الشهيد السعيد علي هلال كاظم . أبو يوسف البغدادي

نشر فى : السبت 19-08-2017 - عدد القراءات : 260

صحيفة بدر / خاص ......
الشهيد السعيد علي هلال كاظم . أبو يوسف البغدادي  

أبصرت عيناه النور عام 1952م، وسط أسرة ملتزمة، يظللها حبُّ الرسول وآله عليهم السلام،  وذلك في بغداد حي القاهرة، وانطوى قلبة على حبّ الإسلام والالتزام به، وأخذ هذا الحب ينمو معه ويسري في عروقه، منذ نعومة أظافره، يشهد له بذلك مسجد آل الرسول في حي القاهرة، فقد كان من رواده، أكمل الدراسة الابتدائية في مدرسة الخزاعي في حي راغبة خاتون، وأكمل المتوسطة والإعدادية في ثانوية الأعظمية، ثم تخرج في معهد المعلمين لعام 1974 – 1975م، وبعد إكمال الخدمة العسكرية الإلزامية عُيّن معلماً في مدينة الصدر.

كان خلال تلك المراحل من حياته مشعلاً يضيء الدرب لزملائه، وكل من كانت لهم صلة به.

استمر في ارتياد المسجد، ولطالما عقد مع إخوته المؤمنين دروس الفقه والعقائد والأخلاق، وكونوا مجموعة اخذت على عاتقها توعية شباب المنطقة وايصال المساعدات لأسر الشهداء والمعتقلين.

بعد اتفاقية الجزائر عام 1975م، وانتهاء حرب البعثيين ضد الفصائل الكردية، جاءه احد ضباط الاستخبارات وقال له:(( لقد انتهينا من حرب الشمال والآن جاء دوركم!))، وعندها عاش المؤمنون فترة عصيبة، وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وتولي صدام زمام الأمور، اعتقل مرتين بسبب نشاطه الإسلامي، وتعلقه بالثورة الإسلامية وقائدها الإمام الخميني قدس سره، وتأييده لمواقف الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره، وكان ضابط الامن قد هدده في المرة الأولى بالإعدام، فيما لو جيء به مرة أخرى، لكن الله أعمى ذلك الضابط المجرم عندما جيء به في المرة الثانية، بفضل سورة( يس ) التي قرأها ليدافع بها شره...

كان في زيارة لبيت عم زوجته ( رزاق فرج عزيز )، في حي الشعب، عندما دوهم البيت، لكنه استطاع الصعود الى سطح الدار والنزول في ساحة بيت الجيران، لكن صاحبة البيت أسرعت لتخبر رجال الامن، فتم اعتقاله وسجن في تكريت، ثم اعتقل أخوه جمعه بتاريخ 15/3/1982م، ولاقى انواع التعذيب النفسي والجسدي، ثم سلمت لأهله شهادة وفاته ( شنقاً حتا الموت )، فرحل شهيداً مظلوماً شاهداً على جرائم البعثيين.

لقد لاقت أسره علي وعدد من أقربائهم المؤمنين الظلم والقهر والإعدام من قبل عصابات صدام المجرم المقبور.

عن أيام السجن، يتحدث علي قائلاً:(( كنا سبعين نفراً، تزدحم بنا غرفة صغيرة، وكان بيننا شوعي واحد، وكنا نقضي حاجتنا في صفيحة معدنية، حتى أن رائحتها اصبحت لا تطاق أبداً، وفي احدى ليالي الجمعة، وحينما كانت الغرفة تشهد دوياً كدوي النحل نتيجة لقراءة القرآن الكريم والادعية والصلوات، وإذا بنا نشم رائحة طيبة فعجبنا لذلك، وأخبرنا أحد إخواننا الذي كنا نعتبره استاذاً ومربياً لنا، فقال: ((أنا أشم هذه الرائحة أيضاً، إنها رائحة الجنة، نعم والله إنها رائحة الجنة))، فلم نوافقه على كلامه، فقال اذهبوا الى ذلك الشيوعي واسألوه فإن شعر بها فهي رائحة عادية، وإلا فإنها رائحة الجنة، فذهبنا إلى ذلك الشيوعي وسألناه، فقال: (( أنتم مجانين! أية رائحة هنا غير رائحة الفضلات؟ فعرفنا أنها رائحة الجنة...

