بنيةُ القصيدةِ التقليديَّـة⁽*⁾

نشر فى : الخميس 03-08-2017 - عدد القراءات : 263

كتب: ا.د.عبد الرضا علي .........

إلى الأستاذ الدكتور حسام الخطيب
 تفرض علينا أساليبُ كتابةِ الإبداع بالنظمِ أن نُنبِّهَ إلى أن تلك الأشكالَ قد تعدَّدتْ تنوّعاً، بحيث لم تكتفِ تلك الأساليب بتنوعِ الأشكال حسب، إنما تعدّتْ ذلك إلى تعدُّدِ  أشكالِ الرؤية متمثلةً في فلسفةِ النصِّ، وأفكارهِ، ومضامينهِ، أي لم يعد النَصُّ شكلاً واحداً (وإن اختلفت أوزانه) كما هو الحال في شعرِنا القديم، بل أضحى النصُّ الشعريُّ أكثرَ قدرةً على إقناعِ القارئِ بضرورةِ فهمهِ شكلاً ومضموناً، قبل نمطيةِ النوع الذي ينتمي إليه . لذا صار لزاماً علينا ونحنُ نتوجهُ إلى قارِئنا بهذا الزاد الثقافيِّ أن نُعنى سوية ً بهذه الأنواع: اصطلاحاً وبنيةً، وسيجدُ المتلقِّي ذلك ميسوراً حين يقفُ على تلك الأنماطِ واحداً بعد الآخر، سواء أكان ذلك في هذه الدراسة، أم في المظانِّ الأخرى التي يلجأ إليها استئناساً، أم ترصيناً للمعرفةِ التي يتوخاها، ويمكنُ تلخيصُ أشكالِ الإبداعِ نظماً بالأتي:

1-     الشكلُ التقليديُّ: ونعني به الأسلوبَ القديمَ الذي اصطلح عليه بـ(الشعر العمودي) أو شعر الشطرين .

2-     الشكلُ التوشيحيُّ: ونعني به أسلوبَ الموشحِ الذي أبتدِعَ في الأندلس، وشاعَ بعد ذلك في بقيّةِ الأمصار، والعوالم، والأقطار العربية .

3-  الشكلُ التفعيليُّ: ونعني به أسلوبَ قصيدة (الشعر الحر)  تجوّزاً.

4-     الشكلُ النثريُّ: ونعني به أساليبَ الكتاباتِ الشعريةِّ الجديدة (وإن تعددت مسميّاتها) كـ (قصائد النثر المركز)  أو (النثر الشعري) أو (قصيدة النثر) السائدة الآن.

ولّما كان كلُّ شكلٍ من تلك الأشكالِ يحتاجُ إلى وقفةٍ خاصة تعالجُ بنيتَهُ أداءً، وتوصيلاً فإنَّ هذه الدراسةَ ستحاولُ تأصيلَ القول في بنية القصيدة التقليدية ليس غير، على أن يتمَّ الوقوفُ بعدئذٍ على كلِّ بنية حريّةٍ بالدراسةِ إذا ما اقتضت ضروراتُ المنهجِ في أوراقٍ أخرى .

*******

المقصودُ بالقصيدةِ التقليديَّةِ (كما ألمعنا) أسلوب النظم القديم، أي أُسلوبُ الشطرينِ، ولهذا الأسلوبِ بنيةٌ لها أُسُسها، وتقعيداتُها، وتقنيتُها الفنّيّة، وسنحاولُ إيجازَ القولِ في أهمِّ تلك الأسس كما وردت في منطلقات نقادِنا القدامى، وما أُضيفَ إليها بعدئذٍ من منطلقاتٍ نقديَّـةٍ حديثةٍ أوضحت ما كان خافياً وراء منطلقاتِ القدامى .

 عرَّفَ القدماءُ الشعرَ أنه (الكلامُ الموزونُ المقفّى الذي يدلُّ على معنىً)، وهو تعريفٌ، وإنْ كان لا يرقى إلى القبولِ الآن (لأن الشعر ليس الوزن والتقفية والمعنى،  إنما هو رؤيا، أو نبوءةٌ تعيشُ في أعماقِ الشاعرِ، ولها علاقاتٌ متشابكةٌ يرتبطُ فيها الإلهامُ بوعي، أو لاوعي منتجِها في حالةٍ أشبه ما تكون بأحلامِ اليَقَظةِ التي ترقى لأنْ تكونَ وجهاً من أوجهِ الوجود) إلا أننا ملزمون به، لأنه معيارٌ نقديٌّ من وجهةِ نظرهم في تشكيلِ بنيةِ القصيدةِ التقليدية.

 ومعنى تعريفهم أنَّ النصَّ الشعريَّ لابدَّ أن يكون أولاً جارياً من ناحية الموسيقى على وزنٍ معيّنٍ من أوزانِ الشعر الخليليّة (نسبةً إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي 100 ـ 175هـ) الستة عشر؛ فلا تخرجُ القصيدة عن الوزنِ المختارِ إلى ما سواه أبداً، فإنْ كانت من الطويلِ فلابدَّ أنْ تكونَ على تشكيلٍ واحدٍ من تشكيلاتهِ الثلاثةِ بحسب ما وردَ في عروضهِ وضربه من تغيير، حتى إنْ كان في الضرب أو العروض .

