الشهيد السعيد كريم تمكين خطّار الظالمي . شيخ سلام الظالمي

نشر فى : السبت 15-07-2017 - عدد القراءات : 398

صحيفة بدر / خاص ......
الشهيد السعيد كريم تمكين خطّار الظالمي . شيخ سلام الظالمي

كان من ثلة آمنت بالإسلام عقيدة ومنهاجاً فحسن إيمانها، وسعت جاهدة لتطبيقه دستوراً عملياً، ينظم حياه الناس، ويحترم حقوقهم وحرياتهم، بدلاً عن أنظمة ظالمة، حكمت بغير شرع الله، وأذاقت عباده الذل والهوان، لذا تحملت تلك الثلة المؤمنة السجن والتعذيب والإعلام، إلا من استطاع منها الخلاص والهجرة بدينة...

الولادة والنشــأة
كان مولد عبد الكريم عام 1957م، في محافظة الديوانية، وسط أسره عرفت بإيمانها وحبها لآل البيت عليهم السلام، وبموقعها الاجتماعي المرموق، وبانتسابها لعشيرة معروفة بتصديها للحكومات الظالمة، التي تعاقبت على حكم العراق، ففي تلك الأجواء كبر وترعرع، فقد كان منذ طفولته يتميز بالجانب الروحي، إذ كان يولي اهتماماً بصلاته ودعائه وباقي عباداته، على الرغم من انحراف صحته، حيث أصيب بمرض الروماتيزم وهو في السابعة من عمره.

يقول أخوه الاكبر الحاج المجاهد أبو صادق الظالمي: (( بعد اصابته بمرض (الروماتيزم)، بقي مقعداً خمس سنوات، لا يستطيع الوقوف، وكنا نراجع به الاطباء، وذات يوم، جمع والدي التقارير الطبية، وقصد به أحد الاطباء في بغداد بصحبة والدتي وامرأة اخرى، فنزل في حضرة الامام موسى الكاظم عليه السلام، يوم الجمعة وتركهم هناك ليبحث عن الطبيب، أما والدتي فقد اجلست كريم عند شباك ضريح الامام عليه السلام، واراحت تقرأ الأدعية، وتتضرع الى الله تعالى، وبعد فترة نظرت اليه، فرأته يمسك بالشباك، ويحاول النهوض، فلفت نظرها، وأخذ يكرر المحاولة حتى وقف على رجليه، ثم ترك الشباك وراح يخطو خطوات، ثم ركض داخل الحضرة، فأخذت والدتي تهلهل، مذهولة لما ترى، وهرع الناس نحو كريم، ومزقوا ثيابه ليتباركو بقطع منها، أما والدتي فقد اسرعت واشترت حلوى، لتوزعها على الزوار، فلما عاد والدي قال: هيا بنا الى الطبيب! فأجبته والدتي: إلى أين!!؟ الطبيب هنا، لقد أعطانا الدواء، انظر الى كريم يمشي ويركض، فأندهش والدي، وسجد شكرا لله على شفائه وأخذ يزور بشوق ولهفة، ثم خرج الى السوق واشترى عربة صغيرة، فأجلس كريم ووضع حوله الحلوى و (الملبس)، وعلق لوحة كتب عليها: هذه كرامة باب الحوائج، موسى بن جعفر عليه السلام... ولما رجعوا به الى منطقتنا، طافوا به، مع قرع الطبول، وتوزيع الحلوى، وكان لتلك الكرامة أثر عند الناس تجاه كريم)).

تلك كرامة من كرامات باب الحوائج موسى بن جعفر، من الله بها على كريم، لطهارة قلبه، وصفاء روحه، ولما كان يوليه من اهتمام خاص لزيارة أئمة أهل البيت المعصومين عليهم السلام... فما اكثر الكرامات التي رآها الناس منهم.

الدراســـة وآفاق العــمل الجهـــادي
كانت بداية حياته المدرسية صعبة جداً بسبب المرض الذي أعاق حركته، لكن إرادته القوية جعلته يتغلب على كل الصعاب، وعن تلك الايام يقول أخوه الأكبر الحاج أبو صادق الظالمي:((عندما تعرض للمرض، كان في بداية دراسته، فكانت أمي تحمله إلى المدرسة، حتى أكمل الدراسة الابتدائية وهو على ذلك الحال)).

