هل تسهم القافية في الكشف عن نسبة ثقافة الشاعر؟

نشر فى : الخميس 10-08-2017 - عدد القراءات : 36

كتب: عدنان البلداوي ......
لا بد ان يسهم نتاج الشاعر في ديوانه أو في غير ديوانه بالإضافة الى النشاطات الكتابية الأخرى ان وجدت، في إعطاء صورة ما عن نسبة ثقافته، ومدى قدرته على توظيف مالديه من موفور ثقافي لخدمة الموهبة والطبع والشاعرية، ولأن القافية ذلك الصوت الموسيقي الأخيرفي البيت الشعري، تبقى معيارا تقويميا منصفا لجانب او أكثر في حياة الشاعر الثقافية، نظرا لأهميتها وما تتطلبه من مستلزمات نحوية وبلاغية ولغوية مطابقة لمقتضى الحال، لكي تؤدي التوازن الصوتي والمعنوي في البيت ثم في القصيدة، فإذا توافرت تلك المستلزمات كما ينبغي، فيعني ذلك ان الشاعر الذي خلقها لايخلو من توافر الجوانب الثقافية الآتية:

1- رصيد لغوي يتمثل بمفردات ومصطلحات مؤهلة للاستخدام في أي وقت يحين فيه ولادة صورة شعرية في مخيلته، ويكون فضل وجود هذا الرصيد هو الحفاظ على حيوية أجواء الصورة من خلال تحقيق التجسيد المطلوب بالمفردة المطلوبة.

2- خبرة نفسية تؤهله لفهم العواطف المشتركة بين الناس، ترافقها خبرة الصياغة اللفظية والمعنوية المناسبة لتلك العواطف، بغية إثارة أكبر عدد من القراء والسامعين، وبعث اللذة فيهم من أول البيت حتى آخر حرف من حروف القافية، يقول كولدرج (ليست القصيدة التي منحتنا أكبر مقدار من اللذة وإنما هي القصيدة التي تعطينا اكبر مقدار من اللذة حينما نعود الى قراءتها).

3- خبرة إيقاعية تذكره دائما بأن رفيف صدى القافية في الأذن يمتد أكثر من بقية الكلمات في البيت، لوقوع تلك القافية وما فيها من رويّ في آخر الكلام، وهذا يعني انه مطالب بحكم خبرته الموسيقية هذه ان يضع القافية في مكانها، وهذا يحتاج منه الى تعبئة لغوية متنوعة، وإلمام واسع بصوت كل حرف من الحروف، متفرقة ومجتمعة.

4- قدرة على التعامل مع الحواس بالكلمات المنتقاة، لأن الكلمات المختارة اختيارا موفقا ومنها القافية بالذات ستؤدي دورا فاعلا وملموسا في عملية التعامل مع الحواس، فهو وان كان دورا ذا مهام كثيرة تتوزع بين تحقيق الإيقاع الصوتي والإيقاع الفكري من جهة أخرى، فان الكلمات المختارة مهما تباين دورها (لابد ان تعني شيئا بالنسبة لنا لأنها مقترنة بأفكار موجودة مسبقا في أذهاننا).

ولما كانت مهمة الاختيار تحتاج الى قابلية غير مصطنعة، فهذا يعني ان الشاعر الذي يستطيع (ان يوقظ في مخيلة القارئ فهما له ارتباط مباشر وسريع بالحواس) سواء بطريقة ابتكاره للتشبيه او بقدرته على الربط والاستنتاج او بابتعاده عن الكلمات الثقيلة رغم ما يحمل ثقلها من معان مغرية هو الشاعر المجهز بثقافة تخضع لها القافية وغيرها..

صحيح ان استحضار الفكرة والموضوع واللفظ والمعنى والتفعيلات مع وحدة الروي في القافية، من الأمور التي لاتتيسر لكل شاعر، لأنها من المستلزمات الرئيسة للإبداع، فهناك عشرات الشعراء الذين اعتلجت في صدورهم العواطف وقطعت سلسلة أفكارهم، فقدموا صورا شعرية تفتقر الى كثير من عناصر الإثارة، لأنهم يفتقرون الى رصيد لغوي يمدهم حين الطلب بالقافية الملائمة، ولأن الصورة الشعرية عندما تبلغ درجة النضوج في مخيلة الشاعر ساعة ولادتها، تحتاج الى مفردات مناسبة ترسمها على الورق لكي تحافظ على طزاجتها ودفئها، ولم يأت ذلك الاهتمام لغرض التفنن في توزيع الألوان فحسب، بل لأن الصورة الشعرية كما قال سي-دي-لويس هي (وسيلة لإزالة التوتر الشديد في الحياة، وهي انسحاب عن الحقيقة من أجل التفاعل الأفضل معها، ولذلك فإن كل صورة ناجحة هي علاقة لقاء مع الحقيقة..).

