بين سعدي والسديس

نشر فى : السبت 12-08-2017 - عدد القراءات : 3
كتب بواسطة : د.كريم شغيدل

لا يمكن التعكز على ما سلف من شعر سعدي يوسف، فالذين أدانوه لمواقفه الطائفية وبياناته السمجة، وإن اختلفوا في شعره فهم لم يتحدثوا عن مستوى شاعريته أو منجزه عموماً شعراً ونثراً وترجمة، مع أن كثيرين وأنا واحد منهم نرى بأن ولاءه الأيديولوجي منحه أكبر من حجمه، فعلى المستوى الإبداعي والابتكاري وامتلاك ناصية الشعر هناك الكثير من أبناء جيله ومن الأجيال اللاحقة أهم منه لغةً وتجديداً وأداء.

نحن نتكلم عن مواقفه المخزية، فبعد أن خاطب بوصفه آخر شيوعي يتجنس بريطانياً ليصبح رأسمالياً بعد طول عناء من الاشتراكية، رئيس وزرائه توني بلير برسالة يحثه فيها على إرسال قوات مسلحة لتحرير العراق من صدام حسين، وبعد أن حلم بمنصب وزير للثقافة بعد سقوط النظام الصدامي، وخاب ظنه فشعر بالإهمال، كانت له ردة فعل سيئة أساءت له ولتاريخه شاعراً وسياسياً معارضاً للنظام الدكتاتوري، فسعدي لم يحترم تاريخه، ولم يحترم منجزه الشعري إن كان ثمة اعتزاز بمنجزه، بل لم يحترم نفسه مثقفاً ننتظر منه موقفاً نقدياً ضد ما حدث ويحدث في بلاده، وإنما كان وما يزال طائفياً يسب ويشتم ويسيء لأبناء الشعب العراقي ويصفهم بالعجم والفرس والمجوس والصفويين والعملاء والخونة كأي ببغاء طائفي، بينما يمجد الإرهابيين ويراهن على مشاريع العنف والتكفير والظلامية، وهذا خطاب سياسي سمج ومدفوع الثمن لا يليق بشاعر ولا بمثقف ولا حتى بمواطن بسيط من عامة الناس، سنحترمه إن كان لديه خطاب عقلاني معارض، سنحترمه لو أنه امتلك مشروعاً نقدياً نهضوياً، سنحترمه لو أنه تعامل مع مكونات شعبه بعدالة وإنصاف، كيف ننظر لمن يمجد الزرقاوي ولقطاء القاعدة والنقشبندية وأيتام البعث وداعش ممن ذبحوا شعبنا وهجروه ودمروا مدننا وسبوا النساء وعاثوا فساداً، ويسيء لمن حرر المدن؟ نقول للبعض: من الإجحاف أن نضع سعدي مع العظيم أدونيس على كفتي ميزان، فجناح الصقر لا يوازيه جناح ذبابة، ولا خشية على صاحبكم.. لا أحد يفكر باغتياله كشعراء الحقب الماضية، علماً إنه بحكم المحرض على العنف والداعم للإرهاب وينبغي للادعاء البريطاني العام محاكمته، كل أعمال داعش القذرة لم تهز مشاعره وكل تخريبها وتهديمها للآثار والمساجد والكنائس وتهجير الأيزيديين والمسيحيين ومصادرة أملاكهم وبيع نسائهم في أسواق النخاسة، لم يحرك عنده ساكناً، لكن هزه تحرير الموصل؟؟ فأساء لمن حررها، واتهمه ظلماً بتدمير المدينة وقتل الأبرياء، وكأن عصابات داعش كللت الموصل بالورود والرياحين وشيدت ناطحات السحاب.

بعضهم يرى أن داعش ومن لف لفها من الجماعات الإرهابية الظلامية في العراق تمثل المقاومة ضد حكومة الاحتلال، وداعش وشبيهاتها في سوريا تمثل الإرهاب، أي منطق هذا؟! بهذا المنطق الأعوج يبرر البعض لسعدي يوسف إساءاته غير المسؤولة. نحن لا نشكك بشاعريته التي أفل نجمها، بل ندين بياناته السمجة التي يتطاول بها علينا، نحن لا ندين انتهازيته التي يعرفها القاصي والداني، ولا ندين سلوكه الشخصي، إنما ندين طائفيته وعدم احترام مشاعر الأغلبية من شعب العراق، سعدي تفكيره لا يتجاوز تفكير أي مختل داعشي معبأ ضد الشيعة فيتصور أن العراق محتل من الكرد والعجم (يقصد الشيعة) وكلاهما يقتل العرب (يقصد السنة) ويتجاهل أن مناطق الشيعة هي المستهدفة وهم الذين يتعرضون للإبادة بمخطط إقليمي يدفع تلك الجماعات الضالة لتغرر بأبناء السنة وتجرهم إلى مناهجهم حتى وجدت في البعض منهم من يوفر لهم الحاضنة، بل إن السنة الشرفاء الذين لم يطيعوا أوامر تلك الجماعات تعرضوا للإبادة كأبناء عشيرتي البونمر والجبور، ويتجاهل أن أبناء الشيعة تناخوا لتحرير المدن العراقية واستقبلوا المهجرين في بيوتهم ومحافظاتهم.

سعدي لم يكن متوازناً ولم يكن منصفاً وبياناته سيئة الصيت تعبر عن خلل نفسي أصابه وعن شحن طائفي استبد به بعد أن تفجرت غدته التي لم تخفها ادعاءاته الماركسية واليسارية ولا حتى عروبيته التي نزلت عليه فجأة بقدرة قادر، عصابات داعش فجرت آثار النمرود، فخخت البيوت على ساكنيها وأقفلتها بـ (اللحيم الولدن)، وفجرت منارة الحدباء ومسجد نبي الله يونس وعدداً كبيراً من الكنائس التاريخية والمعابد الأيزيدية، بل هدمت كل معاني الإنسانية وما تبقى من قيم الخير والمحبة والسلام في نفوس البشر ببشاعة جرائمها، ولم يتعرض لها سعدي، لكن عبد الوهاب الساعدي الذي قاتل بشرف ولم يرَ أسرته على مدى خمسة أشهر متتالية وهو المقاتل الشهم الذي أحبته الأسر الموصلية لإنسانيته وشجاعته حيث يتقدم جنوده في مواجهات مباشرة مع جرذان داعش ويقاسمهم زادهم، وحظي بحب العراقيين أجمع ونال إعجاب قادة العالم يراه سعدي عاراً هدم الموصل.

إن ذهنية سعدي وهو يتباكى على الموصل تتناغم حد التطابق مع ذهنية عبد الرحمن السديس الذي قال: والله لئن ضاعت الموصل فسترون أياماً لا يعلمها إلا الله.. ويتهم الحشد بقتل إمام مسجد سني والتمثيل بجثته لإثارة المشاعر وتكريس الكراهية، فما الفرق بين ذهنية الخطيب الوهابي المتطرف وذهنية الشاعر اليساري سعدي يوسف؟!

المزيد من المقالات

آخر التعليقات