أكمل المتوسطة والثانوية في مدينة النجف الأشرف، وعرف بجده واجتهاده في الدرس، إضافة إلى أنه كان يتلقى الدروس الحوزوية، وكان يستثمر أوقات فراغه في المطالعة، أما في أيام العطلة، فلم يكن يخرج من البيت بل كان ينكب على المطالعة وقراءة الدروس الحوزوية، وقد أنهى في تلك الفترة، كتاب اللمعة الدمشقية...
بعد إكماله الثانوية، قبل في كلية الزراعة في بغداد، وهناك ازداد نشاطه في توعية الشباب، إذ كان احد عناصر حزب الدعوة الإسلامية، وكان مسؤوله في التنظيم المدرس جميل إمامة.

الهجرة
بينما كان كريم في قاعه الامتحان، أحس بوجود عناصر من الأمن، فترك القاعة، وخرج دون أن يحسوا به، وتوجه الى بيته في مدينة النجف، لكنه رأى قبل أن يصله، عناصر الأمن، وهي تطوق البيت، فولّى مسرعاً، واتجه الى مدينة السماوة...

لما اصبح الوضع في العراق لا يطاق، ولا يمكن له ولأمثاله البقاء، لأن كلاب البعث المسعورة تبحث عن المؤمنين في كل مكان، تعتقل وتقتل دون رقيب أو حساب، ويتعرض للسجن والاعدام من يأوي مؤمناً، قرر الخروج الى السعودية، فعبر ليلاً في شهر اذار عام 1981م، مع أحد أدلاء الصحراء، ثم قصد الكويت، حيث كانت تربطه أواصر صداقة بأفراد من منظمة العمل الاسلامي، منهم سيد يدعى علاء فقدموا له المساعدة، طيلة فترة بقائه في الكويت، لكنه لم يستطيع البقاء طويلاً، لأن كان يبحث عن مكان، يتيح له الانطلاق لمواصلة العمل الجهادي، ولما لم يتوفر ذلك في الدول العربية المجاورة للعراق، حيث كانت تساند صداما، ماعدا سوريا، التي كان العمل فيها محدوداً جداً، لذا توجه الى الجمهورية الإسلامية في شهر مايس 1981م، بعد أن حصل على ورقة عبور من سفارتها...

كانت ثورة الامام الخميني بارقه أمل للمستضعفين في المنطقة، وناقوس خطر يهدد عروش الحكام الظلمة، لذلك راحوا يكيدون لها، ويتآمرون عليها، من أجل تحجيم دورها، وايقاف مدها الثوري، وكان قائدها الإمام الخميني رمزاً للثائرين، ودولته سنداً للمجاهدين، ولذلك قصدها العراقيون المؤمنون – الذين استضعفوا في وطنهم، وضاقت بهم السبل...
لقد حطت رحال كريم في طهران، ولم يمكث فيها طويلاً لأن هدفه كان مقارعة النظام، لا العيش الهادئ الهنيء، وكان يعتقد أن ذلك غير ممكن إلا بالجهاد المسلح، لذا توجه تلقاء مدينة الأهواز، حيث معسكر الشهيد الصدر، وتجمع المجاهدين العراقيين، وذلك في اواخر النصف الاول لعام 1981م، وهناك أحس بفرح غامر وهو يدخل أول معسكر جهادي أسس على التقوى، ويرفع راية الجهاد ضد عصابة البعث الحاكمة في بغداد... لقد رأى ثله مجاهدة من أبناء العراق، اجتمعت كلمتهم على التقوى وحب الجهاد، والتقى بأخيه أبي صادق وبمجموعة من أصدقائه وأخوته المجاهدين، فزادته تلك الأجواء المفعمة بالإيمان معنوية،  وأرهفت عزمه وإصراره على مواصلة الدرب...
 
