الشهيد السعيد محمد عبد الزهرة عبود . أبو منتظر النجفي

نشر فى : السبت 29-07-2017 - عدد القراءات : 344

صحيفة بدر / خاص ......
الشهيد السعيد محمد عبد الزهرة عبود . أبو منتظر النجفي

في محافظة النجف _ قضاء المشخاب، عام 1962م، كانت ولادته في أحضان أسرة مؤمنة، يغمرها أَلق المحبة والولاء لآل البيت عليهم السلام، فربُّ الأسرة كان مزارعاً في أرضه الطيبة، الفواحة بأريج العنبر، فيأسرك عن بعد، ذلك العطر الأزلي، فتعرف حينها أنها أرض مليئة بالبركات، كثيرة الخيرات، معطاء كأبنائها، سخية كنفوسهم، وولائهم للإسلام، معان أراد البعث طمسها وتغييرها بما يخدم أهدافه الماسونية المشؤومة.

نشأ في أجواء ذلك البيت الكريم، المفعم بحب أمير المؤمنين عليه السلام، فأصبح محمد شديد التعلق به، كثير التردد إلية، لائذاً بحماه، ومُنتهلاً من فيض نوره، كل معاني العزم والصبر والثبات على الطريق.

أكمل في منطقته المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ثم قبل في دار المعلمين في محافظة النجف، فأتم دراسته فيه، وتخرج يوم 1/7/1982م، وكان خلال سني الدراسة في دار المعلمين شعلة إسلامية وقادة، يتحرك في الوسط الطلابي، يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يخفي مشاعر التنفر والامتعاض من حزب البعث، أمام الاخرين وأمام أدعيائه، وكانت تجمعه بالمؤمنين الأواصر المتينة، والعلاقات القوية، التي كان عن طريقها يتم تنسيق الجهود، وتوجيه العمل، وفي تلك الفترة أقدمت الأجهزة الأمنية على استدعائه والتحقيق معه، على خلفية تسلله الى مقر المنظمة الحزبية في المنطقة، والوصول إلى ملفاتها السرية، لغرض إتلاف التقارير المرفوعة إليها، ضد بعض المؤمنين.

تلك الحادثة جعلته يعيش المراقبة والتضييق من قبل رجال الأمن، حتى تخرجه.
أستدعي إلى الخدمة الإلزامية إبان الحرب الظالمة، التي شنها النظام الصدامي، على الجمهورية الإسلامية في إيران، بعد سنة وبعضة أشهر من انتصار ثورتها، بغية إسقاطها، بأوامر مباشرة من أمريكا الى عميلها، وشريطها الجديد في المنطقة ( أو المزمع أن يكون كذلك ) القزم الزنيم، المقبور صدام حسين، مستغلاً المشاكل التي كانت تواجهها الثورة الفتية في الداخل والخارج.

سيق مكرهاً للاشتراك في تلك الحرب، لأنها تتعارض مع دينه ومبدئه، بل إن محمداً والطبقة الواعية من أبناء العراق، قد أدركت تلك الحرب مبكراً، رغم ادعاءات النظام بما أعلنه من أسباب لشنها، كاحتلال إيران لمناطق ( سيف سعد، وزين القوس، ومناطق اخرى )، تلك الادعاءات التي حاول من خلالها تضليل الرأي العام ...

قضى من خدمته في الجيش أحد عشر شهراً، كانت تمر بطيئة وثقيلة عليه، ينتظر فيها يوم الخلاص على أحر من الجمر، فلا يكاد يصدق أنه مع الجيش الذي، لا يميز بين الناقه والجمل، والحق والباطل، فكان حتى قبيل هجرته نائب عريف آمر حضيرة، في الفصيل الثالث، الفوج الثاني، لواء14، فرقة14، التي كانت في جبهة الجنوب.

اتفق مع صديقه وزميله في الدراسة، محمد حسن اللهيبي الذي تجمعه به أخوّة الإيمان، ووحدة الهدف، والهم والمعاناة من النظام، على الهجرة، وتَرْك جبهة الباطل، وقد جمعهما القدر في فرقة واحدة، وفي قاطع واحد، ولما تمكن محمد حسم من اكتشاف طريق عبر جزيرة مجنون، يمكن من خلاله الخلاص، اتصل بمحمد عبد الزهرة واتفقا على الهجرة الي الجمهورية الإسلامية، عبر ذلك الطريق، فبقيا يترقبان انسحاب الدوريات القتالية عن طريق ثغرة الالغام، وعند انسحابها في الساعة الرابعة والنصف فجر يوم 20/4/1984م، انطلقا بسلاحهما_ وسلكا طريق الدورية، الذي ينتهي بهما الى الأرض الحرام، التي تفصل بين خطي المواجهة _ فلاحظ الحرس الموكل بحراسة الثغرة حركتهما، فبادرهما بالسؤال عن وجهتهما، والى اين هما ذاهبان؟، فأجابه محمد حسن : ((هنا، لا نذهب بعيداً، وسنرجع الآن))، ولم يلتفتا إليه، وتابعا طريقهما حتى وصلا إلى الخط الإيراني، وسلما نفسيهما إلى القوات الإسلامية.

