مناقب ومصائب

نشر فى : الأحد 18-06-2017 - عدد القراءات : 55
كتب بواسطة : حسين الصدر

 نشأت في ظلّ بني أميّة ظاهرة “القُصّاص”، الذين كانوا يتصدون لوعظ الناس ، وترغيبهم في أعمال الخير والبر والمعروف، وترهيبهم من المعاصي والذنوب.

وكان تلك الطبقة لا تتورع عن تنميق الاكاذيب وتزويقها، والادعاء بأنّها أحاديث شريفة منسوبة الى الرسول (ص)!!، مع أنَّها من الموضوعات التي لا أساس لها من الصحة على الاطلاق.

وكانوا يستحلون الكذب ويقولون: نحن نكذب له ولا نكذب عليه!!.

انهم – لفرط تفاهتهم – كانوا يتصورون انّ الدين بحاجة الى خزعبلاتهم وشعوذاتهم المنكرة، وهذا ما جعلهم يخوضون في مستنقعات آسنة تطفو على سطحها الجِيَف!!.

ثم انهم كانوا يحرصون على ممالأة الطغاة والسلاطين، طمعاً في جوائزهم وهباتهم من جانب، وضماناً لاستمرارهم في عمليات الوعظ الذي كانوا يعتاشون منه من جانب آخر.

روى ابن عساكر في تاريخ دمشق ج12 ص 112-113 عن الجنيد بن عبد الرحمن أنه قال:
“دخلتُ من حوران آخذ عطائي فصليتُ الجمعة، ثم خرجتُ الى باب الدرج فاذا عليه شيخ يقال له أبو شيبة القاص، يقص على الناس فرّغَبَ فرغبنا ، وخوّف فبكينا ، فلما انقضى حديثُه قال:
اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب،
فلعنوا أبا تراب – عليهم السلام -،
فالتفتُّ عن يميني فقلتُ له:
فمن أبو تراب؟
قال: عليُّ بن ابي طالب، ابن عم رسول الله (ص)، وزوج ابنَتِهِ، وأول الناس اسلاماً، وأبو الحسن والحسين، فقلتُ:
ما أصاب هذا القاص، فقمتُ اليه وكان ذا وَفْرةٍ فأخذتُ وفرته بيدي، وجعلتُ ألطم وجهه، وأنطح برأسه الحائط، وصاح واجتمع أعوانُ المسجد فوضعوا ردائي في رقبتي وساقوني حتى أدخلوني على هشام بن عبد الملك، وأبو شيبة يقدمني فصاح:
يا أمير المؤمنين: قاصك وقاص آبائك وأجدادك، أتى اليه اليوم أمرٌ عظيم
قال: مَنْ فَعَلَ بك هذا؟
فالتفتُ الى هشام وعنده أشراف الناس فقال:
أبو يحيى، متى قدمتَ؟
فقلتُ: امس، وكنتُ على المصير الى أمير المؤمنين، فأدركني الجمعة فصليتُ وخرجتُ الى باب الدرج، فاذا هذا الشيخ يقص فجلستُ اليه فقرأ فسمعنا، فرّغب من رغبّ،وخوّف من خوّف، ودعا فأمننّا، وقال في آخر كلامه: اختموا مجلسنا بلعن ابي تراب،
فسألت من أبو تراب؟ فقيل:
علي بن ابي طالب، اول الناس اسلاما، وابن عم رسول الله (ص)، وابو الحسن والحسين، وزوج ابنة رسول الله (ص) فو الله يا أمير المؤمنين لو ذَكَرَ هذا قرابةً لك بمثل هذا الذِكرْ ولعنه بمثل هذا اللعن لأحللتُ به، فكيف لا أغضب لصهر رسول الله (ص) وزوج ابنته؟
 قال:
فقال هشام: بئس ما صنع،
ثم عقد لي على السند، ثم قال لبعض جلسائه:
مِثلُ هذا لا يجاورني هاهنا، فيُفسدُ علينا البلد، فباعدتُه الى السند، ومات الجنيد بالسند، فقال فيه الشاعر:
ذهب الجود والجُنَيْدُ جميعاً
    فعلى الجودِ والجُنيدِ السلامُ
انّ انتفاضة (الجنيد بن عبد الرحمن) بوجه (ابي شيبة) – القاص المراوغ الكذوب – جعلته يتبوأ ولاية السند، بَدَلَ أنْ يتلقى العقاب من السلطان، لما أنزله بأبي شيبة من الضرب والإهانة ... لتطاوله على امير المؤمنين عليه السلام، جرياً على ما سنّه سلاطين بني أمية من سَبِّ امير المؤمنين ولعنه، حتى جاء عمر بن عبد العزيز فأبطل ذلك، وسرعان ما اسندت ولاية السند للجنيد، وغَمَرَتْهُ بركاتُ أمير المؤمنين (عليهم السلام) مكافأة لموقفه الشريف الذي سجله التاريخ.
ومن المفارقات الملفتة ان يكون تعيينه واليا على السند بداعي إبعاده عن البلاد ... خوفاً وخشية من تصديه لنصرة الحق وازهاق الباطل!!، بعد أنْ بان منه ما بان، في حقّ أمير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام).
واذا كان القصاصون قد انقرضوا وبادوا فان لهم ورثةً يسرحون ويمرحون ويرتقون أعواد المنابر بيننا اليوم.
وهم لا يملكون من المؤهلات العلمية والأدبية شيئا، لا بل هم يشيعون الخرافات، ويستشهدون بالاسرائيليات، ويسيئون الى الدين، وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا!!
وتقع على عاتق الواعين مهمات التصدي لأمثال هؤلاء المرتزقين باسم الدين، والخارجين على الضوابط والموازين.
لقد قلناها في أكثر من مناسبة :
انّ المنبر الحسيني بحاجة الى (نقابة) تُعنى بشؤون الخطباء، وتنظم أمورهم، وتتولى توزيعهم على المجالس وتبعد العناصر الطارئة على الخطابة، ممن يسيء اليها ولا يحسن ...
- 8 -
ان اعلان السب واللعن لامير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) من قبل الأمويين هو الدليل القاطع على عمق النزعة الجاهلية فيهم، (فعليّ) هو نفسُ (محمد) بنص القرآن ، قال تعالى :
(فَقُل تعالوا ندعو أبناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)   ال عمران /60
فالانسان لا يدعو نفسه – كما هو معلوم -.
يقول عبد الباقي العمري:
(المرتضى) (للمصطفى) نَفْسُهُ     
                                    وقُلْ تعالَوْا فيهِ نصٌ جلي

وقد قال عنه الرسول (ص) :
(عليٌّ مع الحق والحقُ مع عليّ)
وقال: (من كنتُ مولاه فعليٌ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله)
وقال:
(أنا وانت أبوا هذه الأمة)

ومع هذه المنزلة العظيمة، والمكانة السامية، والتاريخ المشرق، والتضحيات الجسام، كيف يفرضُ لَعْنُه على الناس صباح مساء وفي المساجد وعقيب الصلوات!!.
ان هذا هو الجذر التاريخي لانتهاك الحرمات في الاسلام.
انهم أخفوا مناقبه، وابتدعوا لعنه وسبّه، ومع هذا كله فقد بقي الشمس الساطعة، بينما تدحرجوا الى مزابل التاريخ مذمومين منبوذين تحل عليهم لعنات السماء والأرض.
[طباعة]

المزيد من المقالات

آخر التعليقات