بعد ستة أشهر، أخرج علي من السجن وألقي به في لهوات الحرب التي أشعلها صدام ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بإيعاز من أمريكا وعملائها في المنطقة، فوجد نفسه في قاطع المحمرة حيث أرسل إلى الخطوط الأمامية في منطقة الطاهري، وهكذا كان يخرج بعض السجناء ويلقى بهم في الحجابات والكمائن المتقدمة، ليكونوا طعمة لنيران الأسلحة وضحية للهجمات...

عندما شنت قوات الجمهورية الإسلامية هجوماً كاسحاً لاستعادة مدينة خر مشهر ( المحمرة )، بدأته بمنطقة الطاهري، فكان علي اول المبادرين الى تسليم انفسهم، بتاريخ 2/5/1982م، ثم إلى برندگ ومنه الى الحشمتية، وكان قد عقد العزم، منذ الايام الأولى لأسره، على إكمال واجبة الشرعي في تبليغ الدين، ذلك الواجب الذي تحمل من أجله السجن والتعذيب وفراق الأهل والوطن...

عن أيام الأسر، يتحدث المجاهد أبو ماجد البهادلي قائلاً: ((... لقد قام بدور مشرف في بث الوعي الاسلامي في صفوف الاسرى، من خلال اللجان الثقافية، حيث كان معلماً في مدارس معسكرات الهداية، كما كان شوكة في عيون البعثيين))).

أما المجاهد أحمد عبد اللطيف الكعبي من فوج جعفر الطيار، فيتحدث عن تلك الحقبة الزمنية قائلاً: (( كان معلماً ومربياً ومحاضراً في الفقه والاخلاق والعقيدة ونهج البلاغة، وكان متكلماً جيداً، ومتصدياً لكل المنافقين...)) لم يكتف علي بما كان يقوم به من نشاط داخل معسكرات الاسر، بل راح يطالب المسؤولين عن تلك المعسكرات ويلح في طلبه من اجل السماح له بأداء وضيفته خارجها، وذلك بالالتحاق في صنوف المجاهدين، ومقاتلة عصابات البعث، التي عاثت في أرض الرافدين الفساد، فقتلت خيرة شبابه وعلمائه، وعلى رأسهم المرجع والقائد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره، الذي ما انفكت فتواه، التي دعا فيها الى مقارعة الاستبداد، ترن في اسماعه. لقد كانت أمنيته أن ينال شرف المشاركة في حرب ذلك الطاغوت، مسترخص في سبيل ذلك دمه.

بتاريخ 10/7/1986م، تحقق ما كان ينتظره بفارغ الصبر، والتحق بالمجاهدين ليحظى بشرف المشاركة في سوح الجهاد، فمثل التحاقه بالدورة الأولى من دورات المتطوعين من معسكرات الأسر، يوماً أغر في حياته، التي عاشها متطلعاً لمثل ذلك اليوم...

بعد اجتيازه دورة في معسكر الحر الرياحي في سنقر أطراف مدينه كرما نشاه، تلقى فيها تدريباً على مختلف انواع الاسلحة الخفيفة والمتوسطة، ودروساً في الفقه والعقيدة والأخلاق ودروساً متفرقة أخرى، استعد ليشارك في أي واجب يكلف به من الفوج الذي تشكل من تلك الدورة – فوج حمزة سيد الشهداء.

لقد عرف أبو يوسف بتدينه، وأخلاقه العالية، وحسن معاشرته، وبأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، كما عرف بشجاعته التي تجلت عندما اشتد الوطيس في عمليات حاج عمران أولى العمليات التي التي اشترك بها.

بعد أن تهيأت أفواج المجاهدين - الشهيد الصدر والفوجيين الثاني والثالث – لخوض تلك المعركة، أنيطت بفوج حمزة مهمه اسناد تلك الافواج، فاجتمع المجاهدين في احد الاودية، وبعد اداء صلاتي المغرب والعشاء، هتفوا بكل صدق واخلاص، قائلين:

فوج سيد الشهداء                                        عازم الكربـــــــــلاء
يا مجيب الدعــــاء                                       يا عظيــــــم الرجــاء
انصر الثائرين                                           واخــــذل الكـافريــن

