الشهيد السعيد جبار مفتن صباح الكناني . أبو مقداد الكناني

نشر فى : السبت 13-05-2017 - عدد القراءات : 375

صحيفة بدر / خاص ....
الشهيد السعيد جبار مفتن صباح الكناني . أبو مقداد الكناني

نفوس أبت الظلم والجور، الذي مارسته الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق، ورفضت سياساتها الحمقاء وخصوصاً سياسات البعث المجرم، فحملت راية الجهاد، لإحقاق الحق، وإزهاق الباطل البعثي، وإقامة حكم يقوم على أساس الإسلام، لذا كان ضريبة تلك المواقف، التضييق والسجن والقتل، أو ترك العراق والهجرة، ومن بين من أستطاع الإفلات والهجرة شهيدنا جبار...

ولد في البصرة الفيحاء، أم المجاهدين والشهداء، عام 1950م، وفيها ترعرع، واشتد عوده في أحضان والدين مؤمنين، عنيا بتربيته، فكان طيباً، ذا خلق رفيع، ولذلك أحبه الناس، فارتبط معهم بعلاقات واسعة.

اتجه للعمل في السكك، لمساعدة والده على اعالة أسرته، وتهيئة العيش الكريم لها، لكنه لم ينس واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منتهزاً كل فرصة، ليبين للناس أساليب حزب البعث الخبيثة الهادفة إلى إبعاد الشباب عن تعاليم الدين، وكان يساعده في ذلك مجموعه من الدعاة، الذين كانوا يعقدون لقاءاتهم في حسينية دحام، في محلة الهادي ( خمسة ميل ).

من خلال إذاعة ( مونتيكارلو )، كان يتابع ثورة الشعب الإيراني المسلم، وقيادة الإمام الخميني للثورة، فقد استهوته شخصية الإمام، وتابع حركته من قرية ( نوفل لوشاتو ) في فرنسا إلى طهران، حيث حطم هناك عرش الشاه الذي كان شرطي أمريكا في المنطقة، وأسس حكومة إسلامية، فأرعب بذلك أمريكا، التي أخذت تخطط للإطاحة بذلك الحكم الجديد، عبر سفارتها التي حركت فلول الشاه، للقيام بانقلابات عسكرية، باءت جميعها بالفشل، واستمرا الثورة، واستمرا ضدها مؤامرات أمريكا، ثم دفعت بصدام لشن حرب شاملة عليها، بعد أن أستبدل بأحمد حسن البكر، فمهد لحربة على الاسلام بحمله شرسة، طالت جميع قطاعات الشعب العراقي، وخصوصاً المثقفة منها، وضاقت السجون بالمؤمنين، وأصبحت قوافلهم تعلي أعواد المشانق كل يوم.

لقد كانت ايام ما قبل الحرب على الجمهورية الإسلامية أياماً سوداء حالكة، وكان جبار يفقد فيها إخواناً مؤمنين له يوماً بعد آخر، فظل يتخفى إلى أن قرر الهجرة إلى الجمهورية الإسلامية، التي أحبها وأحب قائدها، فاتجه تلقاء ميسان ثم إلى هور الحويزة، واتخذه طريقاً لهجرته، حتى وصل إلى الجمهورية الإسلامية، بتاريخ 25/4/1980م.

لما وصل الجمهورية الإسلامية، انطلق لينضم إلى اخوته المجاهدين، في معسكر الشهيد الصدر، أطراف مدينة الاهواز، فأستقبل بحفاوة ممن سبقه إلى الهجرة، وراحوا يهنئوه بسلامة الوصول، والنجاة من القوم الظالمين، فغمرته فرحه عارمة، وهو يرى رجالاً قد اجتمعوا من كل أنحاء العراق، لمحاربة الطاغوت الذي جثم على صدر بلدهم، اجتمعوا للدفاع عن المستضعفين، وعن إخوتهم في سجون صدام اللعين.

أما والده الحاج مفتن، فلم يسلم من تعسف جلاوزة صدام، بل سرعان ما دوهم بيته في منطقة الگزيزة، وزج به في غياهب السجون، وبعد التحقيق والتعذيب، أفرج عنه بشرط أن يخبر جهاز الأمن عن أي معلومة تصله عن ولده جبار.

أما ولده محمد، فقد فتح عينه على جده، الذي أولاه عناية خاصة، تصور معها الطفل أنه والده، ولكن الايام لم تتمكن من إخفاء ذلك إلى الأبد، ففي عام 1986م، هجمت عناصر أمن البعث على منزلهم، وفتشته وعبثت بأثاثه المتواضع، عسى أن يجدوا فيه شيئاً يدلهم على تردد جبار عليه، ولما لم يجدوا شيئاً اقتادوا الحاج مفتن وابنه جواد إلى السجن، وأفرج عنهما بعد أشهر من التحقيق والتعذيب النفسي والجسدي... فقدحت تلك الحادثة في ذهن محمد الشكوك، وتساءل مع نفسه عمن يبحث هؤلاء، وفهم أنهم يبحثون عن والده، الذي ترك البيت وهاجر بدينه، قبل ست سنوات. لقد ازداد همه وشعر بالحزن، وأخذ يتذوق مرارة فراق الأب، وعطفه وحنانه.

