العراق ... ماقبل وبعد الحشد

نشر فى : الأحد 19-02-2017 - عدد القراءات : 2366

كتب رئيس التحرير : طالب ياسر .......
في الوقت الذي انتظر فيه الشعب العراقي ان ترقى الحكومة العراقية الى مستوى المسؤولية التاريخية في احتضان الحشد وتكريمه عبر دعمه وطرح القوانين التي تحفظ حقوق ابنائه وتجعل منه القوة الرديفة للقوات المسلحة العراقية ، يعمد السيد العبادي الى الطلب من قادة الحشد ان يقلصوا من عديده بنسبة 30% دون ان يطرح أي تساؤل عن مصير هولاء الـ 30% ممن قد تركوا اعمالهم وارزاقهم وعوائلهم ولبوا نداء المرجعية والوطن العزيز ، في خضم أزمة مالية وبطالة حادة يعيشها العراق .

وعلى الرغم من انه طلب غير منصف وغير مدروس ولا يعبأ بالاخطار الامنية التي تواجه العراق الذي يحتاج الى مواقف وبطولات الحشد ، الا ان طرح السيد العبادي خلا من أي معنى انساني يمكن ان يصدرعمن اقسم امام العراق والدستور على حفظ العراق وشعبه.

كان من المؤمل وقبيل معركة تحرير الجانب الايمن من الموصل
ان يكون اجتماع رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة مع قادة الحشد الشعبي في 15/2/2017 مليئا بالدعم والرؤيه الوطنية خاصة وان الحشد والقوات المسلحة على ابواب معركة مصيرية لاكمال عمليات التحرير بعد إنقاذ الجانب الايسر من الموصل ونجاح قوات الحشد الشعبي من تحرير وتامين اجزاء كبيرة من محافظة نينوى ونجاحه الباهر بقطع طرق الامداد والمواصلات ومحاصرة تلعفر وقيادات الارهاب فيها ، مما اتاح للقوات المقاتلة في الجانب الايسر بالتحرك والقتال بمعنويات عالية ومرونة كسرت العدو بعد ان عجز عن ايصال الامدادات لقواته في الموصل وتلعفر.

ومن خلال نظرة بسيطة نسلطها على الحشد الشعبي ستثار أمامنا تساؤلات عدة  ؛ يضم الحشد ما يقارب 152 الف منتسب يقسّمون كالأتي :-

30 الف مقاتل حشد الانبار وصلاح الدين ، يرتبطون ميدانيا وحركياً بالجيش ورواتبهم ودوائرهم مع هيئة الحشد .

12الف منتسب هو حشد الموصل بقيادة (اثيل النجيفي)
ويضم هذا الحشد السنة فقط دون أي وجود للتركمان والايزيديين او الشبك او المسيح على الرغم من ان هذه المكونات لها وجود وحضور كبير في نينوى وكانت هذه المكونات من جملة من تضرر من هجوم داعش على الموصل ولها الارادة والقوة للمشاركة بتحرير اراضيها من الارهاب.
 وتبقى من الحشد ما يقارب 110 الف شخص،يضم في صفوفه من المسحين والايزيدين والشبك والتركمان والكورد الفيلية.

اكثر من 25 الف مقاتل بين شهيد وجريح ومعاق .

 مساحة الارض المحررة هي من شمال وشمال غرب بغداد الى صلاح الدين ونينوى وديالى واجزاء من كركوك.

يمتلك اسلحة متواضعة قياسا بالقوات المسلحة الاخرى ، وفي الغالب تتم عملياتهم دون غطاء جوي او غطاء جوي متواضع من قواتنا الجوية.

ثمة تساؤلات تطرح هنا :-
لماذا في هذا الوقت بالذات والعراق على ابواب معركة مصيرية يطالب رئيس الوزراء بتقليص الحشد 30% وهل يتناسب هذا الاجراء مع ارادة المرجعية التي اكدت في أكثر من مرة " انه ليس لدينا ما نفتخر به سواكم "!! .