وهذا يعني ان يتجنب الشاعر أي تعيير من شأنه ان يعتم او يقطع استكمال المطلوب، فنحن قد نحس بأوليات المتعة قبل ان نصل الى القافية، فإذا وصلنا اليها وهي خاوية شعرنا بانقطاع الوتر الموسيقي الذي بدأت ذبذباته تتصل بين القلب والأذن، لتؤدي عملها في إزالة التوتر وتحقيق المتعة الكاملة، لذلك كان النقاد على صواب عندما قالوا (إن حظ جودة القافية وان كانت كلمة واحدة أرفع من حظ سائر البيت).

ولعل الذين عرفوا أسرار القافية هم الذين نردد أشعارهم الآن بمتعة متميزة، وحتى الذين التهموا ماخلفه المبدعون قبلهم ثم ألقوا به الينا شرابا سائغا فيه عطر التراث ورحيق المعاصرة على ان لايكون فيه تصنع او تكلف يحوله الى تقليد لاحركة فيه ولاحياة .

ان تتابع الموجات الصوتية الموسيقية من اول كلمة في البيت الى آخر حرف في القافية مع عدم إخفاء متطلبات الصورة الشعرية من ألوان لفظية منسجمة، يعني أن نظاما معينا قد اعتاد عليه ذهن الشاعر، وفكرا منسّقا مع وضوح الرؤية وقوة التجربة وغيرذلك مما يجود به الخزين الثقافي الذي تسهم القافية في الإفصاح عن طبيعة ومدى تأثيره.

ان القافية بقدر ما هي إحدى عوامل تقدير او تقويم ثقافة الشاعر فهي أيضا إحدى مقاييس درجة ذكائه، لأن من تعاريف الذكاء هو القدرة على وضع الشئ في محله المناسب، وهو قدرة المرء على استعمال المفاهيم والرموز المجردة في حقل التفكير النظري بصورة فاعلة ولدى معالجة المواقف والوضعيات الجديدة، وهو كما عرفه (بينيه) بـ (القدرة على التكيف لغرض الحصول على هدف مطلوب وعلى قوة النقد الذاتي) .

ان كثيرا من المفردات التي استخدمها المتنبي مثلا لدليل أكيد على قوة ذكائه، ليس في قوافيه فحسب، بل في سائر البيت وعموم القصيدة، ومن الطبيعي ان وراء ذلك ثقافات متنوعة اجتماعية ولغوية وأدبية وصوتية ومعنوية وفلسفية ونفسية، تهيأ لها ان تتحد لخدمة الموهبة والطبع..

ويلتقي مع المتنبي في هذه الوفرة العلمية شعراء آخرون كالشريف الرضي مثلا وهو الشاعر الذي جاءت لغته الشعرية (متراوحة بين المثالي والواقعي وبين التجريدي والحسي). حتى ان الدارس الذي يريد اكتشاف مواهبه وثقافته يستطيع ان يتخذ من تلك القوافي دليلا يستكمل به ما لديه من معلومات، ولعل تباين درجة الامتياز بين الشعراء آت من اتفاق وافتراق هذه الثقافات، فنصيب أبي تمام من هذه الثقافات على سبيل المثال ليس فيه قصور، ولكن اجتماع بعضها وعدم حضور البعض الآخر سواء أكان ذلك بإرادة الشاعر أم بعدم سيطرته على تنظيم قوى تلك القدرات، قد يوهم القارئ بافتقار الشاعر الى الجانب الثقافي الغائب الذي لم يظهر له دور في ثنايا قسم من قصائده أو في بنية كثير من قوافيه، ولهذا كان (لشعر أبي تمام وجهان متناقضان يتفاوتان تفاوتا شاسعا من إهمال وعناية..) فغوصه على المعاني وبحثه عن المحسنات البديعية قد صرفه عن العناية بموسيقى الشعر، وهذا ما ابعد كثيرا من المتحمسين –لعزف الألفاظ – صوب البحتري الذي صرف عناية فائقة لموسيقى شعره ..

هذه أمثلة موجزة لبعض الشعراء الذين تتوافر في قصائدهم عينات متنوعة للقوافي التي يمكن من خلالها تقدير او تقيييم او تقويم جانب او اكثر من ثقافاتهم وقدراتهم على توظيف هذه الثقافة، وقد سبقهم وجاء بعدهم من هو نظير لقدراتهم او على مقربة من ذلك، ومهما اختلفت مضامين القصيدة وتعددت أغراضها في مختلف العصور الأدبية فان (القافية المتمكنة تكون في البيت كالشيء الموعود به المنتظر، يتشوفها المعني ويتطلع اليها)، وهذا ما يؤكد علاقة التمكن بالمستوى الثقافي للشاعر، اما بعض الشعراء الذين رغبوا عن الثقافة، فان قدراتهم على توزيع الحروف موسيقيا في الكلمة ووضع الكلمة في الجملة ومنح الصورة الشعرية حركة وحياة وطزاجة وتجربة ومعاناة، من الأمور التي يقررها العمق الثقافي ايضا وان كانت نسبة التقرير هذه لاتصل الى نسبة ما تقررها القافية كمؤشر حساس تتصل جذوره بالموهبة واللغة والثقافة والقدرة على التوظيف.

المزيد من الثقافة والفنون

آخر التعليقات