مهن إنسانية تفتقد أجواء رمضان العائلية

نشر فى : الأثنين 19-06-2017 - عدد القراءات : 59

 بغداد/ احمد محمد .........
ما ان يحين وقت الافطار حتى يجد علي جاسم نفسه في عجلة من امره لافتراش الارض ووضع الطعام للافطار بعد نهار طويل من المرابطة بالقرب من سيطرة التفتيش في العاصمة بغداد ، وعلى وجهه تبدو سيماء التعب والارهاق، ومع كل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها جاسم، فان كل ما يخالج شعوره هو الاستمتاع بان يكون مع عائلته المجتمعة على مائدة واحدة لولا ظروف العمل والوظيفة التي تفرض عليه الاسراع في تناول الافطار لاستكمال الواجب الوطني الذي يقوم به من اجل حماية المواطنين.السؤال الذي يتبادر إلى ذهن استاذ علم الاجتماع الدكتور محمد عبد الحسن هو: هل أن هؤلاء الناس الذين يفطرون أو يتسحرون على تلك الهيئة وخارج منازلهم يشعرون بالرضا؟

ويرد عليه جاسم: “ هناك اناس ينظرون الينا بعين التعاطف والاحترام، فما ان يحل موعد الاذان حتى تجد الاواني مغلفة بنفس العراقيين الطيب من كل صوب وجنب للأجر والثواب تصل الينا ، وهذا ما يخفف علينا اعباء البعد عن الاجواء العائلية عند الافطار والاجتماع معا على مائدة واحدة”.

ومن جهته يكمل استاذ الاجتماع الدكتور عبد الحسن كلامه قائلا:
“ان الفرد الذي يتناول افطاره أو سحوره خارج المنزل وهو يؤدي واجبه الوظيفي أو الوطني وقد افترش الارض، أو واقفاً يتناول ما بيده، يستشعر باهمية الدور الذي يؤديه للناس، وكذلك بقية افراد المجتمع، فأن اهمية ما تقوم به من عمل أو خدمة للبلد يكون اعظم واجل واكبرعندما يكون في ظرف يتعدى الحالة الاعتيادية، بحيث يتحمل الفرد اعباء وضغوطات لا يتعرض لها بقية الافراد في المجتمع”.

واجب انساني
 للعائلة العراقية طقوسها الخاصة في شهر رمضان الكريم، ففي العادة تقوم ربة البيت أو البنات باعداد الطعام في حين يأخذ الرجال اماكنهم على المائدة، ولكن هذا الامر لاتجده عند المقيم الدوري لاحدى ردهات الطوارئ في المستشفيات الحكومية والذي رفض الاشارة الى اسمه قائلا:
“تحت اي ظرف يبقى منتسبو الصحة من اطباء وممرضين في المستشفى تحسبا لوقوع اية حالة طوارئ، ففي بعض الاحيان هناك حالات تستوجب التدخل المباشر نتناسى حينها اننا في حالة صوم الى ان ننتهي من معالجة الحالة ومن ثم التوجه الى الافطار، فتأدية الواجب الانساني جعلتنا نتجاوز الامور العادية التي اعتاد عليها الفرد العادي في مثل هكذا مناسبات، لذلك ترى بعض الاطباء في ساعات الفطور او السحور يتربعون على الارض، وبعضهم الاخر قائما والاخر اثناء واجبه الانساني يتناول ذلك الطعام البسيط، سواء ان كنا منفردين أو مجتمعين، وقد تجد في بعض الاحيان المرضى يشاركوننا في الماء والحلويات أو الطعام، كنوع من انواع التضامن الاجتماعي والمشاركة الاجتماعية التي تفرضها عادات وطقوس شهر رمضان الكريم خاصة في العراق”.

ومن جانبه يوضح الباحث الاسلامي الشيخ قاسم السوداني ان:
“ساعات الصوم الطويل تتطلب أن ينعم هذا الفرد بنوع من انواع الراحة وان تكون حاجاته ملباة من خلال بعض انواع الاطعمة والاشربة، التي تتناسب وما يقدمه من جهد ونشاط، غير اننا نرى أن المنضوين ضمن الشرائح سابقة الذكر، قد يفطرون وهم ينظمون السير، أو وهم يمارسون دورهم الامني أو الخدمي، مما يجعلهم في حالة غير طبيعية، قد يكون الارهاق والتعب والشعور بالضغط من ابرز علاماتها ومؤشراتها، ولكن ان اعظم العبادات عندالله العبادات الاجتماعية، فهناك تعبير لاحد كبار علماء المسلمين يقول انني لا أعرف عبادة اعظم عند الله سبحانه
وتعالى من خدمة المحرومين والمستضعفين، فخدمة الناس هي اعظم العبادات عند الله سبحانه وتعالى، فالذين يقومون بالخدمات في المجتمع وان كانوا موظفين او عاملين وفق اجور ويأخذون رواتب على هذا الامر ولكن اذا كان هدفهم خدمة الناس والبعد الانساني كان حاضرا لديهم لاشك بان هذا العمل سيكون له اجر وثواب عند الله سبحانه تعالى”.

