الشهيد السعيد جليل آقا مراد آداوخان . أبو أحمد آزادي

نشر فى : السبت 15-04-2017 - عدد القراءات : 363

صحيفة بدر / خاص .....
الشهيد السعيد جليل آقا مراد آداوخان . أبو أحمد آزادي

ولد في مدينة البصرة 1967م، وعاش في وسط أسرة بسيطة، متواضعة الحال، يغمرها حب أهل البيت عليهم السلام فنشأ على ودّهم، متمسّكاً بعراهم الوثيقة، فأكسبه ذلك الصدق والوفاء لدينه، وغدا متحليّاً بالأخلاق، متزيّناً بحميد الخصال.

سكنت أسرة جليل في منطقة القِشْلة في البصرة الفيحاء، مدينة الشهداء، المعروف اهلها بالطيبة وكرم الأخلاق. عمل والده في مقهىً في حي العشّار، فعرفه الناس بالبشر وطيب المعشر وحب الخير، لكن حزب الجريمة، البعث وأزلامه أبَوْا أن يتركوا تلك الأسرة الوادعة تعيش بأمنٍ وأمان، فقد انتُزعت من أُعز ما لديها وهو الوطن، الذي يعتبر تركه كرهاً كقتل الإنسان نفسه، كمل قال تعالى (وَلَو أَنّا كَتَبنا عَلَيهم أَنِ اقتُلوا أَنفُسَكُم أَوِ اخرُجوا مِن ديارِكُم ما فَعَلوهُ إلَّا قَليلٌ مِنهُم). هكذا هو وقع ترك الديار والوطن عنوة على نفس الإنسان، من هنا ندرك كم هي الغصص والآلام التي تجرعتها تلك الأسر المظلومة.
كان جليل في الصف الخامس الابتدائي، عندما داهمت بيتهم أوباش البعث، واقتادوا والده عنوة مع أخوته الخمس وأخواته الثلاثة، إلى مركز الشرطة، فباتوا ليلتهم في السجن، وعن تلك المأساة تتحدث أخته الكبيرة عالية قائلة: ((اودعونا السجن بعد التحقير والإذلال... وكان أصغر إخوتي – وعمره آنذاك نحو سنة وشهرين- جائعاً فطلبت له أمي من الشرطة قليلاً من الشوربة، وتوسّلت بهم من أجل ذلك، فأبوا أن يعطوها شيئا منها... لقد كانت الامتحانات النهائية على الأبواب، وكم كنت أودّ أن اشارك فيها ، لكن كل أمانيّ وآمالي قد تلاشت...))

من ذلك السجن نُقلوا إلى مدينة العمارة، ومن حدودها تمّ تهجيرهم يوم 06/04/1980م، وبعد طول مسير، وصلوا إلى مدينة دهلران، ومنها نقلوا إلى مدينة مهران، ثم إلى مدينة إيلام، حيث استقروا في أحد مخيماتها، لأكثر من عشرين يوماً، ثم جاء أحد اقاربهم ليكفلهم ويأخذهم إلى قرية (آسمان آباد). لم يطل بقاؤهم هناك إلا بعضة أشهر، اختاروا السكن في مدينة إيلام.

لم يواصل جليل دراسته، وتوقف على ما انتهى إلية قبيل التهجير، لهدف أكبر، فقد كان يعيش في حالة التفاعل الشديد مع ما تمر به إيران من أحداث الحرب، وما يحققه جند الإسلام من انتصارات على قوات البغي الصدامي، فكانت نفسه توّاقة إلى أن يكون له دور في نصرة الإسلام، والاقتصاص من ذلك النظام الإجراميّ، الذي عاث في الأرض فساداً.

