( مونودراما أنا ورأسي ) مسرحية

نشر فى : الخميس 10-08-2017 - عدد القراءات : 136

كتب: لؤي قاسم عباس ......
( توطئة هذه المسرحية مونودراما تنتمي في بعض مشاهدها الى المسرح الاسود لذلك تحتاج الى شمعة ليزرية لا تظهر الا اللون الابيض )

يفتح الستار ( المسرح خالي الا من سرير يرقد فيه الحالم وهو يتقلب على صوت قصيدة تنويمة الجياع للجواهري ، يصاحبها دخول فرقة بانتومايم مؤلفة من اربعة افراد تقودهم امراة تحمل بيدها سوط وهي بمثابة الكابوس الاعظم وباشارة منها يزحف بقية افراد الفرقة نحو سرير الحالم ، تضرب الاول بالسوط فيخرج ويجلب مشنقة ويضعها يسار المسرح تضرب الثاني فيخرج ويجلب برميل TNT فيضعه يمين المسرح تضرب الثالث فيخرج ويحمل مقصلة يضعها منتصف المسرح تضرب الرابع بالسوط  فيخرج ويجلب حقيبة سفر فيضعها خلف المقصلة  ثم تضربهم جميعا فيخرجون ويعودوا حاملين ثلاث اطارات خشبية وكرسي ويوزعوها على المسرح ثم يقومون بنصب شبكة عنكبوتية في فضاء المسرح بعد الانتهاء تأمرهم بالخروج فيخرجون كل ذلك مصاحبا لصوت تنويمة الجياع )

الحالم : نامي جياعَ الشـَّعب نامي ... حرسَتـْكِ آلِهـة ُالــطـَّـعـامِ .

نامي فانْ لم تـشــبـَعـــي ... مِن يَقـْظـَّةٍ فـمِـنَ الــمـنـام .

نامي على زبـدِ الــوعــود ... يُدافُ في عَـسـل ِ الكـلام .

نامي تـَزُرْكِ عـرائـسُ الأحـلام .. فـي جـُنح الظـلام .

نامي إلى يــوم الـنشور ... ويـومَ يـُـؤذ َنُ بالقيـام

نامـي على المستنقعــات ... تـَمـُوجُ باللُّجج ِ الطوامي .

نامي على نـَـغَم البعــــوض ... كـأنـه ســجــعُ الحمامِ

نامي فـقـد غـَّـنى إلـهُ الحــرب

ألـحــان السـلام

نامي جياعَ الشعب نامـــي ... الـنومُ مِـن نِـعـِم السلام

تتوحـدُ الأحــزابُ فـيــه ... ويَتـٌقي خطر الصِـدامِ

والـطيشُ أن لا تلـجأي ... مِن حاكمـيـكِ إلى احتكامِ

نامي فانَّ صلاح أمرٍ .. فاسدٍ في أن تنـامي

نامي فـنـومـُكِ فـتـنة ٌ...إيقاظــها شـــرٌّ الأثامِ

هل غـيرُ أنْ تَستيقظـي فـتـعـاودِي كرٌ الخِصـامِ

( اصوات انفجارات مع منبه السيارات وضجيج ، الحالم ينهض من فراشه ويلف حول نفسه ) : ما بال رأسي يلف و يدور ويدور ويلف ويدور وكأني كوكبٌ في مجره بينما هذه البقعة من الارض متوقفة عن الدوران ، هذه البقعة من الارض متوقفةٌ وكأنها لا تنتمي الى هذا الكوكب ، ما بال الكون  يصفع راسي فيتحرك مثل البندول يمينا وشمال ، مالي احسُ بأني غريق ابحث عن خيط رفيع أتشبث به ، ( يمسك رأسه ) الكون كله يصيح برأسي ، ضجيج العالم يستقر هنا ويعبث به . أنا متعبٌ متعبٌ ، متعبٌ ومثقلٌ بالهموم ، آاااه لو كان بمقدوري أن ارفع غطاء رأسي وافُرغ ما فيه ، فقد سئمتُ التفكير بلا جدوى  . فما جدوى التفكير حين لا تجد الحلول و حين لا تجد ارضا خصبة تستقبل بذرة الافكار ، أننا نعيش على الفطرة وبلا تخطيط ، فسيان عندي ان اترك خلايا عقلي ترقد في سبات عميق او أن استبدلَها بحجر .