قضى الاثنان ثلاثة أشهر في مركز اللاجئين، ويوم 21/7/1984م، ذهبا معاً إلى مقر التعبئة الإسلامية في مدينة الأهواز، لتنظّم لهما كتاب تطوع لقوات المجاهدين، ثم انطلقا بكتابهما إلى معسكر الشهيد الصدر، حيث كانت الدورة التاسعة – دورة الشهيد أبي شهيد الناصري – على الأبواب لتشرع بمنهاجها التدريبي، فأصبح أبو منتظر النجفي – الكنية التي عرف بها بين المجاهدين – واحداُ من أفرادها، يشار إلية بالبنان، لأخلاقه الرفيعة، والتزامه ونشاطه، وجدّه ونشاطه في التدريب، لاسيما وهو من المدربين على سلاح القناصة، واسلحة أخرى، منها السلاح الكيمياوي.

بعد اجتيازه الدورة التدريبية نسب أبو منتظر إلى الفوج الثالث، ونظراً لما يتمتع به من خصال وخبرة، اختير آمراً لأحد الفصائل، فاشترك في كل العمليات والواجبات التي كلف بها الفوج، في هور الحويزة، ففي عمليات القدس التي نفذها المجاهدون ليلة 23/7/1985م، لتحرير الجزء الجنوبي من بحيرة أم النعاج، كان واجب الفوج مسك الطرق والمسالك في منطقة الهرود، التي يمكن أن يستغلها العدو للتسـلّل أو الهروب، ونجح الفوج في توجيه ضربة قاصمة لأفراد العدو، الفارين من جحيم العمليات، فقتلوا عدداً، وأسروا آخرين.

كان موقف أبو منتظر مشهوداً في تلك العمليات، فعندما كان على رأس مجموعه كمين، سمع حركة للعدو داخل القصب، فبادر الى استكشافها، فنزل في الماء وحده، حاملاً سلاحه، وفي طريقه وجد زورقاً فارغاً، فاستخدمه للبحث عن مصدر الحركة، فوجد مجموعه من الفارين من منطقة العمليات، وتمكن من أسرهم، ولما أراد احدهم الفرار، اطلق عليه النار فقتله، ورجع إلى الكمين يسوق الأسرى، ووجهه يتهّلل فرحاً...

بعد أن كان المجاهدون يتعرضون لكمائن من قبل مجموعات شكلها النظام من افراد عشائر الاهوار أطلق عليها ( فرسان الهور )، تعين أن يقوم الفوج الثالث بمهمة توجيه ضربة لمقرها الرئيسي، فكان أبو منتظر أحد المجاهدين الذين نفذوا تلك المهمة، التي تم فيها قتل عدد كبير من أفراد المقر، وفر الباقون ، ولم يجرأوا بعدها على التعرض للمجاهدين.

في عمليات عاشوراء التي نفذها المجاهدون بتاريخ 23/10/1985م، كانت نقطتي الولد والمڇري ونقاط أخرى واقعة على الجانب الغربي لبحيرة أم النعاج، الأهداف الموكلة للفوج الثالث، وكان هدف أبي منتظر وفصيله السيطرة على أحد تلك النقاط، وبفضل دقة الاستطلاع، تمت مباغتة العدو، فلم يستطيع إبداء أي مقاومة، وسارع أفراده إلى تسليم أنفسهم، فتمت السيطرة على الأهداف والاستيلاء عليها.

وفي الصباح سجل أبو منتظر موقفاً مشرفاً وبطولياً، عندما وقف كالطود الشامخ، صامداً يصدُّ هجمات العدو المضادة، التي قام بها لاسترداد مواقعه التي خسرها، واستمر كالجبل لا يطلب المساعدة، بالرغم من حاجته إليها، حتى بعد استشهاد أحد المجاهدين، الذي كان معه في الزورق، وإصابته هو بجراح... أخلي بعدها للعلاج، لكنه رجع بعد يوم واحد، لينضم الى مجموعة من فوجه، بقيت مع فوج الشهيد الصدر، فشاركهم في تنفيذ طلعاتهم القتالية اليومية، وفي إحداها جرح مرة أخرى في يده، تسبب في كسرها، فنقل إلى احد مستشفيات مدينة مشهد للعلاج.

عن جهاده وتضحيته، يقول صديقة ورفيق دربه في الجهاد الشهيد أبو مقدام النجفي في وصيته مخاطباً والده ((... لقد وفقنا الله في العبور من العراق الى إيران الإسلام، أنا والأخ محمد عبد الزهرة عبود، وبعد الوصول بقينا لغرض التحقيق، فترة لا تتجاوز الثلاثة أشهر، وبعدها ذهبنا إلى الجبهة، فبقينا مع إخواننا المجاهدين طول هذه المدة، وكيف لا نبقى وإمام الأمة يطلب ناصراً ينصره...).

