قاعة صغيرة في اللوفر

نشر فى : الأثنين 13-11-2017 - عدد القراءات : 338
كتب بواسطة : عبد الزهرة زكي

لا يكفي نهارٌ كامل ليستنفد المرء متعته وحاجته إلى المعرفة حين يكون في رحاب متحف كمتحف اللوفر، لكن ما ظل متاحاً لي بباريس خريف هذا العام كان نهاراً واحداً فقط، فقررت زيارة المتحف فيه.

كنت أدرك أن الوقت المتاح لنا شحيح برغم بلوغنا المتحف بوقت مبكّر، ففضلنا أن نركز التجوال في حضارات الرومان والإغريق، وقبلهما كان لا بدَّ من أن نبتدئ بالحضارات الرافدينية والفرعونية وما كان يجاورها من حضارات الأمم التي عاشت قريبة منا.

جماليات النحت الذي خلّفه الإغريق والرومان كان عامل جذب لكثير من الزائرين إضافة حتماً لأهمية الحضارتين، ثقافياً وسياسياً، في التاريخ البشري..

كان الجمهور هناك مكتظاً بكثافة لم يضارعها سوى الاكتظاظ الذي لاحظته في قاعة صغيرة لكنها استثنائية في تاريخ البشرية، إنها استثنائية بقيمة ما أودع فيها، تلك هي القاعة التي انتصبت في الوسط منها مسلة حمورابي.

سيّاح وجمهور من مختلف البلدان كان يفصل بيني أنا القادم من بلد المسلة وما بين المسلة الساكنة بحياد تام ما بين الجميعممن اجتازوا قاعات ومساحات كبيرة مخصصة لحضارات الرافدين المختلفة حتى يبلغوا القاعة الصغيرة ومسلتها. كيف لك أن تكبح في داخلك مشاعر صلة القربى مع هذا الحجر الذي أمامك، بل كيف يمكن لك أن لا تنشغل بمشاعر التملّك إزاءه؟

الحجر الذي أمامي ليس مجرد حجر، بل هو ليس مجرد نصبٍ مألوف سواء في ذلك المتحف أو في سواه؛ إنه زمن وقد تجمّد بحجر، زمنٌ فارق في حضارة الإنسان وإنسانيته وتمدّنه، زمن القانون وضبط القانون بنص مكتوب.

صلة القربى بهذا النصب لا يقرّرها التملك، قلت مع نفسي المنشغلة بتضارب مشاعرها؛ حضارة الإنسان على الأرض حلقات متراصّة مع بعضها وإن تناءت بها الأماكنُ والأزمنة. ليس هناك من بداية منقطعة تماماً، لكن هناك ريادة.

الريادة، والمسلة عمل رائد، تستحضر كثيراً من الجهد الإنساني لتؤسس عليه بداية منظمة وعملية، وهكذا عملت المسلة وواضعها الرافديني.

في المتحف تتكرس صلة القربى هذه وتعبّر عن نفسها بالتعايش ما بين آثار مختلف الحضارات وقد جمعها متحف واحد. ما أكثر ما تحطمت هذه الحضارات بحروبها مع بعضها، لكن ها هي ماثلة أمامنا للتعايش كذكريات وآثار.

على أرض المتحف وزمنه الراهن، لحظة وجودنا فيه، كان البشر باختلاف أممهم وحضاراتهم يقدّمون نموذجاً آخر حيّاً للتعايش إزاء تاريخ ماثل أمامهم ومتعايش كذكرى، كلحظات حميمة الصلة ببعضها من زمن البشرية الطويل.

المتحف أكثر حياداً من الكتب، إنه مكان لمثول التاريخ، كما هو، وللخلاصات التي يقدّمها التاريخ.

التاريخ، وهو في المتحف، يقدّم المثال والعِبرة بتجسيد حي للتعايش والبقاء.

ليتنا نجيد الإصغاء للزمن ولذكرياته، وليتني في اللوفربوقت آخر أطول..

المزيد من المقالات

آخر التعليقات