ولِمَ لا استبدل عقلي بحجرٍ مادام مطلوب مني ان ان اسير كالاعمى اتلمس طريقي المبهم دون ان يكون لي الحق في ان اسأل او اعترض . آهٌ لو كان بمقدوري ان استبدل هذا الرأس اللعين برأس فارغٍ من التفكير ، مثل اي احمق او بهيمة . ( يعصر رأسه ويلف حول نفسه ) : أنت ايها الرأس توقف عن التفكير قبل أن تنفجر ، كُن احمقا او كن كالانعام مثل ايةُ بهيمة ، كُن كالخراف حين تسير مطمئنةً خلفَ الراعي ، فيسلمها الراعي الى الجزار ويقبضُ ثمنها ، والجزار يحزُٓ رأسَها ويصلخ جلدها ويبيع لحمها اشلاءا اشلاء . ( يلتفت يمينا وشمال فتستقر عينيه على حقيبة السفر ) : يتوجب علي ان احمل حقيبتي ( يتوجه صوب الحقيبة فيحملها ) ربما يتوجب علي ان احمل حقيبتي واغادر هذه البقعة من الارض شأني شأن الملايين الذين ركبوا البحر خوفا من ان تنهشهم الحروب فصاروا طعاما للسمك . ربي ما ذنبي انا ، هل مطلوب مني ان اقضي حياتي ما بين حرب وحصار ودمار ، ولكن ، ولكن الى اين ارحل ؟! ومن يستقبلني وانا بهذا الجسد المتهالك وهذه القوى الخائرة . ( يسقط ارضا وهو يخاطب الله ) الهي كم سبعا من السنين العجاف مرت ؟! والناس تنتظر العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ، ولا امل ، سبع عجاف تبعتها سبع عجاف وسبع وسبع اخر . احترقت سنوات العمر ونحن ننتظر ، سنين اكلت لحمنا ودقت عظمنا ونشفت دمائنا وسحقت ارواحنا ، كم سبعا من السنين مرت ولا شيء يلوح بالافق ولا بارقة امل ولا بصيص لنور اهتدي به ، لا شيء جديد الايام تتشابه اليوم يشبه البارحة وغدا يشبه الامس .( ينهض ) :  هذي البقعة من الارض متوقفة عن الدوران ورأسي يلف ويلف ويلف ويدور . ( يدير بصره نحو الكرسي فيتجه صوبه ) : لا املك الا ان ابيع نفسي ( يصعد على الكرسي ) من حبالي الصوتية ؟ من يشتري حنجرتي ؟! كليتي وحبلي الشوكي و قطع من كبدي ، ابيع نفسي جملة وتفصيلا . من يشتري راسي وعقلي فانا غير محتاج اليه ، من يشتري جذوري المرتبطة بهذه الارض ويمنحني عيشة بكرامة ، انا انسان ابحث عن كرامتي التي مزقتها الحروب و التهمها الحصار و غرقت في مستنقع الطائفية .  ( يدير بصره يمينا وشمالا فتقع عينيه صوب اطار كبير  يدخل فيه ) :  من يشتري لوحة فنية للبيع رسم متحرك تمثال يتخذ عدة أشكال تارة أبكي وتارة أضحك ، أنحني ، أسجد ، أجلس ، أقرأ ، أكتب ، أتوسل ، أصرخ ، انا مجرد لوحة ، لوحة رسمها فنان كبير ،  تستطيعون شرائي وتثبتون جسدي بالمسامير على الحائط او فوق الرفوف ،  بأمكانكم ان تعرضوني كاي ملصق على الجدار او بأي زاوية من زوايا البيت ،لا احد يرغب بشرائي ، اعذركم لأن زمن الفن قد ولى ولا احد يرغب بشراء لوحة فنية ، لكن لا عليكم ، ممكن ان أكون ساعة جدارية اقول تك تك تك تك تك تك تك تك وعندما يحين موعد استيقاظكم سارن مثل اي منبه . ترن ترن ترن . اعتقد بأن لا احد يهتم بالوقت  فالايام تمر والزمن يمضي ويمضي ويمضي ونحن ما نزال على حالنا لم يتغير منا شيء . ( يدخل في الاطار  الثاني ) : تستطيعون حبسي في قفص ، اغرد ، ازقزق ، احاكي كل الاصوات ، بأمكاني ان اكون كلب حراسة انبح حين ارى الغريب يقترب من الدار ، او اكون قطةً تقتاتُ على ما زاد من فضلات الطعام .

