الشهيد السعيد عبد الحسن حميد حسين العامري . أبو آلاء البصري

نشر فى : الثلاثاء 25-04-2017 - عدد القراءات : 279

صحيفة بدر / خاص ......

الشهيد السعيد عبد الحسن حميد حسين العامري . أبو آلاء البصري

نجوى مع الشهيد

لله درُّكَ آمنتَ بالإسلام ديناً، والجهاد سبيلاً، حتى أحببته حبّاً جمّاً، وكانت الشهادة أسمى أمنياتك، فرُحتَ تتغزَّل بها، ولكن ليس بالأشعار والكلمات، بل بزخَّات الرصاص، وأصوات المتفجرات، وفرقعات الألغام، فكان درس استشهادك، وحديث دمك أبلغ ما يروى للأجيال، وها نحن نقف وقفةَ إجلالٍ وإكرامٍ، أمام تضحيتك العظمى، نتلوها قصة ونحن عاجزين عن الوفاء، بل حتى الاعتذار لروحك الطاهرة.
لكنّـني أدور الإلـهَ وليــسَ لـي                          إلّا الذي في العالمين يَشــاءُ
أن يَجْعَلَ الفردَوْسَ بيتَك كُلَّمَا                          مَرّ النســيمُ وفَـاحَـت الأشــذَاءُ
واليومَ أهديـكَ الكِتَابَ مُنَزَّلاً                            والآيُ لا يَعلــو عليـهِ رِثــاءُ
الفاتحة مشفوعة بذكر الصلاة                          والتسليم على محمد وآلهِ النجباءُ

عبد الحسن الولد الخامس لأسرة متدينة كادحة. ولد في محافظة البصرة، حي المعقل،  1952م، والده كان عاملاً في شركة الموانئ، وجاهد براتبه المحدود في رعاية أولاده لينشأوا نشأة ايمانية، ويتحمّلوا مسؤولية الوقوف بوجه حزب البعث وأفكاره اللقيطة، التي حاول بها إبعاد المجتمع عن إسلامه، لذا كان جواب ذلك الحزب قطف زهرتي عمره، ولديه: عبد الحسين ومجيد، اللذين سبقا الشهيد أبا آلاء إلى جنّات الخلد، حيث أُعتقلا بعد أن أقضّ نشاطهم مضجع البعثيين الجناة، وأُعدِما يوم 31/05/1980م .

نشــأته ودراستــه

أكمل الابتدائية في مدرسه المعقل ثم المتوسطة هناك، قبل أن تنتقل الأسرة إلى قضاء(التنـومة)
في عام 1967م. حيث أكمل المرحلة الثانوية من دراسه في الإعدادية المركزية، ثم قبل في معهد الاتصالات السلكية واللاسلكية في بغداد، ليحصل على الدبلوم الفني، وبعد تخرجه، عُيّن  موظّفاً فنّياً في شركة الاتصالات في البصرة، إلّا أنّ توجهاته الدينية والسياسية، وإصراره على رفض الانتماء لحزب البعث المشؤوم، لم يرق للبعثيين الذين أحالوه بكتاب رسمي الى موظف إداري عادي في الدائرة، كخطوة أولى على طريق مسلسل حملات الانتقام والتصفية، التي كان يتّبعها نظام البعث العفلقي مع كل الخيَّرين من أبناء البلد.

نشاطــه الاجتمــاعي والــديني

كانت البصرة وخصوصا محلة المعقل في فترة الستينات والسبعينات، معتركاً ساخناً بين الثقافة الإسلامية الأصلية ودعاتها، وبين الثقافة العلمانية المستوردة، وٍكان دور دعاة الإسلام فيها رائداً، وكان مسجد الحكيم في المعقل آنذاك فوّاحاً بالعطر المحمدي، عامراً بالفتية والدعاة الذين اتخذوا الاسلام شرعةً ومنهجاً، وبرز منهم رجال، شع نورهم في المجتمع، وكان لهم وقعهم وتأثيرهم علي الشباب اليافع، ومازال الأحياء منهم، يستذكرون ويتذوقون تلك الأيام المفعمة بالروح الإيمانية والحماسة الثورية، حيث كانت تقام المهرجانات والاحتفالات في المناسبات الدينية، وتلقى الخطب والكلمات، وتعقد الندوات الإسلامية، التي خلّفت أجواءً  إيمانيّةً، أصبحت منهلاً فياضاً للشهيد عبد الحسن وأمثاله، ليبني منها شخصيته، ويحمل بين جنبيه رسالة الإسلام فكراً وعقيدة وجهاداً، وينشرها بين أصدقائه في المتوسطة والإعدادية، ويكوَّن معهم خلية عمل مشتركة، لنشر الفضيلة، والمنهج الصحيح، ومقارعة أفكار البعثيين الهدّامة، فكانت حصيلتها، ثلة مؤمنة من المخلصين، ذهبوا شهداء أمثال: سالم نعيم، وطارق يونس، ومنير محمد حسن، وطالب ظاهر، وصالح فالح، وأحمد عبد الزهرة، وجواد كاظم هجول، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ولعنة الله على أعدائهم، الى يوم الدين.

