بغداد – الرياض.. وما بينهما من فراغ!

نشر فى : الأثنين 19-06-2017 - عدد القراءات : 35
كتب بواسطة : عبد الامير المجر

حين دخل كل من العراق والسعودية، الى القرن العشرين، بصفتهما دولتين حديثتي التشكل، كانتا قد تركتا خلفهما ارثا ثقيلا من الخلافات، توزعت عقودا من الغارات المسلحة على المدن العراقية، التي اتت على خلفية ظهور (الوهابية)، نسبة الى مؤسسها محمد بن عبدالوهاب، في الجزيرة العربية، والتي اتسمت بالغلو وتكفير الفرق الاسلامية الاخرى. وقد كان الحلف بين ابن سعود والوهابيين المعروفين بـ(الاخوان) مقدمة لنشوء الدولة السعودية الحديثة، بعد زحف النجديين الوهابيين على مملكة الحجاز وضمها، واقامة ما يعرف اليوم بالمملكة العربية السعودية.

ومنذ قيام الدولتين لم تكن العلاقة بينهما، يوما، ستراتيجية، لاسباب عديدة، اهمها ان العراق الملكي، كان هاشميا، وتنحدر العائلة المالكة فيه من الحجاز التي ضمها ابن سعود مطلع عشرينيات القرن الماضي، واطاح حكم الهاشميين فيها (الشريف حسين ومن ثم ابنه الملك علي).

وبعد ثورة تموز 1958، اصبحت وجهة العراق نحو المعسكر الاشتراكي بشكل عام، وله مواقف من بعض القضايا العربية يختلف فيها مع السعودية، واستمر مسلسل المناكفات بين البلدين عقودا طويلة لم تعرف العلاقة خلالها ودا حقيقيا او اقامة علاقات عميقة، تحيّد البعد العقائدي للانظمة او تلزمها بمراعاة المصالح المشتركة للشعبين، فالسعودية بلد غني ويحظى بحماية من القوى الكبرى لاحتوائه على ثروة نفطية هائلة وموقع حساس للمصالح الحيوية للبريطانيين سابقا ومن ثم الاميركان الذين ورثوا النفوذ عنهم لاحقا.

اما العراق فقد كان هو الآخر غنيا، ومكتفيا بثرواته المختلفة، ما خلق تنافسا معلنا وغير معلن على مسائل عديدة، ومحاولة كل منهما تزعم المنطقة بالاستناد الى امكانياته الذاتية الكبيرة، من دون ان يفكرا معا في بناء علاقة تكاملية طيلة تلك العقود، للاسباب المشار اليها. ولا ننسى محاولة كل منهما ان يكون صاحب النفوذ الاكبر في اليمن، الذي ظل منطقة تقاطع عراقي سعودي ولاسباب مختلفة، تفرضها ظروف واسباب كل مرحلة والى اليوم!، فبعد ان رحب العراق بثورة ايلول 1962 في اليمن بقيادة عبدالله السلال واقامة الجمهورية، ودعمها، كانت السعودية تحارب النظام الجديد وتعمل على اعادة الحكم الامامي، ولهذه المسألة قصة طويلة لا يسعها هذا المجال.

وفي العموم ظل العامل الخارجي، يرسم شكل العلاقات بين البلدين، وليس الضرورات الداخلية، لعدم وجود عوامل مشتركة، اقتصادية او ثقافية وحتى سياسية، حتى جاءت الثورة الايرانية في العام 1979 ووقوف النظام الجديد موقفه المعروف من النظامين في العراق والسعودية، حينها بدأ التقارب العراقي السعودي واضحا، فاثناء حرب الثمانينيات دعمت السعودية العراق بقوة، الاّ ان ذلك لم يتجاوز، اقتصاديا، مد انبوب للنفط العراقي باتجاه البحر الاحمر بعد قطع سوريا امدادات النفط العراقي عبر اراضيها في العام 1982 ولم تتكامل علاقات البلدين الاقتصادية في مفاصل مهمة اخرى، طيلة السنين التي سبقت احداث آب 1990 التي كانت بداية لقطيعة غير مسبوقة بين البلدين، حاولا ايقاف تداعياتها في مؤتمر القمة العربية في بيروت العام 2001 ليقينهما انهما ذاهبان الى المجهول، لكن احتلال العراق في العام 2003 انهى اية محاولة لنقل تلك العلاقة من مرحلة الترميم الى مرحلة التفاهم، مشيرين الى ان العرب في ذلك العام كانوا بحاجة الى اجماع للاعتراف باسرائيل مقابل عودتها الى حدود العام 1967، وكان من المفترض ان يكون ذلك بداية مرحلة جديدة من التعامل مع القضية الفلسطينية التي افترقت فيها سابقا، مواقف الدول العربية، لا سيما العراق والسعودية، وتسببت في مشاكل لهما.

بعد احتلال العراق اصبحت هواجس السعودية من العراق مزدوجة، فالنظام الجديد في اغلب قواه الفاعلة، يختلف عقائديا مع السعودية، والعراق منقسم على نفسه بسبب تداعيات ما بعد الاحتلال وتشظي الرؤية السياسية بين احزاب وقوى عدة،  الامر الذي اتاح للمنتفعين استثمار هذا الواقع والاشتغال عليه من زاويتين مختلفتين، تتكاملان في جعل العلاقة مع السعودية سيئة، فالسعودية ظلت تحلم بتغيير الواقع السياسي في العراق لصالحها، وكانت هذه رؤية غير واقعية، استثمرتها بعض الاحزاب والشخصيات لتحقيق مصالح جهوية او شخصية على حساب المصلحة الوطنية، وفي المقابل كان هناك من يعمل في العراق على تعميق الهوة بين البلدين، متأثرا بمواقف خلفياته الاقليمية والدولية من السعودية، حتى وصلت العلاقة بين البلدين الجارين اقرب الى العدائية منها الى الخلاف السياسي، والطرفان مسؤولان عن ذلك، لانهما لم يتفاهما على اسس مشتركة، تضمن في الاقل جوارا غير مؤذ لأي منهما.

ولعل حديث وزير الداخلية قاسم الاعرجي مؤخرا، بعد لقائه وزير الداخلية السعودي، وقول الاخير بأن المسؤولين في العراق والسعودية اخطأوا لانهم ظلوا يستمعون لاشخاص غير امناء اساؤوا للعلاقة بين البلدين، يؤكد ان العراق والسعودية ليس امامهما الا ان يرسما تصورا مشتركا لعلاقة تقوم على الحدود الدنيا للعلاقات بين الدول المتجاورة، في الاقل، ليتجنبا المزيد من المشاكل التي هما في غنى عنها.

لا شك ان الملفات العالقة بين البلدين كثيرة ومعقدة، وتحديدا في سوريا واليمن ولبنان وغيرها، لكن الواقعية السياسية يجب ان تفرض نفسها، اذ لا خيار امام الطرفين الاّ التفاهم او الذهاب بالمنطقة كلها الى المزيد من الفوضى والخراب، والزلزال الذي تعيش تفاصيله شعوبنا، لا احد يعرف كيف ستكون نتائجه، وماذا رسم الكبار لنا.. وهذا ما ينبغي ان يكون محور زيارة العبادي للسعودية، او هذا ما يريده شعبا البلدين ليعيشا بأمن وسلام.

المزيد من المقالات

آخر التعليقات