رغم علم العدو بالهجوم، وقصفة المتواصل، وكثرة ما شيّد من حصون، وأقام من موانع، تقدم المجاهدون في عملية جريئة، بخطى ثابتة، متخطين كل موانعه، ومحطمين كل حصونه. تلك العملية كانت مستحيلة في العرف العسكري، لكن إيمان وإخلاص المؤمنين المجاهدين لا يعرفان المستحيل، فقد بلغوا كل أهدافهم، ولما احتيج لفوج حمزة سيد الشهداء، تقدم مجاهدوه ليشّدوا من أزر إخوتهم، وأبدى أبو يوسف شجاعة فائقة، فقد أذاق أعداء الله الذين كانوا يقاتلون في سبيل الطاغوت الذل والهوان والموت الزؤام... حتى أصيب بشظايا قذيفة دبابة قطعت رأسه، ففاضت روحه الطاهرة في يوم 1/9/1986م، ورجعت الى ربها، لتنعم بما تنعم به أرواح النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

شيع مع عشرات الشهداء تشييعاً مهيباً، ووري جثمانه الطاهر الثرى، في مدينة قم المقدسة.
 
مــن وصيته رحـمه الله
بسم الله الرحمن الرحــيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
اللهُمَّ فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، إني أعهد اليك أني اشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً صلى الله عليه واله عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الحساب حق، وأن الجنة حق، وأن ما وعد فيها من النعيم من المأكل والمشرب والنكاح حق، وأن النار حق، وأن الايمان حق، وأن الدين كما وصف، وأن الاسلام كما شرع، وأن القول كما قال، وأن القرآن كما أنزل، وأن الله هو الحق المبين، وأني اعهد إليك في دار الدنيا أني رضيت بك رباً، وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله علية واله نبياً، وبعلي ولياً وبالقرآن كتاباً، وأن اهل بيت نبيك عليه وعليهم السلام، أئمتي. اللّهُمَّ! أنت ثقتي عند شدتي، ورجائي عند كربتي، وعدتي عند الأمور التي تنزل بي، وأنت ولي في نعمتي، وإلهي وإله آبائي، صل على محمد واله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً، وآنس في القبر وحشتي، واجعل لي عندك عهداً يوم ألقاك منشوراً.

أخوتي وأهلي الأعزاء! أوصيكم بل نساء خيراً، وببناتي الأربع خيراً، ربوهن على التدين، وإذا كبرن فزوجوهن من كان متديناً وملتزماً بالإسلام العزيز. أرجو من والدتي الحجية براءة الذمة، لعلي قصرت في حقها، ولم أؤد حق الأمومة، كما أرجو من والدي براءة الذمة لتقصيري في حقهما، ولم أبرّهما كثيراً.

أرجو من زوجتي أم زينب أن تبرئني الذمة، لعلي قصرت في حق الزوجية.

وصيتي لمن يحب الشهادة أن لا يكون طلبة للشهادة للخلاص من الدنيا ومصائبها، ولا يطلب الشهادة لأنه فقد كل أحبته وأعزته، ولا يطلب الشهادة لأن الأولاد أبعدوا عنه، والزوجة أبعدت عنه، بل يجب طلب الشهادة على كل حال، في حال النعيم والراحة، وفي حال العسر واليسر، وفي حال الفرج والحزن، ليكون شعاركم في الشهادة (اللّهُمَّ إن كان تمزق هذا البدن يبلغ به رضاك فما أيسر هذا العطاء )، فالهدف هو رضى الله تبارك وتعالى، وما دونه لا تلتفتوا إليه أبداً. إلهي! أنت وهبتني هذا البدن، وطلبت مني أن أرجعه إليك بحال تسرّك، اللّهُمَّ! إن كان تمزُّق هذا البدن من أجل الإسلام يسرك، فها أنا ذا قد صمّمت أن يتمزق بدني، ابتغاء رضاك وتثبيتاً للإسلام العزيز، وإرغاماً لأنوف أعداء الإسلام، لظهور إمامنا المنتظر " عجل الله فرجه الشريف.
لقد أقدمت على الشهادة، بكامل إرادتي ووعي الذي يملي عليّ نصرة الإسلام ودولة آل محمد صلى الله علية وآله.

اللّهُمَّ اجعلني عندك وجيهاً بالحسين.

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين.

سلام عليك أبا زينب وعلى إخوتك الشهداء، وهنيئاً لك الجنة، التي شممت عطرها قبل سنين من استشهادك...

و . ق
 

المزيد من بل أحياء

آخر التعليقات