ولماذا لايتم تقليص باقي صنوف القوات المسلحة مثلا إذا كان العراق قد تجاوز المخاطر الأمنية ومطامع الدول الأقليمية ، رغم اننا نطالب ان يتم دعم وتقوية كافة صنوف القوات المسلحة العراقية من اجل قوة العراق على المستوى الداخلي والاقليمي .

هل ان مبرر التقليص يعود لميزانية الدولة غير المستقرة والمرهقه؟ ، وهل تتحمل الميزانية كل هذا الفساد في مفاصلها ومؤسساتها ولا تتحمل رواتب وحقوق حماة الوطن ومن يحفظ كرامته ومكانته وعرض نسائه دون ان يباع في سوق النخاسه !.

 ان ميزانية الحشد سنويا ، مثلا لا حصراً ، هي اقل من ميزانية جهاز مكافحة الارهاب ، وهو يضم 12 الف مقاتل فقط .

ثمة تسريبات سياسية بان رئيس الوزراء يخضع لضغوطات دولية واقليمية ومحليه بشأن تقليص الحشد الشعبي ، وفي الوقت ذاته فان الشعب العراقي يطالب وعبر قنواته السياسية والشعبية ومنظماته بتاسيس وزارة للحشد الشعبي رديفة للدفاع والداخليه في حماية امن العراق ومصالح شعبه الذي يعي تماما ؛ان معركة العراق ضد اعداءه مستمرة من اجل سيادته وامنه القومي والحاجة الى إستراتيجية من شأنها بناء وطن غادره الامن لعقود قبل ولادة هذا الحشد ، فهو بحاجه لجيش مؤمن بوطنيته ذو تجربة وخبرة وارادة لا تقهر.

الحشد الشعبي ورغم كل الحروب الاعلامية التي تشن ضده مع بداية كل عملية تحرير لإرض وإنسان العراق ، ورغم كل العوائق وفقدان الامتيازات لمقاتليه وللشهداء والجرحى  لكن مازال يقاتل بشموخ وايمان كبيرين.

وعلى الرغم من ان الحشد الشعبي يمثل الصفحة المشرقة من تاريخ العراق لأنه يمثل وحدة العراق  فهو عامل استقرارمجتمعي أيضاً ، لانه يعد من ابرز ركائز القوة والامن في العراق بعد المرجعية، ولعل هذا العامل هو مايثير حفيظة الدوائر الإقليمية والدولية  .

الاحتلال الامريكي للعراق ادخل البلاد في مأزق تاريخي  وامر تجاوزه لم يعد سهلاً ، حيث ان حل الجيش قد اضعف الدولة ومؤسساتها وادخل العراق في حالة من الفوضى مما سهل للجماعات الارهابية الدخول الى العراق تحت مبررات شتى.

ورغم المحاولات الجادة للحكومات العراقية بعد 2003 باعادة قوة الجيش وابرازه كقوة شرعية ، الا ان التناقضات الداخلية التي عاشها عقب الاحتلال انعكست بشكل مباشر على الجيش واربكت تطوره ، وكذلك التجاذبات السياسية الداخلية الحادة، وحالات من الفساد التي سادت في الجيش كاي مؤسسة من مؤسسات الدولة الأخرى، قد أثّر على اداءه كقوات فشلت في بسط الامن وحماية سيادة العراق.

المشهد الوطني وبشكل عام شهد تمزقا حادا من خلال ضعف مؤسسات الدولة والامنية منها على الخصوص ، والتي اعتقد البعض انها دولة ومؤسسات آيلة للسقوط ، وقد تأكدت هذه المخاوف مع سقوط عدد من المحافظات بيد داعش المنظمة تنظيما عقائديا وعسكريا وامنيا عاليا .