عرفه إخوانه بدماثة الأخلاق، وطيب القلب، وشدة التواضع لهم، والتفاني في ذات الله، ونداوة   الروح، امتاز بنظرته الثاقبة، العارفة بحقيقة الحياة، ولذلك راح يستكثر من الصلاة والدعاء والمناجاة، يحي بها ليله في تضرع وخشوع.

وعن ذلك يتحدث المجاهد السيد أبو موحّد قائلاً:(( في ليلة من ليالي الهور، جمعني به واجب الكمين، وبعد أن انتصف الليل، انتهى وقت واجبي فلمست الدور اليه، وبعد قليل بدأ بالدعاء والتضرع لله سبحانه، بصوت منخفض، وأخذ يجهش بالبكاء الشديد، حتى كاد يختنق بعبرته، لأنه كان يعالجها لكي لا يسمع صوته، خشية الرياء...)).

عشق الشهادة في سبيل الله، وتمناها وألح في طلبها، لضمان العاقبة الحسنى، وتجنب الوقوع في شراك الدنيا، والاغترار بزبرجها وزخرفتها، فكان شديد الشوق إلى اللقاء الأبدي، مع المعبود السرمدي، ليجزيه جزاء المجاهدين الصابرين، فحينما سمع بأن الاستعدادات قائمة على قدم وساق، للقيام بعمليات حاج عمران، شعر بفرحة غامرة، لأن ما كان يراوده، وما يصبو إليه ويتمناه على الأبواب، ولم يبق منه إلا سواد هذه الليلة، ليلة 1/9/1986م، التي تسلقت فيها الجموع المؤمنة المجاهدة، جبال گردكوه وكردمند، غير آبهة بقصف العدو الكثيف، ولا نار أسلحته، ألتي تلقتها صدور المجاهدين العارية إلا من الإيمان بالله ونصره وعنايته.

تقدمت افواج المجاهدين، فكان الاول والثاني على الأجنحة، وثبت الثالث في الوسط، لكنه فوجئ بالرمي من قبل العدو، قبل دقائق من ساعة الصفر، فاضطر الفوج إلى الرد علية، واضطرت بقية المحاور للبدء بالهجوم قبل موعده بدقائق، بصيحات الله أكبر، فملئت قلوب الأعداء رعباً، وقتل من قتل، وأسر من أسر، ولاذ الاخرون بالفرار مذعورين في الوديان.

كان أبو منتظر على رأس أحد فصائل السرية الثانية، وكان بانتظار الأوامر للبدء بالهجوم، لكنه شعر بالحزن، عندما أعطيت الأوامر للسرية الأولى بالتقدم، لأنه يريد كسب قصب السبق في نيل المكرمات، نعم كان تواقاً لملاقاة العدو، فقد كان في مقدمه فصيله عندما جرح اثناء الزحف باتجاه مواضع العدو، وكان الجرح بليغاً، لكنه لم يثنه عن التقدم، وتمكن هو وإخوانه من عبور الموانع الكثيرة، وكسر الخط الاول للعدو، بذلك الصبر والشجاعة والعنفوان، الذي قل نظيره، حتى أعياه نزف الدم، إثر اصابته بشظايا في رأسه وكتفه، ومع انسياب شعاع الفجر من ذلك اليوم، كانت روح أبي منتظر على موعد الشهادة والالتحاق بقافلة الحسين وصحبه الأبرار.

شيع تشييعاً مهيباً مع شهداء تلك العمليات في مدينة طهران، ثم شيع مرة أخرى في مدينة قم، على أكتاف الآلاف، ووري جثمانه الطاهر، وجثامين كوكبه من إخوته في مقبرة الشهداء.

مـن وصيـته رحمـه الله
وصيتي لوالدتي: طلبي منكِ أن تبرئي ذمتي، وأن تغفري لي ذنوبي، فإن لم تفعلي سأكون من الخاسرين، كيف لا والجنة تحت أقدام الأمهات، ولكن اعلمي أني أعاهدكِ إن رزقني الله الشهادة إن شاء الله، سأكون شفيعك مع الحسين عليه السلام وستكون فاطمه الزهراء عليها السلام راضية عنك، وسيسقيك أبوها كأساً رياً ورياً، وبيض الله وجهكِ يوم الحشر، أمام أهل البيت عليهم السلام، لأنك واسيت وقدمت قرباناً، ووهبت تعباً ( إبناً ) في سبيل الله، ومن يقرض الله قرضاً حسنا سيجده مضاعفاً، وستلقينه إن شاء الله، فاصبري وقدمي باقي إخواني قرابين، وتذكري كربلاء، وكم قدمت بنت رسول الله لدين الله، وما فعلت زينب عليه السلام، ولو أعطينا دماء بحجم البحار، وملء الأرض لن نساوي قطرة من دم جَوْن، مولى أبي ذر الغفاري، فمن نحن؟ ومن هم شهداء كربلاء؟ ومن نحن من آل الرسول، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً؟ أبو منتظر النجفي .

سلام عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيّاً

و . ق


 

المزيد من بل أحياء

آخر التعليقات