عن تلك الفترة تتحدث أخته عالية قائلةً(( كان جليل يحب الإمام الخميني حبّاً جمّاً، وعندما رآه مرة يخطب في قوات التعبئة الشعبية، عن أحداث الحرب، وتآمر قوى الشر على الجمهورية الإسلامية، وضرورة التواجد في الجبهات... تأثّر بحديثة أيما تأثر، فصمم على الذهاب إلى سوح الجهاد، وقال: أريد أن أذهب وأستشهد، وأخذ يكثر من ذكر الموت، ويقول: أستشهد وأنا شاب خير لي من أن أموت على الفراش، فالموت لا مفر منه حتى لو عمرتّ مئة عام، فلمَ لا أموت شهيداً في سبيل الله... وأخذ يحدثنا عن منزلة الشهيد وكرامته، ثم قال: إن شاء الله سوف أشفع لكم)).

هكذا كان جليل وهو في مقتبل العمر، يتفجّر فتوّةً وعنفواناً، وهمّة عاليةً، ونفساً متطلعة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية، واندفاعاً وتفانياً في الدفاع عن مبادئ الدين الحنيف، من هنا استجاب لداعي الجهاد، ولبى نداء الإمام الخميني في نصرة الإسلام، فكان من المبادرين للانخراط في قوات التعبئة الإسلامية، وكانت له مشاركة في جبهة شرق البصرة و (گيلان غرب  ).

تطوع في صفوف مجاهدي قوات بدر، فانتظم مع الدورة الخامسة- دورة الشهيد أبي علي الأمير- التي شرع منهاجها التدريبي يوم 24/02/1984م، وكانت من الدورات المكثفة، فتميز فيها بانضباطه، وجدّه، ونشاطه، وطاعته للأوامر، وبالصبر واحتمال المصاعب، وكان يتفجر شوقاً لإكمالها، ويشعر بالسرور والفخر، وهو يرتدي زي الجهاد، ويمتشق سلاحه حتى نال ثناء المسؤولين المشرفين على الدورة، وبعد انتهائها نسب إلى الفوج الثاني، فعرف بين أفراده بحسن الالتزام، والامتثال، ودماثة الأخلاق، وخفة الظلّ.

كانت جزيرة مجنون أولى محطاته الجهادية، حيث تحققت أمنيته بالاشتراك في العمليات، التي كان يخوضها المجاهدون على أطراف هور الحويزة.

أثناء عودته إلى أهله في إجازته الدورية، كان جليل يقص على أخيه جلال وأصدقائه قصص المجاهدين وبطولاتهم وتضحياتهم، وعن ذلك يقول صديقه المجاهد أبو فلاح الثوري:((كان جليل يتحدث لنا عن بطولات المجاهدين، فقررنا أنا وابن عمي سمير التطوع في صفوف المجاهدين...)))

لم يقف نشاط المجاهدين عند عمليات القدس ، بل راحوا يستطلعون ما تبقى من بحيرة أم النعاج، بغية تطهير من دنس البعثيين، وبعد استكمال الاستطلاع، وضعت خطة العمليات  وأوكلت مهمة السيطرة على الجانب الشرقي للبحيرة للفوج الثاني.