( يدخل الى الاطار الثالث  )

ممكن ان بلياتشو مهرجا يسخر مني الجميع ، او لعبة تلهو بها الاطفال او قرد يقْفِزُ من مكان الى مكان . ممكن ان اكون مجرد فزاعة أُفزِع الطيور في المزارع ، تستطيعون استبدال رأسي برأس من قش فانا لا احتاج الى رأسي .

( يعود الى الاطار الثاني ) انا لوحة انا لست انسان ابحث عمن يشتريني ، ممكن ان اكون هيكل عظمي يساعدكم كوسيلة ايضاح في درس الاحياء او ان اكون موديل  مجسم  اقف بثبات في واجهة محلاتكم وتعرضون ازياءكم علي تستطيعون ان تجردوني من الثياب .

( يجلس على كرسي وسط المسرح ) ابيع نفسي من يشتري اعضاءا بشرية ، جملة وتفصيلا ، ابيع نفسي تفصيخ كأي سلعة ، من يحتاج الى مواد احتياطية لدي معدة خاوية اعتادت على طحن الحجر واكل النخالة وبرادة الحديد وعفن الرز ، صحيحٌ انها تعاني من التقرحات بسبب ضغوطات نفسية  الا ان الاجزاء المتصلة بها سليمة كالبنكرياس والاثنا عشري ولدي قلب للبيع لا زال ينبض بالحب ويعيش على ذكرى الحبيبة ، رغم انه قد طحنته الحروب واعتاد على صور القتل ومشاهد الدمار والخراب ، ولا اكتمكم سرا هو يعاني من انسداد الشرايين . ولدي عقل للبيع صحيحٌ هو مشغول بامر الفاسدين وسراق المال العام ، لكنه بأمكانكم ان تعملوا لها فرمته فيعود جديدا .

( يتجه بالكرسي الى جهة اليمين وبنبرة صوت مختلفة )

ايها السيدات والسادة لقد توصل الطب الحديث الى تقنية زراعة الرأس وهذه التقنية ستمكن الانسان ان يحول رأسه الى جسدٍ اخر . سيتخلص الاغنياء من امراض الرأس والجسد بينما سيعاني الفقراء من مرضين احداهما بالرأس والاخر بالجسد ، انها لعبة المال حيث سيكون الخلود للاغنى ، لذلك ترى السياسين يتكالبون على الخزينة يستحوذون على الاموال ، ولا تستغرب لو سمعت ذات يوم بأن المسؤول الفلاني قد عاد بجسم جديد خالي من الامراض ربما هو  لفلاح بسيط او عامل مسكين او ربما يعود الينا برأس جديد حيث يعود شابا وسيما تلتف حوله الفتيات ، لا تستغرب ابدا فالحرباء تتلون بلون المحيط و الافعى تغير جلدها في كل عام وحتى عندما تقطع راسها سينمو جسدها من جديد ...

( يلتفت بالكرسي الى جهة اليسار )

حتما سترون طوابير الفقراء عند بوابة المستشفيات ، يرومون بيع رؤوسهم او اجسادهم بالنسبة لي ، انا مستعد ان ابيع رأسي ، حينها سينام رأسي في قصر المسؤول وينام رأسه عندي في بيوت التجاوز ( يضحك ) سيشرب من ماء الاسالة ( يضحك )  وسيصاب بالاسهال مرتين باليوم . وفي ذات الوقت سيرتاح رأسي تحت تأثير التبريد في قصره ،  سانتقم من رأسه المسؤول حين اقف مكشوف الراس وسط شمس الظهيرة سترون رأس المسؤول ذات يوم وهو على جسدي و انا اقود الستوتة وهو ينادي رگي حگه بالف رگي حگة بالف رگي حگة بالف . ساذلهم برأسي ، كل يوم اذهب الى القصر وعند بوابة القصر اقول لهم انا رأس المسؤول وسيسمحون لي بالدخول كي اطمئن عليه واضع قبلة فوق راسي الذي يستقر على كتفه .

