الشهيد السعيد عامر ياسين ابريسم ... أبو ياسر الكاظمي

نشر فى : الخميس 25-05-2017 - عدد القراءات : 200

صحيفة بدر / خاص .....
الشهيد السعيد عامر ياسين ابريسم . أبو ياسر الكاظمي .....

خمسة تقاربت رؤاهم، وتآلفت قلوبهم، وانشد بعضهم إلى بعض، بعد ما اطّلع كل واحد منهم على ما يخفيه الآخر، من كره للبعث وأهله، وميل للحق وأهله، فاتخذوا موقفاً جريئاً، يعبر عن الولاء للإسلام، والبراءة من أعدائه، من البعثيين وأسيادهم الكفرة، فقد صمم عامر مع أربعة من أصدقائه في الوحدة العسكرية، على ترك جبهة البغي، واللجوء إلى دولة الإسلام، ليكونوا جنوداً أوفياء، تحت راية الجهاد في سبيل الله.

ولد عامر عام 1957م، في العاصمة بغداد، منطقة الفضل، وفيها أكمل الابتدائية، ثم انتقل إلى المتوسطة، لكنه ترك الدراسة، بعد اجتيازه الصف الثاني متوسط، ليعمل موظفاً في معهد المهن الصحية العالي ببغداد، ليساعد أسرته على العيش الكريم، في تلك الظروف، التي مر بها العراق، في ظل حكومة البعث العفلقي، الذي تجاوز الحدود في سلب خيرات الشعب، والتلاعب بثرواته الوفيرة، خدمة لنزوات صدام، وأعوانه من مصاصي الدماء.

في عام 1976م، استدعي للخدمة العسكرية الإلزامية، وتسرح من الجيش، قبيل الحرب العراقية – الإيرانية، لكنه استدعي مرة أخرى لخدمة الاحتياطية في بداية تلك الحرب، التي أشعلها صدام على الجارة إيران، يوم 22/9/1980م، لإسقاط التجربة الإسلامية الرائدة، بقيادة الإمام الخميني رضوان الله عليه.

بعد التحاقه بخدمة الاحتياط، دخل دورة في سياقة الدروع، ثم نسب إلى الفرقة الخامسة اللواء العشرين، الكتيبة العاشرة، الرعيل الثاني، كسائق دبابة.

في أواخر عام 1981م، استقرت كتيبته في الخطوط الأمامية للجبهة، في منطقة مخفر زيد الحدودي، شرق مدينة البصرة، وبعد التعرف على أربعة من العسكريين، كانوا معه في نفس الكتيبة، وبعد اكتشاف نوايا بعضهم البعض أكثر فأكثر، أجمعوا على موقف موحد، للتخلص من تبعات وجودهم، ضمن مؤسسة عسكرية، يقودها دكتاتور العراق الطاغية صدام، الذي راح يعبث بالجيش العراقي، الذي أسس ليكون الحصن الحصين، لحماية الشعب والوطن من الاعتداءات الخارجية، لا أن يكون منفذاً لمخططات الاستكبار العالمي، يزج به في حروب خاسرة، يدفع ثمنها الجيش والشعب، ويكون الرابح فيها أعداء الإسلام والأمة والوطن.

لقد اتفق الشجعان الخمسة، على الهجرة إلى الجمهورية الإسلامية، ضمن خطة جريئة، قرروا تنفيذها يوم 18/7/1982م، مقتدين بالموقف الشجاع، للصحابي الجليل، الحر بن يزيد الرياحي رضوان الله تعالى عليه، الذي كان ضمن معسكر ابن زياد، لكنه انتقل إلى معسكر الإمام الحسين عليه السلام، في اليوم العاشر من محرم، من عام 61 هـ عن تلك الهجرة، يروي المجاهد أبو نجم الكعبي قائلاً: (( طلب منا أحد الضباط الحضور إلى مقر الفرقة الخامسة، والدفاع عن أنفسنا لوجود كتاب فيه أمر باللقاء القبض علينا، وكنا ثلاثة نواب ضباط في أحدى السرايا المدرعة – أنا وفالح وعبد الرحمن – تربطنا علاقة ايمانية...

في تلك اللحظات الحرجة، قال لنا عبد الرحمن: يجب علينا أن نتخذ قرارا حاسما هذه الليلة، ونترك الجبهة، ونسلم نفسنا، إلى قوات الجمهورية الإسلامية قبل فوات الأوان...

كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل... قلت لفالح وعبد الرحمن، سأفاتح جمال خماس، وعامر ياسين بالأمر عسى أن يذهبا معنا، فإنهما كانا جنديين مكلفين معي في ناقلة الأشخاص، وبالفعل فاتحتهما فوافقا، ووضعنا الخطة التالية:

كان على عبد الرحمن أن يلعب دور مسؤول، يريد معاقبة مقصرين في واجبهم، فيأمُر بإرسالهم لجلب احدى ناقلات الاشخاص المعطوبة، وهنا يأخذ السيد جمال بالتوسل بعبد الرحمن... سيدي! سامحني، لقد أخطأت، لكنه يصر عليه، ويأمره بالتقدم، لاجتياز الحجابات...

تقدمنا – في وقت كانت منطقة شرق البصرة تشهد هجوما لقوات الجمهورية الإسلامية، في شهر رمضان من عام 1403هـ، الموافق لليلة 18/7/1982م،... أجل! تقدمنا إلى الأمام بسرعة، لكن أحد الضباط شك بأننا نروم لتسليم أنفسنا إلى قوات الجمهورية الإسلامية، فأمر بإطلاق النار علينا من مختلف الاسلحة، بما فيها المدفعية التي أخذت تقصف المنطقة قصفاً مركزاً، ومن حسن الحظ، عثرنا على موضع دبابة فاستترنا فيه، إلا عبد الرحمن، فكنا قلقين عليه...

وصلنا بسلام، ووصل بعدنا عبد الرحمن بنصف ساعة، فاستقبلنا بحرارة من قبل حرس الثورة، الذين كانوا على أهبة الاستعداد، لما رأوا من إطلاق نار كثيف..))

استقبل الخمسة برحابة صدر وحفاوة، من قبل القوات الإسلامية، ونقلوا الى مركز التحقيقات في مدينة الأهواز، الذي كان يضم الكثير من اللاجئين والأسرى، من مختلف الشرائح: ضباط وجنود ومراتب، وهناك الكثير قاموا بإرشاد المغرر بهم من الأسرى البعثيين، وأصبحوا يشار إليهم بالبنان، لموقفهم المشرف، ودورهم الرسالي، الذي قاموا به.

أولع عامر بمطالعة الكتب الإسلامية المتنوعة، ولا سيما مؤلفات المراجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره، كالمدرسة الإسلامية، والإسلام يقود الحياة، والفتاوى الواضحة، وقرأ تفسير مجمع البيان للطبرسي، كما قرأ كتب أخرى لمؤلفين آخرين، منها الإمامة، والمعاد، ومكارم الأخلاق، وأخلاق الرسول صلى الله عليه وآله، والشيعة في الميزان، والرسول الكريم دين ودولة، والتوابون، وغيرها.

كان الدم المسفوك ظلماً للشهيد الصدر، قد صدع قلب أبي ياسر بالحزن، وألهب في نفسه الحماسة، ووجد أن أفضل السبل للثأر لذلك الطود الشامخ، هو الانضمام إلى صفوف المجاهدين، فتطوع لقوات بدر بتاريخ 30/10/1983م، ضمن الدورة الرابعة – دورة الشهيد أبي رحيم دلو - ، في معسكر الشهيد الصدر، والتي تجاوز عدد أفرادها المائة مجاهد، ممن نذروا أنفسهم فداءً لقضيتهم العادلة، وكانت دورة مميزة، في تدريباتها العسكرية، ودروسها العقائدية والثقافية المتنوعة.

بعد إكمال التدريبات، كلفت الدورة بمهمة، بالقرب من مخفر زيد، في شرق البصرة، وهي نفس المنطقة التي هاجر منها هو ورفاقه الأربعة، فشارك في نصب الكمائن، والدوريات القتالية، وفي مهام جهادية أخرى.