وتشكيلاتُ الطويلِ الصحيح هي:

1 ـ الطويل الصحيح: وهو ما كانت عروضه مقبوضةً (مفاعلن)،وضربها سالماً (مفاعيلُن) ووزنه:

فعُولُنْ مفاعيلُنْ فعُولُنْ مفاعِلُنْ      فعُولُنْ مفاعيلُنْ فعُولُنْ  مفاعيلُنْ

ومن أمثلته قول المتنبّي:

وما الخوف إلاّ ما تخوّفه الفتى     وما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنْا⁽¹⁾

2 ـ الطويلُ المقبوض: وهو ماكانت عروضه مقبوضةً (مفاعلن)  وضربه مقبوضاً مثلها،  ووزنه:

فعُولُنْ مفاعيلُنْ فعُولُنْ مفاعِلُنْ      فعُولُنْ مفاعيلُنْ فعُولُنْ مفاعِلُنْ           

  كما في قوله أيضا:

كفى بك داءً أنْ ترى الموتَ شافياً    وحسبُ المنايا أن يكُنَّ أمانيا⁽²⁾

3 ـ الطويلُ المحذوفُ: وهو ما كانت عروضُهُ مقبوضةً (مفاعلن) وضربُهُ محذوفا ً(مفاعي) وتحوّلُ إلى (فعولن) المساويةِ له في الحركات والسكنات،  ووزنه:

فعُولُنْ مفاعيلُنْ فعُولُنْ مفاعِلُنْ     فعُولُنْ مفاعيلُنْ فعُولُنْ فعُولُنْ

كقول الحسين بن منصور الحلاج:

كتبتُ ولم أكتبْ إليكَ  وإنّما     كتبتُ إلى روحي بغيرِ كتابِ⁽³⁾

فإذا اختارَ الشاعرُ تشكيلاً من هذه التشكيلاتِ، فعليه أنْ يلتزمَ به في القصيدة برمّتها، لا يخرج عنها إلى تشكيل آخر، فضلا ًعن وجوبِ التزامِ البحر الواحد من غير الانتقال إلى ما سواه (وهكذا في بقيّة البحور) ولذلك يقولون عن بحور القصائد (مثلاً): هذه من الطويلِ، وتلك من الكامل، وغيرها من الرملِ أو من الوافر .... الخ.

 أما التّقفيةُ فهي شرطُهم الثاني الذي يجبُ أن يلتزمَ بها الشاعرُ، فلا ينتقلُ من قافيةٍ إلى ما سواها حتى نهايةِ النصِّ الشعريّ (في القوافي المفردة وهي في الأعم الأغلب).

 ولتوضيح ذلك نقول: إنَّ القافيةَ هي مجموعةٌ من أصواتٍ تكوّنُ مقطعاً موسيقيّاً يرتكزُ عليه الشاعرُ في البيت الأول، فيكررُه في نهاية أبيات القصيدةِ كلِّها مهما كان عددُها (في القوافي المفردة)، أو أن يكونَ المقطعُ الموسيقيُّ الصوتيُّ مزدوجاً بين صدرهِ وعجزه(كما في القوافي المزدوجة، وهي في الأقل الأضيق).

فمن القوافي المفردة قول المتنبي:

الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ     هو أوّلٌ وهـيَ المحِلُّ الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفـسٍ حرّةٍ      بلغتْ مـن العلياءِ كلَّ مكانِ

ولربَّما طعّنَ الفـتى أقرانَهُ      بالـرأي قبلَ تطاعنِ الأقرانِ

لولا العقولُ لكان أدنى ضَيغمٍ     أدنى إلى شرفٍ من الإنسانِ⁽⁴⁾

 إذْ ترى أن الشاعر وقف في البيت الأول متّخذاً مركزاً صوتيّاً كرره في بقيّة أبيات القصيدة.

 ومن القوافي المزدوجة قول أبي العتاهية:

حـسبُكَ ممَّا تبتغيهِ القـوتُ      ما أكثرَ القـوتَ لمنْ يمـوتُ

الفقرٌ فيـما جاوزَ الكفافـا        مَـن ابتغى اللهَ  رجا وخافـا

هي المقاديرُ فلُمْني أو فذرْ     إنْ كنتُ أخطأتُ فما أخطا القدرْ

لكلِّ ما يؤذي وإنْ قلَّ ألمْ       ما أطولَ الليلَ على من لم ينمْ⁽⁵⁾

فقد جعلَ الشاعر المقطع الصوتي⁽⁶⁾ مزدوجاً في البيت الواحد، بين نهاية صدره، ونهايةِ عَجُزهِ، ولم يكرِّرْه في بقيّة الأبيات، إنما غيّره حين انتقلَ إلى غيره، وهكذا في بقيةِ الأبيات، لذلك سميّتْ بالـ مزدوجة .

 وقد اختلف العروضيون في تحديدِ الأصواتِ التي تكوّنُ القافيةَ، فذهبَ الأخفشُ إلى (أن القافية آخرُ كلمة في البيت)⁽⁷⁾، وكان رأيُ قطرب أنها (حرف الروي)⁽⁸⁾، في حين عدَّها آخرون (البيت المفرد)⁽⁹⁾ مع أن بعضاً آخر جعلها القصيدة برمّتها⁽¹⁰⁾.

