الشهيد السعيد شريف مرتضى محمد علي. أبو علاء الكاظمي

نشر فى : السبت 15-04-2017 - عدد القراءات : 207

صحيفة بدر / خاص ......
الشهيد السعيد شريف مرتضى محمد علي. أبو علاء الكاظمي

ولد بمدينة الكاظمية المقدسة، عام 1962م، في أسرة طيبة عرفت بحبها للإسلام وبولائها لأهل البيت عليهم السلام، وفيها تربى، واشتد عوده، ومنها ومن جواره للإمامين موسى بن جعفر وحفيده محمد الجواد عليهما السلام، رشف كل معاني السمو وفاضل الأخلاق، فكان محبوباً لدى الجميع...

أكمل الدراسة الابتدائية في مدرسة الفتوح، ولم يكمل المرحلة الأخيرة في متوسطة الكاظمية.

كان يحث إخوته وأخواته على الالتزام بتعاليم الشرع الإسلامي، وكان قدوتهم في سلوكه وتعامله معهم ومع الآخرين، وكان يتعامل معهم بكلّ محبّة، كما كان يسعى في سبل الخير، ويصل أرحامه، وأقرباءه، وإخوانه المؤمنين باستمرار، ولا يصدر منه سوى قول المعروف، وفعل الجميل، ولهذا سمّاه الناس: أبو الأخلاق الحلوة.

منذ صغره عاش جعفر بقلبه الكبير، وحسه المرهف، آلام العراق وما كان يلاقيه شعبه، من ظلم واضطهاد علي يد زمرة البعث المجرمة، فقد شمّر، بتوجيه مجموعة من المؤمنين الرساليين، عن ساعد الجد، وأخذ على عاتقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد أن أدّى ما عليه من الوعظ والدفاع بلسانه، وبعد أن ضاقت به السبل، غادر العراق عام 1980م، متوجهاً إلى سوريا مع أخيه الأكبر، وكان عمره آنذاك إثني عشر عاماً، وبعد فترة هاجر إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ما أن وطأت قدماه تلك الأرض، حتى سارع للالتحاق بالمجاهدين، وكانت له مشاركات عديدة في قاطع الوسط، حيث نفّذ عدة واجبات في أطراف قضاء بدرة...

التحق بصفوف قوات بـدر، التي كانت تتخذ لها معسكراً في ضواحي مدينة الأهواز... أجواء ايمانية، علاقات أخوية، محبة وإخلاص ونشاط، كانت تسود ذلك المعسكر، فلا وجود للأنا وحب الذات هناك، بل الإيثار في كل شيء حتى في بذل الأرواح والمهج. في تلك الأجواء وجد أبو علاء ضالته، فانضمّ إلى الدورة الثامنة- دورة الشهيد أبي وفاء العراقي- التي بدأ منهاجها التدريبي، بتاريخ 8/5/1984م، فكانت فرحته لا توصف، وهو يلبس زي الجهاد، ويشارك من رفع راية الجهاد، ذد نظام حزب البعث...

في صباح الأول للدورة، استيقظ مبكراً، وخرج الى ساحة العراضات، فبدأ البرنامج بتلاوة آيات من القرآن الكريم ودعاء من ادعية الصحيفة السجادية، وبعدها بدأت الهرولة الصباحية، التي كان يصاحبها قراءة أشعار من قبل أحد المجاهدين، فيرددها الآخرين بصورة منتظمة، مع وقع أقدامهم، وكان من بين تلك الأشعار:


كربـلا! أرض الحسين -                                  سوف نأتي زاحـفيـن
مرحـبـاً بالـموت عِــزّا                                  في دروب الثــائـرين
قتدنـا نهـج الإمــام                                         نحو تحقيق الســلام
مزّق الفجــر الظـلام                                       في عيــون النائمـين
نحن جنــد أوفيــاء                                          يـوم لبيــنا النــداء
قـد كتـبنا بـا لدمـاء                                          آيـة الفـتح المبــين
مثل أشـــبال الأســود                                       لا نبــالي بالقيــود
سـوف نجـتـاز الحـدود                                    لاجتثــاث الظـالمـين
نمـلأ الأفـق الـرحيب                                      بالشـــــظايا واللهيب
نـرجع الـحق السلــيب                                    مـن أيــادي الغاصـبين
سيـدي طـال الفــراق                                     شـعبي يذبــح فـي الـعراق
أين أنت اليــوم أيــن                                       يا لثــارات الحســين
كربـلاء أرض الحســين                                  ســوف نأتي زاحفيـن
مرحــباً بالمــوت عــزاً                                  فــي دروب الثــائـريــن


وهكذا استمرّت الدورة عشرين يوماً، وكلما كانت تقترب من نهايتها، ازداد المجاهدون شوقاً للالتحاق بإخوتهم في خطوط المواجهة...