رغم انتشارهم في مناطق عديدة من هور الحويزة، إلا أن المجاهدين لم يكتفوا بذلك، بل راحوا يستطلعون مخفر الترابة، والمناطق المحيطة به، وبتاريخ 9/3/1985م، شن أبو ياسر وفوجه هجوماً مباغتاً، سيطروا فيه على ذلك المخفر، ثم تقدم مجاهدو الفوج الثالث شمالاً، باتجاه منطقة البنيات ومالة عويد، حتى وصلوا إلى شط الدوب، أما الفوج الثاني فقد انطلق غرباً، وسيطر على شط النهروان، وبعض المناطق المحيطة به، ثم أخذ فوج الشهيد الصدر يرسل أفراد الاستخبارات لاستطلاع منطقة سيسون القريبة من بحيرة أم النعاج، ثم تقدم فسيطر عليها كما أرسل كمائن إلى ضفة شط الدوب لرصد تحركات العدو، وفي احدى تلك الكمائن، أستطاع المجاهدون لأن يوجهوا ضربة لزوارق قيادة للعدو، وتمكنوا من غنم أحداها، وأسر أحد ضباطه، ومجموعة معه...

لم يكتف المجاهدون بذلك، بل راحوا يستطلعون بحيرة أم النعاج، من أجل تنفيذ عمليات هناك، وبعد إكمال الاستطلاع، نفذوا عمليات القدس بتاريخ 23/7/1985م، إذ عين أبو ياسر آمراً لإحدى فصائل سرية الجهاد في فوج الشهيد الصدر، وتمكن فصيله من تحقيق جميع الأهداف، التي كلف بها، في جنوب بحيرة أم النعاج.

بعد أن تمت السيطرة على النصف الجنوبي لبحيرة أم النعاج، شرع المجاهدون في استطلاع نصفها الشمالي، وبتاريخ 23/10/1985، نفذوا عمليات عاشوراء، وكانت المهمة التي كلف بها أبو ياسر هي السيطرة على إحدى النقاط العائمة، وسط البحيرة، التي كانت تضم حضيرة من افراد العدو، مجهزين بهاونات ومدافع رشاشة من عيار 23ملم، وديمتروف، وبي.كي.سي، وبنادق، وقنابل يدوية، وقذائف آربي.جي7، وكان ذلك يتطلب روحاً تضحوية عالية، وسرعة ومباغتة، وبالفعل قام أبو ياسر، وأفراد مجموعته، بمحاصرة الهدف، وقتل مجموعة من أفراد العدو، ثم السيطرة الكاملة عليه، من دون خسائر، سوى جريح واحد، أصيب بيده.

ثم شارك أبو ياسر في الواجبات التي قام بها فوج الشهيد الصدر، في أوائل عام 1986م، على قاطع ماوت، في ضواحي السليمانية، فأنجز جميع ما أوكل إلية بدقة عالية.

في بداية شهر 8/1986م، سافر إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج، وهناك دعا ربه أن يحقق له أمنياته، التي طالما سعى لها جاهداً، وبذل في سبيلها الغالي والنفيس.

ما إن عاد إلى إيران، حتى سمع بخبر حاج عمران، التي نفذها المجاهدون في ليلة 1/9/1986م، فهرع للالتحاق بإخوته، الذين أتموا تحرير كامل الأهداف المرسومة، وأخذوا يصدون هجمات العدو المضادة، التي حاول فيها استرجاع ما فقد من مواضع في قمم گردكوه وگردمند، فخابت جميع محاولاته، وأجبر على الفرار، وهو يجر أذيال الخيبة والخسران، ووسط تلك الانتصارات، التي كان يعيشها المجاهدون، وصل عامر أرض المعركة، نهار يوم 1/9/1986م، ليحصل على شرف المشاركة في تلك العمليات، لكنه لم يمكث إلا ساعات قلائل، حتى أصابته شظايا مدفعية العدو، التي كانت تنهمر كالمطر، على الارض المحررة، فنقل إلى المستشفى للعلاج.

بعد تماثله للشفاء، عين آمراً للسرية الثالثة في فوج الشهيد الصدر، وفي أول حديث له أمام أفراد سريته قال : (( لقد أقسمت على الله تعالى، بضلع الزهراء عليها السلام، في البيت الحرام، في الكعبة المكرمة، أثناء مراسم الحج، أن يرزقني الشهادة في سبيله، في أول واجب جهادي، أكلف به))، وما هي إلا أيام حتى كلف بمأمورية، يوم 18/11/1986م، واثناء الطريق بين مدينة قم المقدسة ومدينة آراك،  تعرضت السيارة التي تقله، لحادث اصطدام مؤسف، أودى بحياته، لتلتحق روحه بأرواح الشهداء السعداء.

سلام عليك أبا ياسر، يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حياً.

و . ق

المزيد من بل أحياء

آخر التعليقات