  لكنّ الرأيَ السائدَ عند القدامى هو رأيُ الخليل، وهو ما نُلزمُ أنفسَنا به دون بقيةِ التعريفات، فالقافية عنده (ما بين آخر حرف من البيت إلى أولِ ساكنٍ يليه، مع الساكن الذي قبل المتحرك)⁽¹¹⁾.

 ففي قول المتنبي:

  يا أعدلّ الناسِ إلا في محاكمتي     فيكَ الخصامُ وأنتَ الخصمُ والحكمُ⁽¹²⁾

 تكون القافية على رأي الخليل (الواو، واللام، والحاء، والكاف، والميم، والواو) أي هي: (ولحكمُو)  بعد إشباعِ حركة الميم .

  ومما يلحق ببنية القافية حرف(الرويّ) وهو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة، ويلزم تكرارُه في كلِّ بيتٍ منها في موضع  واحدٍ، وهو نهايته، وإليه تنسبُ القصيدة فيقال: لاميّة، أو ميميّة، أو نونيّة، وغير ذلك مثل قول البردّوني:

  كان الدّجى يمتطي وجهي ويرتحلُ    وكنتُ في أغنياتِ الصمت أغتسلُ

 كان الدجى يخلعُ المسرى ويلبسني    وكنتُ ألبسُ أنقاضـــي وانتعلُ

وكان يبحثُ في الغيماتِ عن دمِهِ      وكانت الأرضُ عن رجليَّ تنفصلُ

 وكنت أسردُ عن (بلقيسَ) أغنيةً    مدادُ من كتبوها العطرُ والعسَلُ⁽¹³⁾

فاللام، هو حرف الرويّ، وقد التزمَهُ الشاعرُ في نهاية الأبيات كلها.

 والروي إذا كان متحركاً كما في المقطعِ السابق من شعرِ البردّوني يُسمّى (مطلقاً) أما إذا كان ساكناً فهو(المقيّد)، كما في قول عبد العزيز المقالح:

يوماً تغنّى في منافينا القدرْ     (لا بد من صنعا وإن طالَ السفرْ)

 لا بدَّ منها ... حبّنا أشواقُها      تدوي حوالينا: إلى أيـن المفر ؟

إنَّا حملنا حزنَهـا وجراحَها      تحتَ الجفونِ فأورقتْ وزكى الثمرْ

وبكل مقهى قد شرِبنا دمعَها     الله ما أحلى الدموعَ وما أمرْ⁽¹⁴⁾

فالراء، هو حرف الروّي، وقد التزمه الشاعرُ في نهايةِ الأبيات كلِّها لكنه قيّدهُ بالسكون .

 أما المعنى فهو شرطُهم الثالث ؛ والمقصودُ بالمعنى: الأفكارُ، أو فلسفةُ النّص، أو المغزى الذي يلوِّحُ به الأثرُ، أو المدلولُ العقليُّ الذي يريد النّصُّ إبلاغه، وهذا هو  المقصود بالمعنى عند القدامى، وإنْ كانوا قد جعلوه قسيماً (للفظ) وأسموه بـ (لمعنى)  ليس غير⁽¹⁵⁾ .

 ولتقريب ما ألمعنا إليه نقرأُ المقطعَ الشعريَّ التالي للشهيد محمد محمود الزبيري، وهو شاعرٌ يُعنى بالبنيةِ التقليديةِ أسلوباً في الأداء:

وطني أنت نفحةُ اللهِ ما تبْ         رحُ لاعن قلبي ولاعن لساني

صنعَّ اللهُ منكَ طينةَ قلبي            وبرى من شذاكَ روحَ بياني⁽¹⁶⁾

هاكَ ما قد صهرتُهُ لك في دم      عي وما قد صهرتُه في جناني

شعلةُ القلبِ لو أذيعتْ لقالوا:      مرّ عبرَ الأثيرِ نصلُ يماني

فالفكرة في هذا المقطعِ شديدةُ الوضوحِ، لا لبسَ فيها ولا غموض، وتتجلّى في حبِّ الشاعر لوطنه (اليمن) على نحو من الاكتواءِ واللوعةِ والتقديس، حتى لتبدو التجربةُ قد تلبّست الشاعر، أو تلبَّسها هو، فأثارت طاقتُها الإيحائية المتلقّيَ ـ أيَاً كان وطنه ـ فجعلته يعيشُ العاطفةَ مع المبدعِ بأحاسيسه، وعنفوانِ محبّتهِ،  وصدقِ تعبيراته، وجمالِ تنويعاته. فهو يرى وطنه من خلالِ رؤيتهِ لحياته، وتتجلى هذه الرؤيةُ بعلاقةِ الشاعر الروحيّةِ به، فوطنُه نسمةٌ طيّبةٌ من نسمات الخالق تبارك وتعالى، انتشر ضوعُها، وثبت حتى لازمه حياةً، فكانت في كلِّ خفقةٍ من خفقات قلبهِ المولَّهِ، وفي كلِّ مفردةٍ ينطق بها لسانُهُ الشاعرُ، حتى ليحسبَ الله جلّتْ قدرته قد أسبغ عليه نعمةَ هذا الحبِّ أنْ صنع قلبَه من ترابِ وطنه عينِه، ليظلا معاً مشدودين دائماً، ثم أضفى عليه نعمةً أخرى بأنْ نحت قلم شاعريّته الروحي بعبيرِ رائحةِ ذلك التراب العبق (كناية عن الشاعريّة) فما كان من الشاعر إلا أن قدّمَ لوطَّنه أطهرَ وأعظم ما يملك، وهو الحبُّ المدافُ بالدمعِ تارةً، والمنصهر بالقلبِ المكتويّ تارةً أخرى(كنايةً عن الشاعر) وهو يعلنُ مفتخراً أنّ تلك الشعلةَ تتوقدُ في داخلهِ وقد استوطنتْ قلبه منزلاً، وحينَ يتسنّى لها الانطلاق نغماً (كناية أخرى عن شعره) لن يتردَّدَ في توكيد يمانيتها، فمن ذا أكثر من اليمانيّ حبّاً لأرضه ؟!.