( يلتف بالكرسي صوب الجمهور )

ومن المؤكد بأن الطب الحديث قد توصل الى اعادة بناء الخلايا الميتة في جسم الانسان وهذا يعني بأن السيد المسؤول سيبقى الى ابد الدهر كلما ماتت خلاياه اشترى غيرها وهكذا ستبقى نفس الوجوه حتى قيام الساعة . ( ينزل الى الجمهور ) كل ذلك ايها السيدات والسادة  من خيرات بلدي فالنفط الذي ينعم في هذا البلد مصنوع من جسد ابائي الذين دفنوا هنا بهذه الارض لي نصيب فيه مثلما لك ولك ولك ولك ، فليس من حق احد ان يستأثر فيه دون غيره هم يبنون القصور تلو القصور ويعلون العمارات طابق اثر طابق ، و انا اعيش بين اكوام النفايات والمزابل .

قبل ان يحدث كل هذا سافصل رأسي عن جسدي  ، انت ايها الرأس اللعين انت سبب تعاستي فقد جئت في المكان الخاطئ ، لا احد ينتبه اليك ولا احد يعيرك اهتماما .  انا لست بحاجة اليك  سافصلك عن جسدي لارتاح منك . ( يتجه صوب المشنقة يضع الحبل برأسه  ) . انت ايتها المشنقة اقطعي هذا الرأس اللعين وليذهب كلا منا الى حال سبيله ، ( يمسك رأسه ) لماذا انت خائف ومرعوب ؟!  لا تخف ايها الرأس ستعيش سعيدا بدوني !  فلطالما كنتُ سبب تعاستك . ما تحتاجه انت الى جسد قوي يلبي رغباتك وها انا قد اصابتني الشيخوخة والعجز  يدب في مفاصلي وانت تتحرك مثل الريح العاصفة لا تهدئ ابدأ . يبدو اني عاجز عن صعود هذه الخشبة لافصل راسي اللعين .

( يتوجه صوب المقصلة ) انت ايتها الالة الرحيمة ، انها اختراع جميل ان تتخلص من هذه الحياة البائسة بضغطة زر واحدة ، بضغطة زر ينزل هذه المقصلة وتفصل ذلك الراس عن هذا الجسد وسينعم كلانا بالراحة الابدية . اه يا الهي ان ارتعش ولا اكاد اقوى على وضع راسي في داخل هذه المقصلة ، كم انا خائف ومرعوب .

 (يتوجه صوب برميل الديناميت ثم يطرق مفكرا  ) : ساصنع حيلة لنفسي سادخن سيجارة وعندما اشعل عود الثقاب سينفجر هذا البرميل ساموت وبيدي سيجارتي والنيكوتين يداعب صدري وساتخلص من رأسي اللعين هذا ... ويشعل عود ثقاب ينظر اليه ويطفئها . لا لا استطيع ، لا املك الشجاعة . أنت ايها الراس ، حانت الان ساعة حسابك ، فلطالما حملتك فوق كتفي تعلو شامخا ، وها هو جسمي قد بدأ يضعف ولا يقوى على حملك وحمل نفسي سنواتك قد تعدت النصف قرن وانا وانت نعيش بهذا الصندوق المتحرك ، طحنتنا الحروب واَكَلنَا الحصار وسلمنا الحصار الى حرب المفخخات ، ماذا تنتظر بعد كل هذا الظيم ، ساقطعك بيدي واتخلص منك اغرب عني ايها الرأس ولتذهب انت وافكارك الى الجحيم ( يحاول ان يقطع راسه بيده ، تدخل فرقة الاشباح تساعده على اقتلاع رأسه فيقلع رأسه وهنا تنشطر شخصية الحالم الى رأس وجسد وبنفس الصوت احدهما قرار والاخر جواب ، يركض الجسد بلا رأس حول المسرح وهو فرح لانه تخلص من راسه )

الجسد :  لقد فعلتها ، لقد فعلتها ، لقد نجحت وتخلصت من رأسي .