انتمى عبد الحسن إلى تنظيم حزب الدعوة الاسلامية، عام 1974م، لينطلق بالعمل الجهادي المنظّم، ويكون لبنة في كيان دولة إسلامية منشودة، فكانت نشاطاته واسعة بين زملائه وأقرانه في الإعدادية المركزية وفي محلته، وكان يرتاد حسينية الحاج عبدون مع الكثير من أصدقائه المجاهدين الدعاة، مثل الشهيد محمد غضبان، والشهيد صباح عباس، يؤدّون فيها نشاطات ثقافية، ويعقدون حلقات قرآنية، فلم يرق للبعثيين المجرمين ذلك الوضع وذاك التحدي، فأخذوا يراقبونه، ويضايقونه، بأساليب ماكرة، بدعوته، للانتماء لحزبهم تارة، وتارة بالاعتراض عليه سائلين: (( لم لا تشارك في المسيرات التي يقيمها الاتحاد الوطني للطلبة))، فلم يكترث لوعودهم ووعيدهم، بل كان يتحدّاهم في مواقف كثيرة بحضور المجالس الشعبية والحسينيات، ويدعو الشباب لاتخاذ الموقف الواعي والمسؤول تجاه بلدهم ودينهم، فكانت ثمرة جهوده ثلةٌ من الشباب، شدّوا على يديه معاضدين ومساندين، كان من بينهم الشهيد كريم محسن، وعبد الامير خضير، وكريم حسن بتيل، رحمهم الله تعالى، وأذاق أعداءهم ذُلّ الهوان.

اشتدت مضايقة  البعثيين له ولأسرته، خصوصاً بعد اعتقال أخويه الكبيرين، فكان التجنيد الالزامي منفذه للتخلص من المضايقات في الدائرة، وكانت الحرب العراقية الإيرانية آنذاك في أيامها الأولى، وكان يتسلم رواتبه من دائرته عند رأس كل شهر، وفي آخر مرة استلم فيها راتبه التقاه، وهو ينزل السُلّم، ضابط الأمن المكلّف باعتقاله، سائلاً إيّاه: (( هل تعرف عبد الحسن حميد حسين؟)) فأجابه(( نعم! أعرفه، تجده في الطابق الثاني، ليستلم راتبه))، وبهذه الإجابة الذكية، تخلّص من زمرة الإجرام في ذلك اليوم، ليلتحق بالجبهة سريعاً، ويشقّ طريقه إلى الهجرة، التي كتبها الله تبارك وتعالى على الذين آمنوا، للنجاة بدينهم وأنفسهم من الظالمين، وكان ذلك أوائل الشهر العاشر من عام 1980م.

وصل عبد الحسن الجمهورية الإسلامية في إيران، ليواصل الجهاد مع إخوة مجاهدين سبقوه إلى الهجرة، من أبناء بلده ومحافظته، فأقام معهم في معسكر الشهيد الصدر (أطراف مدينة الأهواز)، الذي خُصّص للمجاهدين العراقيين آنذاك، والذين انصهروا في تشكيل أطلق عليه (قوات الشهيد الصدر) ، لتكون أولى مشاركاته مع مجموعة منهم في كردستان العراق، لتنفيذ عدة مهام جهادية، وواصل عمله حتى تشكيل قوات بدر، إذ سارع إلى الانضمام إلى دورتها الأولى بتاريخ 06/12/1982م، التي كانت النواة لذلك التشكيل، الذي اتّسع ببركة دماء أبنائه، وأصبح فيلقاً، أرهبت عملياته نظام البعث...