وتتنوّع الأفكار والمضامين تبعاً لنوع التجربةِ التي يعيشها الشاعر، فإنْ كانت التجربةُ حزينةً، فإنَّ النصَّ سيعيشها، ويلّح على ذكرها، وإنْ كانت مفرحةً، فإنَّ النصَّ سيشدو بأفراحِها وبهجتها.وهكذا. .

ولتوكيد ما ألمعنا إليه نقرأ المطلعَ الآتي من قصيدة البردّوني (آخرالموت)، وهو مستهلُّ القصيدة:

ليس بيني وبينَ شيءٍ قرابةْ     عالمي غُربةٌ زماني غرابةْ

ربما جئتُ قبلَ، أو بعدَ وقتي      أو أتتْ عنهُ فترةٌ بالنيابةْ ⁽¹⁷⁾

 فالفكرة في هذا "المستهل" تجابه القارئ مباشرة بغربة بطل القصيدة الرّوحيّة، وتعلن صراحة من غير تمحُّلٍ عن الألمِ الممضِّ، والحزنِ العميق الذي يعيشه ذلك البطل نتيجة تلك الغربة التي تكتنف روحه وعوالمه الداخليّة؛ فقد أنقطعت سبلُ الالتقاء بين روحه، وعالمه على نحوٍ أوصلها إلى طريق اللاعودة، فكان أن ترك أعماقه تعلن عن عزلتها، ووحدتها عن كلِّ ما يحيط بها ؛ فلا صلة لهذه الأعماق بأحد، ولا قرابة تلجأ إليها في أفراحها، أو أتراحِها، لأنَّ كلَّ شيءٍ في دنيا هذه الأعماق بات غريباً عنها، حتى الزمان الذي تعيشه لم تجده زمانها، فشكّكتْ في واقعِها الغريب هذا على نحوِ جعلها تستفهم إن كانت قد خُلقتْ لزمن مضى وانتهى، فوجدتْ نفسها غريبةً عن عالم الحاضر الجديد ؟، أو أنها خُلقت لزمنٍ لم يحن وقتُ خلقه بعد، فرأت انقطاعها عن هذا الزمن الذي تعيش فيه ؟.

 إذاً فمغزى النصّ هو الغربةُ الروحيةُ، والألمُ الدفينُ الذي يعاني منه بطلُ النصِّ في أحوالٍ حيوية، ونفسيةٍ خاصّة.

  ومما يشكلُ بنيةَ القصيدةِ التقليديةِ أيضاً (غير الإيقاع والقافية والمعنى) اللغة، واللغةُ أسمى أدواتِ تشكيلِ النصّ، والعنايةُ بها ومعرفةُ دقائقها ودورها في الأداء والتعبير يحصّنُ النّصَّ من الوقوع في دائرةِ النبوِّ التي تزري به.

 فالقصيدةُ يجب أن تنأى عن التركيز اللغوي المخلِّ ّالذي يؤدي إلى غموض الفكرة، أو توشيحها بضبابيّةٍ معتمة، كما أن النّصَّ يجب أن ينأى عن التّرهلِ، أو الإطناب، أو الزوائد، أو الحوشي ...

 ولعلَّ من نافلةِ القولِ أنْ تشير إلى أن القصيدةَ التقليديةَ التي اتُهِمتْ (من النقاد المعاصرين) بالحشوِ الذي لا علاقةَ له بتجربةِ الشاعر؛  وسبب ذلك يعود إلى صرامةِ إكمال البيتِ بالقافيةِ حتى وإن انتهى معناه قبلها، وهذا الاتهامُ مصيبٌ ـ كما نرى – في بعض التجاربِ الشعرية القديمةِ والحديثة، فينبغي على الشاعر ألاّ يقعَ في ما كان عيباً لغوياً مهما كان .

 إن لغةَ الشعرِ لغةٌ دلاليةٌ، فكلُّ لفظة تؤدي مدلولاً خاصّاً بها، ثمّ تجتمعُ كلّ  تلك الدلالات لتكوّنَ النسيجَ الخاصَّ بذلك النّصّ .

 إنَّ بعضاً من النقّاد المعاصرين ينظرون إلى النّصِّ الإبداعيّ على أنه مكوّنٌ من مستوياتٍ متعدّدة متكاملة الوظائف في المحصّلة النهائية، سواءٌ أكانت مستويات صوتيةً، أم تحليليةً، أم دلالية، أم رمزية؛ وكلُّ تلك المستويات تعودُ إلى المعنى الذي ينشده النّصُّ ويبتغيه.