منذ الأيام الأولى شمر أبو مقداد عن ساعديه، ليشترك بالعمل الجهادي، في داخل العراق، ثم يعود الى معسكر الشهيد الصدر، وكان يقوم بزيارات متفرقة لبيت أخته، التي كانت تسكن مدينة الشوش.
بتاريخ 22/9/1980م، شن النظام البعثي المجرم حربه الظالمة على الجمهورية الإسلامية، التي أزهقت فيها أرواح مئات الآلاف من الشعبين المسلمين العراقي والإيراني، وأهدرت الثروات، فشمر المجاهدون عن سواعدهم، وكان أبو مقداد في طليعة المشاركين في شن العمليات الجهادية على اقوات البعثية، وكانت له صولات وجولات في سوح الجهاد المختلفة، وأهمها اشتراكه في عمليات الفتح المبين، بتاريخ 20/3/1982م.

كان يوجه النداءات الى ابناء العراق كيلا يشتركوا في الحرب، وقال، في لقاء بث من القسم العربي في تلفزيون الجمهورية الإسلامية: (( أنا أبو مقداد الكناني، هاجرت الى الجمهورية الإسلامية، قبل الحرب بخمسة اشهر، واتصلت بالمجاهدين العراقيين من حزب الدعوة الاسلامية، وشاركت معهم في جبهات مختلفة، وأنا مستمر في هذا الطريق، وأن شاء الله النصر للإسلام، وصدام لن يبق كمعاوية ويزيد من قبله، اللذين حكما بالكفر والطغيان، وكذلك كل الحكام الكافرين الملحدين... فأوجه ندائي  الى الجيش العراقي والشعب العراقي، فحربكم هي حرب على الاسلام والدولة الاسلامية، ولم تحاربوا الصهيونية ولم تحاربوا الكفر، بل تحاربون دينكم ومذهبكم الشرعي... أنتم تقولون نحن أبناء علي والحسين، فلماذا تحاربون الاسلام؟!)).

استمر أبو مقداد في طريق ذات الشوكة، وخاض عمليات جهادية مع مجموعة من المجاهدين، قرب حدود مدينة البصرة، فأصيب بجروح في يده اليمنى، نقل على اثرها الى المستشفى، ولما تماثل للشفاء، عاد إلى صفوف اخوته المجاهدين.

امتاز بين المجاهدين بخلقه الرفيع، وفطرته السليمة، وإخلاصه فيما يصدر عنه من فعل، وكان همه الدفاع عن المظلومين من أبناء شعبه، ولذلك حمل روحه على راحته، ونذرها في سبيل ذلك، عملاً بفتوى مرجعه الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره.

بتاريخ 24/12/1983م، انضم الى صفوف مجاهدي بدر، وكانت له مشاركات في العمليات الجهادية، التي نفذت في هور الحويزة، وبعد سنه، وبعد سنه من العمل الجهادي المتواصل انهى خدمته في قوات بدر، وذهب للعمل الجهادي في أماكن اخرى.

بعد عمليات حاج عمران وما سطر المجاهدون من ملاحم فيها، عاد أبو مقداد بتاريخ 16/12/1986م، وبعد تلقيه دورة تدريبية لمدة عشرة ايام، نسب إلى فوج الإمام موسى الكاظم – سرية الشهيد أبي عمار الناصح، فكانت أرض جزيرة الصالحية ونهر جاسم والمناطق المحيطة بهما محل صولاته مع أخوته المجاهدين، الذين تعلقوا بآمرهم أبي طارق البصري، لما امتاز به من أيمان قوي، وتقوى رفعته إلى درجات الصالحين، وحسن التعامل مع أفراد فوجه، مما جعل المجاهدين يهيمون بحبه، ويفدونه بأرواحهم، لكن استشهاده السريع في تلك المعركة، نزل عليهم كالصاعقة... وعن تلك الاحداث يتحدث المجاهد ابو رضا النجار قائلاً : (( عندما دخلنا أرض المعركة، كلف الفوج ثلاث مجموعات بنصب ثلاثة كمائن، على شط العرب، وكان أبو مقداد مع أفراد الكمين الثاني، وكان المجاهد أبو حسين الخزاعي يتردد بين سرايا الفوج والكمائن، ولكني جرحت وكذلك جرح أبو حسين، فانسحبنا من منطقة العمليات، ولكني عرفت فيما بعد أن العدو كثف نيرانه على تلك الكمائن، ثم هجم بقوة كبيرة، ولاقى مقاومة بطولية من تلك الكمائن، التي أكثرت فيه القتل، وفي تلك المواجهات وقعت قذيفة مدفع بجانب أبي مقداد، فتقطع جسده الطاهر إرباً إربا، بتاريخ 20/1/1987م، وعرجت روحه الطاهرة الى ربها راضية مرضية، لتنعم بما أعد الله لها من النعيم المقيم.  

لما وضعت الحرب أوزارها، عثر على رفاته، فشيع ودفن في مقبرة الشهداء بمدينة الشوش،

فنم يا أخي إن حب الحسين                                 ســـيأتيك نوراً الى المضجع

لم يسمع أهله بخبر استشهاده إلا في عام 1992م، فأقاموا مأتماً بينهم خشية السلطة، ثم في عام 1999م، ذهبت والدة جبار الى اخيها في مدينة العمارة، وقام الأخير بإرسالها سراً الى الجمهورية الإسلامية، وزارت قبر ولدها الشهيد ثم عادت بعد شهر، لكن مصادر مديرية الأمن المجرمة أوصلت الخبر للمديرية، فقام عناصرها بدهم البيت وتفتيشه، فوجدوا الأم، ولما سئل الحاج مفتن عن ذلك الأمر، أجابهم: (( كيف لعجوز أن تذهب إلى هناك؟!))، وكفى الله شرهم.
 
سلام عليك أبا مقداد يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حياً، وسلام على أبويك اللذين توفيا في حسرة اللقاء.

و . ق
 

المزيد من بل أحياء

آخر التعليقات