الرأس : انت أيها الجسد المتعب ، لِمَ فعلتها ؟! ، لماذا تخليت عني ؟! .

الجسد : لأني لم اعد بحاجةٍ اليك ، فما حاجتي الى التفكير العقيم الذي لا ينجب واقعا جميلا ، ما حاجتي الى العقل وانا ارى اموري تتدهور ، لم يعد بإمكانك تغيير واقعك .

الراس : انت من لا يملك الارادة في التغيير .

الجسد : وهل انا الا أنت ! ( يقولها بانفعال )  ، أنت ، أنت من يخطط ويدبر وما انا الا طوع امرك .

الراس : أسمع ايها الجسد المتهالك ، أنت تعيش في كابوس ، انك تحلم .

الجسد : الكابوس اجمل من الواقع ، فالواقع كابوس كبير لم ينته ابدا ، حروب ودمار وفساد وتخلف ، اسمعني ايها الراس ( يتحدث بهدوء ) لنتحدث كصديقين فقد عشنا زمنا طويلا في هذا الصندوق الذي احتوانا انا وانت .

الراس : ليس هناك كلام بيننا .

الجسد : ستسمعني فلم يعد بامكانك ان تتحكم بي ، فهذه اليد قالت كلمتها وبطشت بك ( يمسك الراس ) اسمع ايها الراس قضيت عمري وانا احملك فوق كتفي وها انا قد كبرت و صرتُ عاجزا عن حمل جسدي وحملك ، قدماي متعبتان لا تقويان على المسير وانت تنمو وتنمو وتطالبني بالكثير ، انت تحتاج الى جسد ِ شاب يلبي طموحاتك ويحقق امنياتك .

الراس : كل ذلك لا يبرر فعلتك هذه .

الجسد : ( متباكيا ) فعلتي ، فعلتي هل انت احمق ؟! لقد بتنا نبيع اجزاءا من اجسادنا على ابواب المستشفيات وما منا اكلته الحروب ونخره الزمان .

الراس : ستندم ايها الجسد .

الجسد : لا لن اندم ، فما حاجتي اليك ، وهذه البقعة من الارض متوقفة عن الدوران ولا تستوعب الافكار ، فهي تعيش على الافكار الجاهزة ، لم يكُ لنا يد في حركة الكون ، عقارب ساعتنا تعود الى الوراء وسنصطدم ذات يوم بالعصور الحجرية .

الراس : وهل ستتخلى عن عينيك ولسانك واذنيك ؟!

الجسد : وما حاجتي الى اللسان ان كان يملى عليٓ كل ما اقول وكل ما اردد ، وما حاجتي الى العينين وانا لا ارى فيهما الا آثار الدمار ومخلفات الحروب واكوام النفايات التي تملأ الشوارع وصور البؤس والشقاء على ارصفة الطرقات ، وما حاجتي الى الاذنين وانا لا اسمع بهما الا ضجيج وعويل وصراخ وانين ليس من حقي ان استمع لصوت العندليب وغناء الكروان ، لا احتاج الى الاذنين ام لم استمع لفيروز تغني زعلي طوول انا وياك وسنين بقيت فكر فيهن انا انساك ما قدرت انسيك او عند الظهيرة استمع لصوت ياس يغني ولك ياريل لا تجعر اخاف اتفزز السمرة وارد للناصرية ردود مخنوگ بالف عبرة ، او استمع بالليل لصوت ام كلثوم تغني بعيدة حياتي عذاب متبعدنيش بعيدة عنك .

الراس : انت احمق

الجسد : ( يضحك ) بل انت احمق ، وهل الحماقة الا بالرأس ؟ ، وهل سمعت ذات يوم عن جسد احمق .

الراس : لا استغرب فعلتكَ هذه ما دمتَ محبوسا في كتب التاريخ ومشاهد القتل والدمار ، فقطع الرؤوس عادة عربية قديمة ، طالما افتخرت بها كتب التاريخ والملاحم والسير و تباهت به اشعار  العرب ، اذهب فأنا من سيتخلى عنك ( يختفي  الرأس ) .