***

ومما يشكلُ بنيةَ القصيدةِ التقليدية، ويسهمُ في توصيفِ النسيجِ الإبداعيِّ بالإثارة والرصانة(عاطفة النص)، فالعاطفةُ الصادقة شرطٌ جوهريٌّ لكلِّ نصّ يريد أن يعيشَ مع متلقّيه مدّةً أطولَ زمناً، ونحن حين ندعو إلى صدق العاطفة لا ندعو إلى الصدق بمعناه المعجمي، إنما نريدُ به أن يكونَ الشاعرُ أميناً مع تجربته الإبداعية، صادقاً في الكشفِ عن عوالمها، لأنه عاناها في أعماقه زمناً حتى تشكلت نسيجاً ضاغطاً وجدتْ متنفّسها في الإبداع نظماً، فإن كانت كذلك فهي تجربةٌ عاطفيّةٌ صادقة،  وإلا فهي عواطف كاذبةٌ لم يشكِّـلْها صدقُ التجربةِ وأمانتها ..

 وقد عرفنا شيئاً من تلك العواطف الكاذبة في نصوص عديدةٍ، لا سيّما نصوص المديح والهجاء التي تُعدّ سلفاً وتُهيّأُ قبل وقوعِ الحدث،  ويبقى الشاعرُ منتظراً حلول المناسبةِ المفرحةِ، أو المحزنة ليخرجَ ما كان قد أعدّهُ سلفاً ليغيّرَ فيه بعضَ التغيير، أو ليضيفَ إليهِ ما يفيدُ تلك المناسبة،  فإنْ كان مدحاً فصفات الممدوح عديدةٌ فيها، وهي لا تصلحُ له فقط، إنما يمكن أن تكونَ لجميع الناس، وإن كان رثاءً فمآثر الفقيد لا تعدُّ ولا تحصى، وهي جاهزةٌ لكلِّ من هو على طريق الارتحال .

 إنَّ مثلَ تلك العواطف لا تعيشُ مع متلقيها سوى وقتِ إلقائها أو نشرها .. ولعلَّ ذلك يتّضحُ في شعرِ القرنِ التاسعَ عشرَ، وعصر الانحدار أكثرَ مما يتّضحُ في غيرهما، بعد أنْ لازم شعراؤه الممدوحين من أمراء وقادةٍ، وعليةِ قومٍ من أصحاب البيوتات الكبيرة ؛ فأوقفوا شعرَهم على ممدوحيهم فعاشوا على هباتهم وعطاياهم، فلا هم فهموا دورَ الإبداعِ في الحياة الثقافية، ولا هم أخلصوا لفنّهم، ولا كانوا صادقين حتى مع أنفسهم، إنَّما كانوا يلحفون بالسؤالِ رغبةً في الارتزاق، كما يتجلى ذلك في قول أحدهم:

كلما قلتٌ، قال: أحسنتَ قولاً         وبـ (أحسنتَ) لا يباعُ الدقيقُ

وتلك سُبّةٌ في عمرِ القصيدةِ التقليدية .

 وليس معنى ذلك أن تردّي العواطف وقفٌ على قصائد المديحِ والهجاء، أنما يصدق ذلك على كلِّ انفعالاتٍ وجدانيّةٍ يكتنفها الإسفافُ والابتذالُ، كما في سماجةِ العواطفِ الآتية من شعر جميل صدقي الزهاوي في قوله من قصيدة يصفُ فيها الموسيقار محمد عبد الوهاب:

ولقد يملأُ القلوبَ سروراً     كبيوتٍ يغرقنَ في الأنوارِ

إنه مطربٌ لكلِّ الشياطي      نِ وكلِّ الملائـكِ الأبرارِ

وكقوله من قصيدة (تعلموا):

تعلّموا تعلّموا     من الشقاءِ تسلموا

فإنَّما الذين قد       تعلَّموا تنعَّـموا

أو كما في الرباعيات:

كلُّنا يكذبُ كي يبْ     لُغَ من دنياهُ فيضا

مثلـما أنتَ مُداجٍ      أنا أيضاً أنا أيضا

*******

ركبَ الناسُ قطاراً    فمضى يرغو القطارُ

وأضـاءوا كهرباءً     فإذا الليـــلُ نهارُ

*******

لقد ذهبتُ بخفَّـي    نِ ثم عدتُ بخفِّ

نفسي أضاعتْ هداها    أفٍّ لنفسيَ أفِّ

***

 ومن ملامح بنيةِ القصيدةِ التقليديّة احتفاؤها بالصور الفنيّة التي يشكلها الخيالُ المدهش ؛ والخيالُ تشكيلٌ سحريٌّ لا يقدر عليه غير الفنان المبدع ؛ ومعنى هذا  ليس كلّ خيال يمكن  أن يسمّى خيالاً فّنيّاً، لأنَّ الخيالَ العادي يشترك فيه جميعُ النّاس، بينما الخيالُ المولّدُ المبتكرُ وقفٌ على المرهفينَ من المبدعين .