في يوم 30/5/1984م،  نُسّب أبو علاء إلى الفوج الثاني، لتكون أولى مشاركاته معه في هور الحويزة، فبعد أن نقلتهم سيارة الى حافة الهور، قامت الزوارق بنقلهم الى نقاط المجاهدين، المستقرة، في باب الهوى وبرگة سيد نور وتقاطع سبل الكسر بالبرمائية، وفي النقاط الأخرى التي انتشرت في الجانب العراقي لهور الحويزة. وعلى الرغم من ارتفاع درجات الحرارة، وكثرة البعوض والحشرات الأخرى المؤذية في الاهوار- التي لم يدخلها من قبل- إلا أن أبا علاء استطاع التغلب عليها، بصبره وتحمله وحبّه للجهاد، بل كانت راحته بوجوده في الكمائن المتقدمة، التي كان يرسلها الفوج لرصد تحركات العدو، والتي كانت تتطلب الجلوس، وعدم الحركة لساعات طويلة...

تميّز أبو علاء بطبيعته السمحة، واخلاقه الطيبة، ونفسه الكريمة، والتزامه بصلاة الجماعة بشكل مستمر، وكان يبذل كل ما لديه لإخوانه المجاهدين، ويقدم لهم كل ما يستطيع، من عون ومساعدة، وكان يوصيهم دوماً بمواصلة طريق الجهاد والشهادة، وكان في ذلك قدوة لإخوانه المجاهدين.

استمر حضوره في الأهوار وكانت أولى العمليات التي يشارك فيها تحرير مخفر الترابة، إذ كان واجب الفوج في مرحلتها الثانية، وبعد تحرير المخفر، انطلق أبو علاء وإخوته للاستقرار في شط النهروان والمناطق المحيطة به، ومراقبة تحركات العدو، وقد نجحوا في تدمير قواته التي حاولت الهجوم على المخفر.

أخذ المجاهدون يخططون للسيطرة على بحيرة أم النعاج، فبدأت وحدة الاستخبارات باستطلاع مواقع العدو، وفي ليلة 23/7/1985، شنّ المجاهدون عمليات واسعة أطلقوا عليها ( القدس )، سيطروا خلالها على النصف الجنوبي من البحيرة، وكان واجب الفوج الثاني فيها على شرق وجنوب شرق البحيرة، وبعمليات خاطفة ونوعية، حقق المجاهدون أهدافهم، بكل جدارة، وتمكنوا من تدمير قواعد العدو، وأسر العديد من أفراده، وتدمير إحدى سرايا ما يسمّى بفرسان الهور، وكان دور أبي علاء في تلك العمليات مشهوداً.

يتحدث عنه صديقه ورفيقه في الجهاد السيد كريم الموسوي قائلاً: كان يتميز بالشجاعة والإخلاص، والتفاني في سبيل الله ، وإطاعة الأوامر، ومعرفة الكثير من فنون القتال، التي أتقنها في الدورات التي تلّقاها، فكان مقاتلاً تارة، ومخبراً تارة، ورافعاً للألغام تارة أخرى...

بتاريخ 23/10/1985م، نفذ المجاهدون عمليات أطلقوا عليها عاشوراء، سيطروا خلالها على ما تبقى من بحيرة ام النعاج، وكان هجومهم صاعقاً، وفيه كان أبو علاء مخابراً في الفوج الثاني، الذي تمكن من السيطرة على مناطق المطر والفصلة والڇبّاب وأم مسحاة ومناطق اخرى، ثم تصدى الفوج في نهار اليوم التالي لمحاولة، قام بها العدو، لاستعادة ما فقد من مواقع، فدمرت القوة المهاجمة، وقتل وجرح معظم أفرادها.

وتحدث عنه السيد كريم الموسوي أيضاً، قائلاً: (( لقد كان حركة دؤوبة، حتى بعد انتهاء عمليات عاشوراء، فقد رأيته بعد انتهائها، يقوم بتأمين الاتصال السلكي بين نقاط المجاهدين المتقدمة، رغم القصف المدفعي الشديد للقوات المعادية على تلك النقاط، وقد كُنت آنذاك في إحدى تلك النقاط، وعندما اشتد القصف، طلبنا منه تأجيل العمل، حتى يخُفّ القصف، لكنه رفض، واستمر في عمله، وذلك يدل على شجاعته وقوة قلبه...).