الجسد : أذهب انت وافكارك الى الجحيم ساقتني راسا اخر ، وانت اذهب الى جسد اخر يحتملك (  يلتفت يمينا وشمالا ) اين انت ؟! ، لِم لا تجيب ، اين انت كنت امزح معك ، ارجوك عُد الي ، اين انت ؟! لا تتخلى عني .

الرأس : ( بسخرية )  انا هنا ، اني اراك ، هههههه شكلك يبدو اجمل وانت بدوني ؟!

الجسد : أين انت ، هل تسخر مني ؟ عد الى مكانِك ، عُد الي يا صاحبي . كُن على كتفي

الرأس : مستحيل ، لن اعود اليك ، هذه فرصتي لانتقم منك ايها الجسد المتعب ، طالما كنت احلم واحلم واحلم وانت منهك القوى لا تستطيع الحراك الغيتني افنيتني لم يك لي دورا معك  ولم تسعَ لتحقيق ما يدور بداخلي ، انا وانت لسنا على وفاق ، لا تحرك ساكنا ، تبحث عن الراحة فلتسريح اذن .

الجسد : انت من افنيتني واتعبتني وكنت تنتظر الفرج لتغيير مسار حياتك . انت السبب انت من يرسم الطريق و يخطط  فما انا الاداة طوع امرك اسير على هواك .

الرأس : لم اقصر معك ، كنت دائم التفكير لمستقبل افضل ، لكنك منهك ومتعب ولا تقوى على الحراك عاجز عن تنفيذ ما يدور بداخلي وكانك تعيش بوادٍ وانا بواد أخر . اذهب الى فراشك واسترح مارس هوايتك المفضلة .

الجسد : هل هذا وقت مزاح عد الي قبل ان يتوقف نبض قلبي ، عد كي يتوقف نزيف الدم من جسدي .

الراس : انت لا تحتاج الى راس يدبر امرك لا تحتاج الى عقل لتهدي به تسير كالاعمى ، فما حاجتك الي اتركني وشأني دعني استريح منك وانت تخلد الى نومك الى سباتك العميق الذي تهواه .

الجسد : ايها الرأس عد الى كتفي فهذا ليس وقت مزاح .

الراس : الم تك قبل قليل مستعدا لبيعي .

هو : ماذا تفعل ارجوك عد الي كُن على كتفي لماذا ادفع الثمن انا دائما ،  في لعبة الحرب يطيح رأسي وفي لعبة المال ابيع رأسي وحين اهاجر يأكل السمك رأسي .

الرأس : اذن لا تقل بأنك متعب ومنهك القوى قم معي وتحرك نحاول التغيير .

الجسد : من اين آتي بالقوة وقد اكلت الحرب والحصار وهذه الاوضاع خلايا جسدي . اسمع ايها الرأس وعليك ان تفهم انك في الوقت الذي تنمو وتنمو وتصل الى درجة الارتقاء يأخذ جسمي بالانحدار وتلك معادلة لم تنتبه اليها كل الحكومات ما نحتاجه ان نرتقي معا . انا وانت كنا لعبة مرة بيد الحكام يتقاذفوننا تارة هنا وتارة هناك . كن على كتفي لنبدأ من جديد نعمل سوية معا .

الرأس : حسنا سأعود اليك شريطة ان تنهض لتحقق احلامك ولا تتكل على غيرك بتغيير واقع حياتك ابدأ من نفسك .

(تدخل فرقة الكوابيس تقودهم الكابوس الاكبر وبنفس حركات المشهد الاول تخرج الديكور عدا السرير )

. (ينهض ) لا لا لا رأسي رأسي اين انت يا رأسي كُن على كتفي ، عُد الي ( يتلمس راسه ) الحمد لله ، الحمد لله ، راسي على كتفي ، ما لهذه الكوابيس تلاحقني ، انها تعكس واقعي .

ما احتاجه هو بقعة ضوء هنا وهنا وهنا وهنا وهنا ( يتجول بالمسرح ويشتعل انارة هنا وهنا وهنا ) ( تطرق الباب ) لازال هناك ثمة امل في ان نبدد الظلام ونتخلص من الكوابيس .

المزيد من الثقافة والفنون

آخر التعليقات