الأدوار الاجتماعية
 وفي هذه الاثناء شاركنا الحديث احد مقاتلي الحشد الشعبي حسين جاسب بنبرة فخر قائلا:
“دائما ما يكون افطارنا على السواتر الامامية ولا نستطيع ترك اماكننا لان العدو يستغل اي ثغرة او ارتخاء في تنفيذ هجماته خصوصا انهم لم يعد لديهم ما يخسرونه، ولذلك فان وقت الافطار قد يكون وقتا مثاليا لهم لتنفيذ مخططاتهم الشيطانية ولذلك لا مفر من الافطار على السواتر والعيون تراقب، فالافطار على التراب ونحن في مهمات قتالية افضل واثوب عند الله ، ونتمنى ان يكون هذا آخر افطار لنا على تلك السواتر وان يمن الله علينا بالنصر المؤزر ليفطر جميع العراقيين مع عائلاتهم والبلد مستقر امنيا” .

ويضيف عبد الحسن “ هناك عدد غير قليل من ابناء مجتمعنا يمتهنون مهنا انسانية وامنية وعسكرية، في بيئة قاسية كالبيئة العراقية، قد تجعلهم في حالة من الشد النفسي، وضغط يفرضه الواقع الذي قد يعقد أو يشدد من حالة تأدية هذه الفريضة التي تتطلب من كل فرد مسلم شروطا معينة في اداء فريضة الصوم كركن مهم من اركان الإسلام، وهذا الركن فيه نوع من الشدة ومغالبة النفس والامتناع عن كثير من الامور والاشياء التي تعد حاجات اساسية ومنها الأكل والشرب”.

وبين”الحياة الاجتماعية مليئة بالادوار الاجتماعية المفروضة على كل واحد من ابناء المجتمع تأديتها تجاه بقية الافراد الاخرين، ولعل تعدد الادوار بالنسبة للفرد الواحد وتشعبها يوقع الفرد بما يسمى صراع الادوار، فانت لديك الدور الوظيفي الذي يتطلب منك متطلبات ويفرض عليك فروضا خاصة ومعينة، قد تتعارض مع بقية الأدوار الاجتماعية الاخرى .

تضحيات أخرى
واذا كانت مهمة جاسب على السواتر الامامية لحفظ امن واستقرار البلد تحت وابل رصاص الاعداء تفرض عليه الابتعاد عن اجواء العائلة في رمضان، لكن صعوبة مهنة محمد عباس كعامل في احد الافران وتحت درجات الحرارة العالية لاتقل عنها وان كانت  لتوفير لقمة العيش لاولاده كونه المعيل الوحيد لهم، ويقول عباس ويداه مليئتان ببقايا عجين الخبز :
“بعض الناس ينامون في النهار عندما يصومون لكن انا لا اتجرأ ان افطر مهما كانت الظروف واستمر بعملي لأؤمن وجبة افطار لعائلتي فهم لايعلمون ما الذي اعانيه من اجل جلب القوت اليومي بدرجات حرارة عالية ومهنة قاسية كالافران التي قد تسبب ضغط العمل واحتمال درجات حرارة عالية مضافة لحرارة الصيف، امور تلقي بظلالها على هذه الشريحة المغلوب على امرها”.

ويعود السوداني ليكمل حديثه “ قد يشعر بعضهم انه يؤدي واجباً انسانياً ووطنياً، كما أن الدين ينظر إلى هؤلاء الافراد الذين يصومون ضمن هكذا اجواء على أن لهم اجورا مضاعفة وأعمالهم اقرب للقبول،هذا غير نظرة ابناء المجتمع الذين قد يقيمون عالياً هذا الجهد وهذه التضحيات، ومع ذلك فان منهم من قد يشعر بالتذمر، لانه في الاصل يعاني من حالة الضغط ومن اتجاهات متعددة، فانا امر في بعض الاحيان على هؤلاء واجد بان شفاههم متيبسة وهم ينتظرون ساعات الافطار تحت اشعة الشمس الحارقة ويمر عليه هذا الصيف القائظ وهو يتحمل الجوع والعطش ولكنه يؤدي عمله باخلاص وهمة،
لاشك بان هذا ثوابه عند الله سبحانه وتعالى عظيم وعليه ان يستشعر بان ليس فقط للصوم قيمة وانما خدمة الناس وحفظ صحة الناس وكل من يقدم مهنة اجتماعية وسيكون الصيام فيها مضاعفا ويختلف عن صيام امثالنا الذين يقضون الساعات تحت الظلال”.

ويعود عبد الحسن ليختتم حديثه بالقول: “مثل هكذا مناسبات قد تعزز الجوانب الانسانية والاخلاقية والتعبوية في نفسية وذات هذه الشريحة الاجتماعية، وبالتالي يفترض أن تكون هناك برامج حكومية واجتماعية تسعى باتجاه تعزيز قيم الاحترام والتقدير لهذه الشريحة التي يؤدي واجباتها تجاه المجتمع، واتجاه معتقداتها الدينية، وبما يعزز الشعور بالأهمية والفخر والاصرار على مواصلة العطاء”.

المزيد من تقارير و تحقيقات

آخر التعليقات