كان أبو علاء يؤجّل نيّته في الزواج، خشية أن يُبعده عن ساحة الجهاد، ويذكر عدد من أصدقائه، أن أبا فلاح النجفي شعر مرة برغبته في الزواج، فأحبّ أن يزوجه أخته، وعزم على الذهاب لخطبة الزواج كل من الحاج أبي زكي المنصوري وأبي شهيد الجعفري وأبي محمد القمي وأبي مصطفى القمي، لكن شاء الله تعالى أن يستشهد جميع أولئك المجاهدين في عمليات حاج عمران.

انسحب مجاهدو الفوج الثاني من هور الحويزة، وبعد اجتيازهم دورة تدريبية في منطقة   ( آغا جاري )، أنيطت بهم، وبفوج الشهيد الصدر، والفوج الثالث، مسؤولية المرابطة في بعض الجبال المهمة في قاطع السليمانية، فكان أبو علاء يشارك في الدوريات القتالية، ونصب الكمائن، وكلّه عزيمة ونشاط، في تنفيذ تلك المهام.

من الملاحم التي خاضها أبطال بدر، عمليات حاج عمران، على مرتفعات كردمند وگرده كوه،
وكانت عمليات يستحيل تنفيذها، حسب كل المقاييس العسكرية، فالعدو قد تحصّن في المرتفعات، وأقام حوله سدوداً، ومدّ أسلاكاً شائكةً، وزرع حقول ألغام، ومشاعل عثرة، وأعدّ كل أنواع الاسلحة، واستتر في خنادق، وصل بعضها البعض بشقوق، ليسهل التنقل بينها، ووضع صخوراً واكياساً ترابية،... وعلى تلك المنطقة صمّم المجاهدون على الهجوم...

بعد استكمال التدريبات اللازمة، والاستطلاع الدقيق، وضعت الخطة، وفي ليلة 1/9/1986م، نُقل المجاهدون إلى المنطقة، وترجلوا في أحد الأودية، واستقر أبو علاء مع الفوج الثاني في منطقة التحشّد، وبعد أداء صلاتي المغرب والعشاء، ودع المجاهدون بعضهم بعضاً، بأحلى وأجمل ما يكون عليه التوديع، فكان المجاهد يحتضن أخاه، والدموع تسيل على خدّيه...

أخوّة صادقة وحب صادق في الله، وها هم على مفترق طريق، قد لا يلتقون بعده، في الحياة الدنيا، وأخذ أبو علاء يقبل إخوته، طالباً منهم براءة ذمته، عن كل ما صدر منه، رغم أنهم لم يروا منه إلا جميلا...

انطلق مجاهدو ذلك الفوج، لتنفيذ واجبهم على السنّ الصخري، إلى يمين بقية الأفواج، أجل انطلقوا رغم أن القصف المعادي كان يرافق مسيرتهم. وقبل وصولهم إلى الثغرة، سقط المجاهد الحاج أبو زكي شهيداً ، وفي بداية الصولة، سقط أبو آمنة الخفاجي وأبو علي المشهدي، ثم صال المجاهدون في الساعة الواحدة إلا بضع دقائق، رغم شدة النيران التي وجهها العدو نحوهم، لعلمه بتلك العمليات، وهناك تجلّت الروح الحسينية، وتجلّى الإيثار والفداء بأبهى صوره، فقد تسابق الفتية، من أبناء الشهيد محمد باقر الصدر، مرخصين الأرواح، حتّى اقتحموا تلك الحصون، وهدّموها على رؤوس أصحابها، وأذاقوهم ذُلّ الهزيمة... لقد ذهل الاعداء، ولم يعرفوا إلى اين المفرّ، فقتل من قُتل منهم، وأُسر من أُسر منهم، ودحرج البعض أنفسهم إلى الوادي عسى أن ينجوا من نيران المجاهدين، وسيطر المجاهدون على جميع الاهداف، وبدأ العدو بقصف المنطقة، وفي أثنائه، أصيب أبو علاء بشظايا قذيفة مدفع في رجليه، فسقط على تلك الرُّبا شهيداً، وهو يحمل جهازه اللاسلكي على ظهره، فكانت نهاية المطاف لروحه التواقة للشهادة، التي عرجت إلى أعلى عليين، لترافق أرواح النبيين والصدّيقين والشهداء و الصالحين، وحسن أولئك رفيقا. وعند الصباح، أخذ العدو يجمع فلوله، ويزجّ بهم قسراً، مهدّدا كل من يتردّد منهم بل قتل، ودفع بهم للقيام بهجمات مضادة، لعله يستعيد ما فقد من مواضع، ولكن كل هجماته تهشّمت على صخرة المجاهدين...

شيع مع كوكبة من شهداء تلك العمليات تشييعاً مهيباً، في مدينة طهران، ثم في مدينة قم المقدسة، ووري جثمانه الطاهر الثرى، في مقبرة الشهداء.

و . ق
 

المزيد من بل أحياء

آخر التعليقات