فــي معـاقل المجاهدين
لقد توجه الشيخ سلام الى ساحات الجهاد، ساحات العزة والشرف والكرامة، ونداء الشهيد الصدر يصك أسماعه، ذلك النداء الذي أوجب النهوض في وجه صدام ونظامه الفاسد. وكان استشهاده قدس سره الحدث الأكبر، والمحرك الأقوى للثائرين الاحرار، لا سقاط ذلك النظام، الذي أقدم على تلك الجريمة النكراء، وأمعن في ظلمه وطغيانه سجنا وتنكيلاً وقتلاً لآلاف الشباب المؤمن، تمهيداً لعدوانه الغادر على الجمهورية الإسلامية الفتية، الأمر الذي فتح أبواب الجهاد واسعة للمجاهدين، الذين خفت أقدامهم إلى ساحات الجهاد في الجنوب والوسط وكردستان ...

أصبح الشيخ سلام على رأس مجموعة جهادية في قاطع الوسط، ضمت خيرة الشباب المؤمن، وقدمت تلك المجموعة ثلة من الشهداء، سالت دماؤهم على أرض الرافدين، من خلال مشاركتهم في العديد من العمليات الجهادية. لقد كان الشيخ سلام قدوة أولئك الشباب في سلوكه واخلاقه وعبادته، وكانت محاضراته تخرج من القلب لتدخل قلوب السامعين، كما كانت مجالسه الحسينية تزيد في معنويات إخوته، وتضفي جواً روحياً خاصاً على أجواء معسكر المجاهدين...

كانت عمليات ( كلّه قندي ) إحدى العمليات البطولية التي سطر فيها شخ سلام وإخوته المجاهدون أروع أمثلة الصبر والصمود وأبدوا شجاعة فائقة، لقنو فيها العدو البعثي ذل الهزيمة والانكسار...

لقد قدمت تلك المجموعة الطيبة ثلة من الشهداء قرابين في سبيل الله والمستضعفين من أبناء العراق منهم:
•    الشهيد أبو عقيل المختار.
•    الشهيد أبو قاسم التميمي.
•    الشهيد أبو باقر الموسوي.
•    الشهيد أبو مرتضى الموسوي.
•    الشهيد أبو ذكرى.
•    الشهيد أبو جهاد البصري.
•    الشهيد أبو بشرى الاصفهاني.
•    الشهيد أبو ذر الدباغ.
•    الشهيد أبو سامر.

مع مجاهدي بدر في هور الحويزة
استمر شيخ سلام في طريق الجهاد، وكان يعاهد إخوته الشهداء على المضي في طريقهم حتى النصر أو الشهادة، ثم قرر ومجموعته الالتحاق بقوات بدر، فكان التحاقهم بتاريخ 1/7/1985م، وتم تنسيبهم الى الفوج الثالث، لتكون أولى مشاركاتهم في هور الحويزة، وعلى الرغم من شدة حرارة الاهوار وارتفاع الرطوبة فيها، ومحدودية الحركة وظروفها الصعبة الاخرى، لكنهم واجهوا تلك الصعوبات كباقي اخوتهم، بكل صبر وتحمل، محتسبين كل ذلك في عين الله راجين منه الثواب...

فـي عمليات عاشوراء
بعد ثلاثة أشهر من تحرير النصف الجنوبي لبحيرة أم النعاج، قام المجاهدون بعمليات عاشوراء لتحرير النصف الشمالي للبحيرة. لقد اشترك شيخ سلام في تلك العمليات، التي نفذت الساعة الثانية ليلة 23/10/1985م، وكانت مهمة الفوج الثالث السيطرة على مواقع العدو، في أقصى الشمال الغربي للبحيرة. لقد تمكن المجاهدون من السيطرة على جميع الاهداف بسرعة فائقة، بلطف الله وعنايته، وراحوا يحكمون مواضعهم استعداداً لصد أي محاولة للعدو لاستعادة مواضعه...
 
عند ارتفاع شمس اليوم التالي، ارتفعت أصوات زوارق العدو، المحملة بالأفراد في محاولة لاستعادة المواقع القريبة من شطي المڇري والولد، فكان سلام وإخوته المجاهدون لهم بالمرصاد، فقد أوقعوا فيهم القتل، واغرقوا الكثير من زوارقهم، وأجبروا الاخرى على الفرار، ثم حاول العدو الهجوم عدة مرات، لكنها تهشمت على صخرة صبر المجاهدين وتفانيهم، ولم يجرؤ على تكرار حماقه بعد ذلك، فأصبح المجاهدون أسياد الأهوار، وأخذت زوارقهم تمخر مياه أم النعاج، وبقية مناطقه، بينما انكفـأ العدو إلى حافة الأهوار، في أبي خصاف والشلفه والمناطق الأخرى، دون أن يجرؤ على دخولها...