في ليلة 23/10/1985م، شن المجاهدون عمليات واسعة، أطلقوا عليها (عاشوراء)، اشترك فيها أبو احمد مع فوجه، الذي نفذ هجماته المباغتة والسريعة بدقة متناهية، وحقق أهدافه بزمن قياسي، فأثار ذلك جنون العدو البعثي، فأخذ يزج بقواته علّه يسترجع ما فقد من مواقع، ففي صباح اليوم التالي للعمليات، جرب حظه العاثر مع المجاهدين، فكانوا له بالمرصاد، إذ كان الشهيد أبو الخير على رأس السرية التي تصدى أفرادها للعدو، كالأسود الغاضبة، وخاضوا معهم معركة حاسمة، تجلت فيها عظمة الإيمان الراسخ، واقتدار وروعة التضحية، من أجل الإسلام، فقد غدا أفراد العدو بين قتيل وأسير، ولم ينج منهم سوى زورق واحد، لاذ بالفرار، فطاردته زوارق المجاهدين حتي مواضع العدو على حافة الاهوار، وفي تلك المواجهة استشهد المجاهد القائد أبو الخير، وبقيت مآثره خالدة في ذاكرة إخوانه المجاهدين.
 من أهوار الجنوب إلى مرتفعات گردمند و گردكوه في حاج عمران، حيث بدأت الاستعدادات على قدم وساق، لخوض العمليات التي صارت منعطفاً، ونقطة تحول في  تاريخ المجاهدين العراقيين. توزعت أفواج المجاهدين على ثلاثة محاور: فوج الشهيد الصدر على المحور الأيمن، والفوج الثاني على المحور الأيسر (السن الصخري) ، والفوج الثالث على محور الوسط، وأوكلت لفوج حمزة مهمة إسناد القوة المهاجمة، ولفوج مالك الأشتر مهمة الإسناد المدفعي.

كانت عمليات صعبة، بسبب وعورة المنطقة، وعلم العدو المسبق بها، إذ كان القصف متواصلاً منذ انطلاق الأفواج من منطقة التحشد، باتجاه الاهداف المرسومة، وقد تساقط جرحى وشهداء اثناء المسير، لكن ذلك لم يكن ليفتَّ في  سواعد المجاهدين، أو يؤخر حركتهم، بل زادهم عزماً وإصراراً على مواصلة الطريق، لأنهم وطّنوا أنفسهم على المكاره والمصاعب والتضحيات، بل كانوا يتلذذون بها لأنها بعين الله سبحانه.

لم يبق إلا دقائق عن ساعة الصفر، حتى بدأ الرمي المباشر من قبل العدو بكافة الأسلحة على الفوج الثالث، فاضطر المجاهدون للرد عليهم، واضطر المحور الأول والثاني للبدء بالهجوم قبل موعده المقرّر، فكان هجوماً صاعقاً ارتفعت في صيحات ( الله أكبر )، التي زلزلت الجبال الرواسي، تحت أقدام العدو الباغي، وملأَت قلوبهم رعباً، فولّت فلوله مذعورة، لا تلوي على شيء في السفوح والوديان، وما هي إلا فترة قصيرة حتى لاحت بشائر النصر للمؤمنين المجاهدين، بفضل الله ونصره، ورعايته لهم، وعنايته بهم، ولم ينفع البعثيين علمهم بالهجوم واستعدادهم له.

عن تلك العمليات، يتحدث أحد المجاهدين، واصفاً موقف أبي أحمد فيها، قائلاً:((قام أبو أحمد على رأس مجموعه من افراد الفوج، بحركة التفاف على رامي الرشاش البعثي، لإسكات نيران سلاحه، التي كانت تنطلق على مسافة أمتار منا، وكان أبو أحمد لولب تلك الحركة، لكن العدو لاحظ ذلك، فأطلق النار عليه وأصابه في كتفه، غير أنه بشجاعته وإقدامه وحركته السريعة، لم يدع الثواني تفلت من يده، ففي اللحظة التي اخترقت الرصاصات جسده، ألقى بقنبلته اليدوية على رامي الرشاشة اللعين، فقتله واثنين معه عله الفور، وأراح المجاهدين من نيرانه، التي كانت تؤثر على سير الهجوم، لكن جرح البطل المقدام كان بليغاً، والنزف شديداً، فذهبت إليه لأساعده وأضمد جراحه، فأبى ذلك، وقال دون اكتراث لجرحه النازف: اتركني إن جرحي بسيط، والحق بإخوتك لقتال البعثيين، ولا تتركوا لهم فرصة))، وأضاف:(( كنت أرى دماءه النازفة، تجري بلا انقطاع، فأدركت أن جرحه بليغاً، فطلبت من أحد المجاهدين مساعدتي في تضميد جرحه، وبقي صابراً إلى صباح اليوم التالي، حتى أخلي إلى الخلف.))
ولكن هل تنتهي مآثر ذلك الأنموذج الفريد من المجاهدين في الصبر والصمود والتضحية؟، وهل تنتهي الدروس التي قدمها للأجيال؟... كلا، لقد أراد الله له درجة أرفع، ومقاماً أسمى، فما إن سمع أبو أحمد – وهو تحت العلاج الطبي – أن العدو قام بهجوم مضاد لاستعادة المواقع التي خسرها، حتى ترك العلاج، وقفل راجعاً الى مسرح العمليات وساحات الوغى، وبالرغم من جراحه، وتهب وسهر وعناء قتال الليلة الماضية، التحق بإخوته  في الفوج ليصد معهم هجمات البعثيين اليائسة وشاء الله أن يجتبيه ويختاره إلية شهيداً يوم 1/09/1986م، إذ سقطت بقربه قذيفة، أصابت شظاياها رأسه ورجليه، فخر إلى الارض مضرجاً بدمه الزكي، وعرجت روحه إلى بارئها راضية مرضية، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.  