وامام هجوم الارهاب واقتطاع ثلاث محافظات ، أي اكثر من ثلث العراق اصبح محتلا ، وازمة اقتصادية حادة بسبب تراجع اسعار النفط في الاسواق العالمية واقتصاد احادي وسط اهمال كبير في قطاعي الزراعة والصناعة العراقية وفساد يعطل مشاريع وتنمية الدولة .

وأما على المستوى الأقليمي ؛ بات العراق يفتقر الى العلاقات الصحيحة والتاثير الفاعل ، بل اصبح ميداناً لاستهلاك السياسات الاجنبية وصراع المصالح الدولية والاقليمية.

والاقليم الكردي بدوره أخذ يتمدد جغرافيا وسياسيا ولا يلتزم بقوانين الاتحاد الفدرالي .

وامام كل هذا الضعف والفساد والتخبط وتقدم داعش نحو بغداد تاتي فتوى المرجعية التاريخية للسيد السيستاني (حفظه الله ) بالجهاد الكفائي .. والتي فاجئت الجميع بلا استثناء ، في مضمونها وتوقيتها بل وحتى في قوة استجابة الشعب العراقي لها .

وبالمقابل فان القوى الوطنية المقاومة بقيت تحتفظ بقواها البشرية وحضورها الميداني رغم نشاطها الذي اقتصر في الغالب على البعد السياسي ، ونجحت بفضل تاريخها وخبرتها الميدانية والسياسية  بتنظيم وتوحيد صفوفها وأوقفت تمدد داعش وحققت القوات الشعبية للمتطوعين والتي اطلق عليها بعيد تشكيلها اسم الحشد الشعبي ، حقق انتصارات كبيرة اذهلت العدو ولفتت الأنظار لهذه القوة الجديدة التي بدات تبرز ليس على مستوى العراق بل على مستوى جيوش المنطقة ، وكذلك عمق التاييد الشعبي العراقي لهذا الكيان الجديد ، مما اثار جدلا واسعا سياسيا واعلاميا على المستوى الدولي والاقليمي والمحلي ، لكنه بالتاكيد اربك الكثير من السياسات والمشاريع .

الولايات المتحدة باتت ترقب بعين القلق لتلك القوة المتنامية والتي تحظى بتاييد المرجعية والشعب العراقي ، وتعتبر هذه القوة وعلى المستوى الأستراتيجي موضع تهديد لمصالحها ووجودها في المنطقة0

تركيا هي الاخرى بدات تعيد النظر بسياستها خاصة وان الحشد اصبح على مقربة من حدودها الجنوبية وتخشى تعاون هذه القوى الكبيرة مع الأنفصاليين اعدائها التاريخيين من الـــ p.k.k0
ان وجود الحشد كقوة اساسية في معارك تحرير المحافظات الثلاث المحتلة وبروزه كقوة عسكرية تمتاز بالقدرة القتالية الهائلة والامكانية الفائقة على المناورة ونقل المعارك بسرعة كبيرة الى مناطق مختلفة وخاصة بعد اقتراب الحشد الشعبي من الحدود السورية ومحاصرته لتلعفر وقطع الامدادات والمواصلات لداعش وتقطيع اوصاله بدأت الولايات المتحدة ودول المنطقة تعيد حساباتها في النظر الى العراق مع وجود هذه القوة ، كما جعل اسرائيل تعيد حساباتها للمرة الالف حول لبنان مع وجود حزب الله .

ان الارادة التي تعمل على اضعاف الحشد هي إرادة الأنصياع لإجندة خارجية  ، وهي ارادة قاصرة عن استيعاب الدور التاريخي والإستراتيجي لوجود هذا الحشد في حفظ وبناء مستقبل العراق من جهة ، وكذلك هي إرادة لإضعاف قوة فتوى المرجعية وتفكيك التلاحم الذي تجلى لمواجهة الارهاب .

يبقى السؤال : -
 كيف يمكن النظر للعراق وترجمة الفتوى التاريخية من دون الحشد الشعبي ؟
 

المزيد من الإفتتاحيات

آخر التعليقات