أجل ! لقد كان أبناء الشهيد الصدر، يتحملون كل الصعاب، وتسيل دماؤهم في سبيل الله، وتحرير بلدهم، من عصابة البعث المجرمة، حتى قضى من قضى منهم في هذا الطريق، وثبت من بقي، وما بدلوا تبديلا...

انسحبت افواج المجاهدين من الأهوار لتدخل دورة تدريبية، تمهيداً للقيام بواجبات في مناطق اخرى، وأوكلت مهمة الأهوار إلى فوج أنصار الحسين، وسرية من فوج الامام موسى الكاظم، وبعد انتهاء الدورة كلفت بواجب على قاطع السليمانية، وهناك كان شيخ سلام يشارك إخوته في نصب الكمائن، والدوريات القتالية، وباقي الواجبات، كما كان يتحف إخوته بمحاضراته ومواعظه، النابعة من صميم قلبة الكبير..

على ربى حاج عمران
بعد ذلك الواجب تلقى المجاهدون دورة تدريبية في منطقة جبلية ( في ضواحي قضاء سنقر )، تشبه في تضاريسها منطقة حاج عمران، وعلى الرغم من بنيته الضعيفة، كان الشيخ سلام يشارك في المسيرات التحملية، وباقي التمارين والفعاليات، حتى أصبح هو وإخوته في أتم الاستعداد، لخوض معركة جديدة في منطقة جبلية...

تحركت أفواج المجاهدين ( الشهيد الصدر، والثاني، والثالث، وحمزة سيد الشهداء، وفوج مالك الأشتر المدفعي ) إلى منطقة حاج عمران، واستقرا الفوج الثالث في أحد الأودية، وعند الغروب اغتسل الشيخ سلام وإخوته غسل الشهادة، ثم بعد اداء صلاتي المغرب والعشاء تعانقوا والتحمت صدورهم، وسالت دموعهم، وتخضبوا بخضاب العرس، لعلهم يظفرون بول الحور العين في تلك الليلة. ألقى الشيخ سلام على المجاهدين اخر وصاياه، وكان يفخر بإيمانهم، ووضح طريقهم، واستعدادهم التام للقتال، وكان يلاحظ البشر يطفح على وجوههم، التي أخذت تتلألأ في ظلام ذلك الليل، إنهم جند الخميني والصد الذين لا يعرفون الخوف،    ولا يهابون الموت في ساحات الوغى.

تحرك المجاهدون بخطى ثابتة، نحو عدو قد جمع لهم أنواع السلاح، وبنى الحصون، وأقام الموانع، ظناً منه أن ذلك يمنع المجاهدين من اقتحامها؛ لكن المجاهدين استطاعوا تحطيمها، فقد تقدم شيخ الاسلام وإخوته، واجتازوا حقول الألغام والأسلاك الشائكة ودخلوا تلك الحصون، رغم كثافة نيران العدو، وسيطروا عليها، وأذاقوا عدوهم الموت الزؤام، ولم ينج منهم إلا من سلم نفسه، ومن هرب من ساحة المعركة، فقد كانت نيران المجاهدين تلاحقه، خصوصاً بعد أن أنيرت المنطقة بنيران دبابات العدو التي كانت تحترق.

في تلك الملحمة الحسينية، التي أطلق عليها كربلاء الثانية، وأثناء صعوده أحد المرتفعات، أصيب الشيخ سلام، فهوى إلى الوادي، مخضباً بدم الشهادة بتاريخ 1/9/1986م، وعرجت روحه المطمئنة الى ربها راضية مرضية، وبقي جسده الطاهر هناك، ولم يعثر عليه إلا بعد سنين طويلة، فشيع ودفن في مقبرة الشهداء في مدينة قم المقدسة، ليبقى قبلة للأحرار والعاشقين لطريق أبي عبد الله الحسين علية السلام.

لقد ترك الشهيد تراثاً من المحاضرات والمواعظ بصوته ستبقى ذخراً للأجيال...

و . ق

 

المزيد من بل أحياء

آخر التعليقات