 ولما كانت الصورةُ الفَنّيةُ وليدةَ الخيالِ المبتكرِ، فإنَّ القدامى حدّدوا شروطَ جمالياتِها على وفقِ علاقاتِها المتعدّدة بالجوِّ النفسي، والشعور الداخلي، والفكر، والإيحاء، وارتباطاتها بغيرها من الصور الجزئية المكملة للوحدة الفنِّيـةِ المنجزة، وعلى وفق ذلك يمكن إيجاز الشروط الجمالية للصورة الفنّيّة بالآتي:

1 ـ أن تكون الصورة موحيةً؛ أي ليست صريحةً، إنما يوحى بها من السياق، لذا لا بد  أن تنأى عن التعبير الصريح، أو المباشر، كما في قول أبي الطيب المتنبي:

وقفتَ وما في الموتِ شكُّ لواقفٍ     كأنّكَ في جَفنِ الرّدى وهو نائمُ

  تمرُّ بك الأبطالُ كَلْمـى هزيمةً     ووجهُك وضَّـاحٌ وثغرُكَ باسمُ⁽¹⁹⁾

إذ جعل الشاعرُ وقفةَ سيفِ الدولة في ميدان المعركة وقفةً تقود من يقفُها إلى الهلاكِ المبين لا محالة (باستثناء سيف الدولة) ولكن كيف يتأتى له إيحاء ذلك للمتلقّي؟ هنا جاء دورُ الخيالِ الموحي، فقد جعل الشاعر أميرَهُ محاطاً بالموت من كل الجهات.. فكأنّ الموتَ قد أطبق عليه تماما كما ينطبق جفن النائم على تمام العين، غير أن هذا الإطباق لم يؤدِ إلى هزيمة الأمير وهلاكه، إنَّما انتهى إلى هزيمةِ الموت وانتصار الأمير(فحين انجلت ْ غمّةُ المعركة وآذنت رياحُها بالانحسار تكشّفَ وجهُ الأمير مشرقاً باسماً بانتصاره، بينما كانت وجوه أعدائه تمرُّ أمام إشراقتهِ عابسةً  مكلومةً من أثر الجراح والاندحار، والهزيمة ... وهكذا أوحت الصورةُ بالانتصار جماليّاً من غير تصريح مباشر، فهو لم يقل: إن الأمير قد انتصر على أعدائه، وإلا لكانت الصورة عاديّة مباشرة، إنما جعل الصورة توحي بالنصر من خلال تشابكها الفنّي، وتوصيلها الجميل ؛ لذلك عابوا قول عمر بن أبي ربيعة المباشر:

ثم قالوا تُحبُّها ؟ قلتُ بَهْراً    عددَ النجمِ والحصى والترابِ        

2 ـ أن تكون الصورةُ غريبةً، أو مبتكرةً، أو طريفةً: ومعنى هذا ألا تعتمد في تكوينها على صورٍ سابقةٍ مرّتْ في تجارب شعراء آخرين، لأنَّ الغرابةَ في تكوين الصورة يزيدها جمالاً، ويثير المتعةَ لدى المتلقّي، كما في قول البردّوني:

طلبتُ فطورَ اثنينِ، قالوا: بأنَّني     وحيدٌ، فقلتُ: أثنينِ إنَّ معي صنعا⁽²⁰⁾

لو شرحنا البيت شرحاً نثريّاً لقلنا: إنَّ البردُّوني يجلسُ منفرداً في مطعمِ فندق دمشقيّ، لكنه يطلبُ فطوراً لاثنين ؛ وهنا يكمنُ وجه الغرابة في الطلب،  فهو واحدٌ ليس معه أحد، لذا يتدخّل مسؤولُ الخدمة مستفهماً عن غرابة الطلب، مع أنه يجلس وحيداً فيؤكد الشاعر الطلب مشيراً إلى أنه يرافقُ صنعاء، فالفطورُ له ولها .

 وهذا الشرحُ لا تريدُه الصورةُ، ولا يريدهُ الشاعرُ، إنَّما جلُّ الذي أراده هو أن يقول: إن حبَّه لصنعاءَ لا يعادله حبٌّ آخر، فهو لصيق به أينما سار وحلَّ، ولن تحلَّ المدنُ الأخرى بديلاً عنها مهما كانت جميلةً، سواء أكانت دمشق أم غيرها من المدن، لأنها تعيش بروحه، ووجدانه، وقلبه .. إنها القرين الروحي الذي يستبطنه، فكيف له أن ينسى هذا القرين ؟! إنها صورةٌ مبتكرةٌ تثيرُ في متلقّيها الطرافةَ والإدهاش ..!

3 ـ أنْ تكونَ ملائمةً للسياق الموضوعيِّ، والسياقِ النفسيِّ، فلا تبتعدُ عنهما، ولا تترهّلُ فيما لا يلائمها، لأنها لو أبتعدت عمّا يلائمها فقدتْ جمالياّتها، وخرجتْ عن هدفِها، كما في قول محمد مهدي الجواهري:

تحدّى المـوتَ واختزلَ الزمانا    فتىً لوّى مـن الزمنِ العنانا

فتىً خبطَ الدُنـى والناسَ طُراً     وآلـى أن يكونَهـما فكانا⁽²¹⁾

 فالجواهري في هذا المستهلِّ يرثي أبا الطيّب المتنبي بعد أكثر من ألف عام رثاءً على غيرِ ما عهدناه عند الكثيرين، فهو يرى المتنبّي بعينه المبدعة، لا كما رآه غيرُه بعيونهم الناظمة، فهو في هذا المطلع يرثي فتىً فدائيّاً تحدّتْ روحه الموتَ تحدّي المضحي العارف بأن الموت معناه الحياة في الموت، بينما حياة المتردّد الخائف موت في الحياة، وشتّان بين الموقفين ؛ لذا استطاع بتحدّيه هذا حذف الزمان وتقطيعه وليَّ عنانه، وإرغامه على إطاعته، فكان من نتيجة ذلك الإذعان لإرادة حرفه الفاعلِ أن هزّ الدُّنى كلَّها بشاعريّتهِ المبدعة هزّاً شديداً بمن فيها من البشر، فكان هو بديلاً قويّاً جميلاً عن كلّ عوالمِ البيانِ والإبداع والشاعرية .