عن كيفية تلقي أخيه (أبي ليلى) خبر استشهاده يتحدث المجاهد أبو فلاح الثوري قائلاً: (( أبرني أبو طارق البصري بأن جليلا قد استشهد، ولا يستطيع هو إخبار أبي ليلى، وطلب مني أخباره، فذهبت إليه وقلت له: لقد منحنا – أنا - وأنت –إجازة، فدعنا نسافر إلى أهلنا في إيلام، فقال : لا، قد يحتاجونني هنا، فاضطررت لإخباره باستشهاد أخيه، فقال: هنيئاً له، قد أصبح عريساً!، ثم تركني وانصرف فتبعته وقلت له: علينا أن نشارك في مراسم تشييع جنازته، فقال: انشاء الله!، واضاف: الشهادة باب من أبواب الجنّة، وأخي كان أهلاً لها، أما أنا فلست مستحقاً لها، فعجبت لجوابه، وأقنعته بالذهاب إلى إيلام، للمشاركة في مراسم العزاء...))

أجل بتلك الروحيّة، وبذلك اليقين، كان المجاهدون يستقبلون الشهيد والشهادة، مواقف لا نجد لها مثيلاً إلا في أوائل صدر الإسلام، وفي أصحاب علي والحسين ( عليهم السلام ).

لقد كان أهل أبي ليلى ينتظرون، بملابسهم الجديدة، قدوم أبي أحمد، لكي يخطبوا له، حسب طلبه، ابنة عمّه، حتى أنهم لما رأوا أبا ليلى وصديقه شيخ معمّم، ظنّوا أنهما قدما به لإجراء العقد الشرعي، وقالت والدته: اين أبو أحمد؟ فقلت لها: ها تأذني لنا بالدخول أوّلاً؟!، لقد كان موقفنا صعباً، وقد سمعت أخواته يتحدثن عن سيّارة العروس... بدأ الشيخ يمهّد للحديث حتى لا يفاجأهم  بالخبر حتى انتهى به إلى مواساتهم باستشهاده، فانقلب الفرح الى حزن... ثم ذهبنا لتشيع الجنازة، وهناك شهدنا تجمُّعاً كبيراً للعشائر من الرجال والنساء، فقال لي أبو ليلى: هل سأشيّع مثل أخي ؟!))،شيعتـه جموع غفيرة من المؤمنين إلى مثواه الأخير، ودفن إلى جنب أخيه في مقبرة آسمـان آبـاد.

سلام على أبي أحمد يوم ولد، ويوم أستشهد، ويوم يبعث حيّاً، وسلام وعلى أخيه أبي ليلى يوم ولد، ويوم أستشهد، ويوم يبعث حيّاً.


و . ق

 

المزيد من بل أحياء

آخر التعليقات