شارك أبو آلاء في عدة واجبات، حتى اختير مدرّباً لدورات المجاهدين، التي كانت تقام في المعسكر، وتولّى قسم الإعداد للّياقة البدنية، والتدريب على الأسلحة الخفيفة، فكان أسوة في تفانيه في ساحات التدريب، كما كان أسوة في خلقه الرفيع، وحسن تعامله مع المتدربين، وكان يعطي جُلّ وقت استراحته لهم، فكانت قلوبهم تهفو إلية، وكانت غرفته محلّاً لأنسهم، يتزوّدون من أخلاقه وكلماته الطيبة...

وعن سلوكه يتحدّث أبو منتظر الكاظمي قائلاً: كُلّفت مع أبي آلاء ومجموعة من المجاهدين بواجب جهادي في كردستان، فتأثّرت بشخصيته وأخلاقه وإخلاصه، وكم كان خدوماً لإخوته...
استمرّ أبو آلاء في عمله، حتى حانت لحظة الوفاء الإلهي لعباده المخلصين، لحظة نجّى بها أرواح مَن حوله من إخوانه المتدرّبين، عندما انفجرت قنبلة يدويه، انفلت مسمار أمانها بين يديه، فراح يحضنها ببدنه، بحركة توَّج بها جهاده وإيثاره، بالإقدام على الموت، بقدم ثابتة، ونفس مطمئنّة، لتنقله شهيداً إلى جوار ربه، ليلتحق بأخويه، اللذين سبقاه إلى الشهادة.

شيّع مع كواكبة من شهداء عمليات حاج عمران في طهران ثم في مدينة قم المقدسة، ووري جثمانه الطاهر الثرى في مقبرة الشهداء.
السلام على من تقطّع بدنه، ليُحي نفوساً مؤمنة، وليكون لهم آية.

من وصـية الشهـيد رحمــه الله

الحمد لله على ما أنعم له والشكر على ما ألهم، الحمد لله رب العامين، الحمد لله الذي جعلني من جنده، وأعانني على نفسي، وتولّى كفايتي، ولم يكلني إلى الناس فيهينوني...
قال تعالى (للفُقَراء المُهاجِرينَ الَّذينَ أُخرِجوا مِن ديارِهِم وَأُموالِهِم يَبتَغونَ فَضلاً مِنَ اللهِ وَرِضواناً وَيَنصُرونَ اللهَ وَرَسولَهُ أولَئِكَ هُمُ الصّادِقونَ ).
إخوتي الأعزاء! ( كُلُّ نَفسٍ ذآئقَةُ الَموتِ )، فلتكن موتتننا كما قال أمير المؤمنين ((العز بالسيف))، لنرجع هذه النفس المطمئنة الى ربها، راضية مرضية.
إخوتي إن! دولتنا الإسلامية في إيران دولة فتية، في ريعان شبابها، وما أن أحس الأعداء بنضوجها حتى تكالبت أياديهم الخبيثة، للقضاء عليها، فما موقفنا نحن – أبناء " محمد " صلى الله عليه وآله و" علي " عليه السلام – إلا أن نبذل أنفسنا وأموالنا وكل ما نملك، من أجل الدفاع عن هذه الدولة، لتختلط دماؤنا مع دماء الإمام"  الحسين "عليه السلام.
إخوتي! دولتنا دولة وحيدة وغريبة، فما أحلى الدفاع عنها لغربتها، باعتبارنا غرباء ومجاهدون.
أعزائي! الله الله في الجهاد، الله الله في الإمام الخميني، فإنه أمل المستضعفين، الله الله في الدفاع عن الإسلام، فلا تملّوا ولا تهنوا ولا تحزنوا، لأنكم الأعلون.
...
أوصي زوجتي أم آلاء بالحفاظ على بناتي آلاء وأمل، وإن بلغن السن فلا يتزوّجن إلا الرجل الصالح البارّ، الذي نذر نفسه للإسلام.
في أمان الله وفي رعاية الله، يا إخوتي في الله، جعلكم الله من جنده وأوليائه، وأن يلبسكم وسام الشهادة، إنّه على كل شيءً قدير.
وإلى اللقاء عند رب كريم وغفور حليم رحيم.
رب اغفر لي وارحمني وتجاوز عن سيئاتي. إنّك نعم المولى ونعم المجيب.
(كُلُّ مَـن عَـلَيها فانٍ٭ وَيَبقَى وَجهُ رَبَّكَ ذو الجَلالِ والإِكرامِ) .
الــعبد الفقيـر أبـو آلاء البصــري
الجمعة 18 ذي القعدة 1403، المصادف 26/08/1983م

سلام عليك، يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حيّاً.

و . ق
 

المزيد من بل أحياء

آخر التعليقات