من هنا كانت صورة التحدي هذه ملائمةً لسياقها الموضوعي والنفسي معاً، على الرغم من جدّتها واختلافها عن المألوف في الرثاء .

4 ـ أن تكون الصورة مرتبطةً بغيرها من الصور الجزئيّةِ بحيث تؤدِّي إلى تلاحمٍ بين الفكر والشعور، كما في قول المتنبي:

كيفَ الرجاءُ من الخطوبِ تخلّصاً      من بعدِ ما أنشبنَ فــيَّ مخالبا

أوحدنَـني ووجدنَ حُـزناً واحداً         متناهيَاً فجعلنَهُ لــيَ صاحِبا

ونصبْنَني غرضَ الرماةِ تصيبُني       محنٌ أحدُّ من السيوفِ مَضاربا⁽²²⁾

 في هذه اللوحة يرسم الشاعر صورةً لمعاناتهِ الخاصّة مما لحق به من خطوب ومصائب عظام بات على حيرة في كيفيّة التخلّصِ منها، لكونها أنشبتْ فيه مخالبها الحادة (كناية عن أذى بعضهم له) فراحت توسعه الأذى والألم الممضَّينِ، وهي لم تكتفِ بذلك، إذ صيّرته  تلك الخطوب واحداً ليس له (غير الحزن الذي لا حدّ له) صاحبٌ ورفيقٌ، ثم توسّعت في أذاه وتدميره أنْ جعلته هدفاً لكلِّ سهام الضير والعَنت والمصائب الكبرى، فكانت تلك المصائبُ التي تلقاها صاغراً أكثر قدرة على تجريحه من أمضى السيوف القواطع .

 وأنت تلاحظُ هنا كيف ارتبطتْ أجزاء الصورة ببعضها لتكوّن مشهد الأذى المستديم من غير أن تتفكَّكَ، أو يصيبها الارتخاء، فأدَّتْ غرضها تلاحماً بين فكرة الأذى وشعور المصدوم .

***

 ومن ملامحِ بنية القصيدة التقليدية الأخرى تعدّدُ الأغراضِ في القصيدةِ الواحدة، بحيث ينتقلُ الشاعرُ من غرضٍ إلى ما سواه كيفما شاء، فقد تجدُ في نصٍّ واحدٍ الأغراضَ كلَّها مجتمعةً، إذ يبدأ بالغزلِ (سواء أكان نسيـباً أم تشبيباً) ثم يثنى بالفخر، ثم يصفُ، ثم يمدحُ، ثم يفخرُ، ثم يهجو .. إلخ محاولاً إثباتَ قدرته في جعل نصّهِ جامعاً لتلك الأغراض، وهو بذلك لا يخالفُ سنَّةَ من تقدّمه، بل يسيرُ على هديٍ منهم، وربّما يزيدُ عليهم أغراضاً .. لذلك كان النقد القديمُ لا يُعنى بغير  (بيت القصيد)، أو أبيات ترد في القصيدة الواحدة، تاركاً بقيّة النصِّ .

 وعلى وفقِ ذلك فإنَّ أحكامَهم النّقديّةَ في المفاضلة بين الشعراء أو النصوص تقوم على تلك الأبيات المفردة في الأعمِّ الأغلبِ، وهذا ما جعل النقادَ المعاصرين يتهمون القصيدةَ ذات الشطرين – وهم مصيبون في ذلك إلى حدٍ كبير – بتخلّيها عن الوحدة العضويةِ بإصرار عامد .

  والوحدةُ العضويةُ منجزٌ فنيٌّ حديث دعت إليه الحاجة إلى تحديث الشعر وتطويره مبنى ومعنى، وتبنّى معظم النقّاد المعاصرين تلك الدعوة، وشددّوا عليها، وسخروا من كلِّ محاولاتِ التقليدِ التي ارتضت الابتعادَ عن وحدة الموضوع، ونبَّهوا إلى أنّ التجديدَ في إطارِ المحافظةِ على الشكلِ القديمِ ممكنٌ إذا التزمَ الشاعرُ بالوحدةِ العضويةِ،  ومكَّن حدثها من النّمو نمواً فنّياً حتى يصلَ إلى الذروة .

