناء في مجتمعها المتقلب الاهواء! لذلك هذه التناقضات تجعل منها البحث عن افكار جديدة لتؤثر في القاريء من حيث الحركة والفعل داخل النص في اشتباك العلاقات الداخلية لتغيير المدركات الحسية له والتاثير عليها ومن ثم هي تعيد رسم القيم الشعرية الموروثه بصيغ جديدة وكانها تضع احساس كل قطعة شعرية بتاريخ معين وفي ازمان مختلفة وتحاكي المشاعر والقلب -- عاطفة وعقلا -- لتقدم لنا محاكاة شعرية جديدة متميزة .
وفي هذا الميدان نرى الشاعرة تبحث عن روح هذا الزمان في لغة شعرية مميزة تعيد النظر ببعض المفاهيم القديمة وتقدمها بصور جديدة تماشيا مع تطور الفكر والذهن البشري عن المستمع والقاريء في آن واحد :

قـــد كـــاد يقتـلـنـي عـنــاء عـواطـفـي انّــي اريـحـك مـــن تـوابـيـت الـعـبـر
ارحـل بـلا عـذرٍ كمـا ريـح الضّحـى تـرثـي صحاريـنـا بلـحـنٍ مــن هــذَر
و اذا هفـت روحــي وراء مواسـمـي ايــاك أن تنـسـى سـراديـب الـصـغـر
حيث المدى بينـي و بينـك قـد سـرى والحلم مصلوبٌ علـى كتـف الشجـر
لـو ألـف عـامٍ عشـت مـولـى للـجـوى الاَّ مـعـي قــد يرتـقـي فـيــك الـنـظـر
صبراً على جرح النسـاء و لـو أبـت من صبرهـا شمسـاً تبـوح لهـا مطـر
يفـنـى بحـضـن عيونـهـا رجــلا بــلا قلـبٍ و لا وطـنٍ و لا سعـف البشـر

لذلك نجد هذه المتغيرات في نصوص الشاعرة تقوم على نظرة التغيير في الحياة وايضا العيش مناهضة التناقضات والفوضى التي تسود الحياة في كل المجالات , وتقديم ما هو جميل واجمل . ومن ثم جاءت لنا باسلوب مختلف اثارته فينا ذهنيا وعاطفيا . وتشكل منطلق جديد في ادراك التغييرات الحركية والفعلية في ذات الشاعرة من حيث المضمون والشكل للنص .
كما واستطاعت عن ترسم لنا نصوصا شعرية فيها من الترميز واللغة واللفظ المتين ومعان كثيرة متغيرة وتاويلات للصورة تساهم في تحرير شاعريتها من الكبت الاجتماعي التي وضعت فيه ومن ثم تدنو الى صحوة في الشعر تدعو فيها الى التغيير في اتجاهات الشعر بصريا .

شاعرة تحمل في افكارها الابداع ودور الشعر من خلال المحاكاة بشكل حقيقي وموضوعي وذاتي من خلال مخاطبة الذات البشرية التي تعاني من اضطرابات نفسيه عاطفيه غير بالية للخطوط الحمراء التي يضعها المجتمع امامها .
لان اساس ذلك هو اعتمادها على الاحساس والتفاعل بيها وبين الموضوع لان ما يقدم من محاكاة شعرية هو انعكاس للواقع التي تعيشه هي , ذات الشاعرة بكل أوجاعها .
وهذا هو الاخطر لما يحصل للقاريء والمتذوق لانها تخاطبه بمشاعرها ولغتها وهي العارفة مقدما هي تشرك الذهن والعقل والعاطفة والحس في عملية التذوف الفني هذه من خلال النصوص الشعرية التي جاءت في هذه المجموعة (( حورية المنافي )) .


أنين العشق
اليوم أشدو أنينا يا صديقاتي
كأنما الحب دربا للمذلاتِ !
أبيع نفسي وأشقيها ، وأسحقها
فهل ترى النفس عندي من عدواتي؟
انصحنني إن ترين النصح ينفعني ....
لعل في النصح بشرى بالمسراتِ
تعبت والعشق يسري بي ويرجع بي ....
عبر الخيال فمّلتني خيالاتي
فحبه في شراييني يخالطني ....
وطيفهُ لم يزل يحيي لُيَيْلاتي
ولا يبارحني حتى ألامسه ....
حتى أرى فيه إيناساً لملهاتي
ولا أرى لذةً من دونهِ أبدا ....
كأنما هو في كل المسامات
أذلني حبه إني شغفت بهِ ....
فلا غنىً عنه في أتراب حالاتي
إن احترامي لذاتي لست أتركهٌ ....
وسوف أبقى عليها للنهايات

ان تفعيل الحركة والفعل يعمل على اثارة الذهن والحس للقاريء وتساهم في عملية الابداع الفني بين الطرفين القاريء والشاعر . لانها حريصة على تصل الفكرة للقاريء كي يقول لها جميلة جدا هذه الصورة او تلك !
على القاريء الذي يقرء الشاعرة (( سناء الحافي )) ان يكون واعيا شعريا وحسيا وان يغوص باعمالها الشعرية حد القاع , كي يجد جميع الوان الشعر المتناغم المتعدد من خلال التحدي والصرخة ضد ماهو غير واقعي وغير منطقي وهي تستخدم الاستعارات والرمز على المتناقضات والمتنافرات وايضا المتشابهات وهذا يجعل من القاريء ان يتابع بشكل مكثف لاهمية الصور الشعرية من حيث تكوينها لنظام رصين في البناء الشعري .

شاعرتنا هنا تجمع مابين الكلاسيكي للجمال برؤيا جديدة واقعية ليومنا هذا ,منطلقة من ذاتها الشعرية ضمن سياقات الحياة التي تعيش فيها وتتحرك بداخلها , ومن هنا تاتي المتعة والتذوق لانه تملك دواخل جميلة في ذاتها بالاضافة الى الجمال هناك التامل وبراعتها كشاعرة متميزة .
هي كتلة من مشاعر دائمة فيها كالنهر الذي يجري من دون توقف وتفصح وتبوح عن وجودها الروحي لتجسد النص صادقا حقيقيا من الناحية الشعورية والادراك .
اخيرا لابد من القول ان الشاعرة حينما تنقلت في هذه المجموعة ( حورية المنافي ) بين الشعر العمودي والنثر , انما هي قدمت لنا مجموعة مختلفة عن مجاميعها الشعرية المتبقيه و فقد كمعت الامها واحزانها التي عاشتها ولم تزل محتفظة بلذة النص وجمالية الصورة الشعرية المفعمة بالايقاعات والتاويلات ,حتى حينما يتداخل علينا بعض الغموض في لغتها الخاصة التي لايتعرف عليها الا من يدرك قيمة القصيدة ذات الاصول العربية بما فيها الى اللغة الرصينة والاسلوب المتميز .
لقد تجمعت في هذه المجموعة مواصفات تعكس لنا طبيعة روح الشاعرة من فطنة وموهبة وجمال وثقافة ! بمواضيع انسانية وعاطفية وفكرية قدمتها لنا كبستان من الورد او كمسلة موسيقية فنية رائعة !
شاعرة تنطبق عليها معادلة تفكك الزمن فلسفيا ولغويا كانها تعيش في حالات من العبث اليومي فسعت لنا بخلق مقاربات جديدة لتوصيف الحياة والحب والوطن والبحث عن ماهو جديد وهي في منفى خاص ..

المزيد من الثقافة والفنون

آخر التعليقات