 وربَّ سائلٍ يسأل، أكلّ القصائد القديمة كانت خلواً من الوحدة العضوية ؟.وجوابنا يقول: لا .. ففي بعضِها كان الشاعرُ حريصاً على تنامي موضوعِ قصيدته عضويّاً من غيرِ الولوج إلى أغراضٍ خارجةٍ عن وحدتها تلك، لكنها لم تكنْ سوى استثناءات معدودة ؛ كقصيدة (المنخَلِ اليشكري) ذات المستهلِّ:

إنْ كنتِ عاذلتي فسيــري     نحوَ العـراقِ ولا تَحـوري

لا تــــسألي عن جلِّ ما     لي وانظري كرمي وخِيري

 فهي تحافظُ على وحدتِها العضويةِ إلى حدٍّ ما،  وكقصيدة (مالك بن الريب) ومطلعها:

ألا ليتَ شــــعري هل أبيتنَّ ليلةً

بجنبِ الغَضا أُزجي القِلاصَ النواجيا

 فهي كذلك تحافظُ على وحدتِها العضوية إلى حدٍ كبير،  فتثيرُ حنينَها إلى وطنِ الأهلِ والأحبَّةِ والأصحاب، ولعلها قصيدةً في رثاء النفسِ قبل انتقالها إلى عالم الخلد، إلا أن تلك الاستثناءات لا تغيرُ شيئاً من القاعدة .

***

 ومن الملامحِ الأخرى التي أسهمت في تشكيلِ بنيةِ القصيدة التقليدية مطالعُها الغزليَّةُ،  ووقوفُها على الأطلال باكيةً نادبة، حتى ليخيّلَ للقارئِ المتفحِّصِ للشعر الجاهليِّ أنّ كلَّ قصيدةٍ لم تبتدئ بالتغزلِ والوقوف على الأطلال تبكي الأحبّة، ومنازلهم تُعدُّ شاذّة في عرف النقد القديم، لهذا كانوا يرددّون قولتهم الشهيرة في (أن امرأ القيسِ كان أولَ من وقف واستوقف وبكى واستبكى على الأطلال) وكأنهم بذلك يؤكدون اختراعه الذي ترك بصماته على جميع التجارب التي احتذته نهجاً، أو ملمحاً، أو منجزاً جمالياً .

بقي أن ننبه إلى أنَّ استشهاداتنا التي وردت لتوضيحِ ملامح بنية القصيدة التقليديّة ساوت تكافؤاً بين القديم والحديث ـ على حد سواء ـ  ما دامت تلك الأمثلة قد حافظت على أسلوبها القديمِ في كتابةِ الإبداعِ نظماً على وفق أُسلوبِ الشطرين، لأنَّ البنيةَ واحدةٌ نهجاً  في الأداءِ، والتوصيل .

أ.د. عبد الرضـا عليّ

....................

إحـــــــــــالات

⁽*⁾ فرزة من كتابنا القادم (قيثارة  أورفيوس).

1 ـ ديوان المتنبي، دار صادر بيروت (د.ت)، 317.

2 ـ نفسه، 441 .

3 ـ ديوان الحلاّج ، صنعه وأصلحه كامل مصطفى الشيبي، ط2، دار آفاق عربيّة للصحافة والنشر، بغداد، 1984م، ص31 .

4 ـ ديوانه، 414 .

5 ـ الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، إعداد لجنة نشر كتاب الأغاني، الهيأة المصريّة العامّة للتأليف والنشر، 1970م، ج4، ص36 .

6 ـ  ينظر مباحث القافية في (موسيقى الشعر) إبراهيم أنيس، ط5، نشر مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1978م، 46، و (فن التقطيع الشعري والقافية) صفاء خلوصي، ط3، مط  دار الكتب، نشر مكتبة المثنى بغداد، 1966م، 215، و (العروض بين التنظير والتطبيق) د. محمد الكاشف وآخرون، ط1، مط المدني، المؤسسة السعودية بمصر، القاهرة، 1985م، 137 .

7 ـ كتاب القوافي للأخفش، تحقيق أحمد راتب النّفّاخ، ط1، دار العلم، بيروت، 1974م 3.

8 ـ كتاب القوافي للتنوخي، (أبو يُعلى) تحقيق د. عوني عبد الرؤوف، ط؟، مط الحضارة العربية بالفجّالة، القاهرة، 1975م، 36 .

9 ـ نفسه،32- 37  .

10 ـ القوافي للأخفش، 4 وما بعدها .

11 ـ نفسه، 7 .

12 ـ ديوانه، 332.

13 ـ قصيدة (أمين سر الزوابع) ديوان (ترجمة رمليّة لأعراس الغبار)، 68 - 75 .

14 ـ قصيدة (لا بدّ من صنعا وان طال السفر...) ديوان عبد العزيز المقالح، دار العودة، بيروت،،1986م، 23 .

15 ـ في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات، عبد الرضا عليّ، وفائق مصطفى، جامعة الموصل، 1989م، 33.

16 ـ ديوان الزبيري (صلاة في الجحيم)، ط2، دار الكلمة، صنعاء 1985م، 81 .

17 ـ ديوان البردّوني (زمان بلا نوعيّة)، ط2، دار العودة، بيروت، 1980م، 79 .

18 ـ ينظر: ديوان الزهاوي في أكثر من موضع، بدلالة أعلام الجيل الأول، أنيس المقدسي، مؤسسة نوفل، بيروت، ط2، 1985، 245 .

19 ـ ديوانه، 387.

20 ـ ديوان البردّوني (زمان بلا نوعية)، ص15 .

21 ـ قصيدة (فتى الفتيان المتنبي)، ينظر: الجواهري في جامعة الموصل كلمات ومختارات: عبد الرضا عليّ، و سعيد جاسم الزبيدي، مط1، جامعة الموصل، 1980م، 112 .

22 ـ ديوان المتنبِّي، 109 .

المزيد من الدراسات والبحوث

آخر التعليقات