حول هدم البيشمركة لدور وقرى عربية في كركوك ونينوى

نشر فى : الخميس 15-12-2016 - عدد القراءات : 2086

صحيفة بدر / بغداد ...
 
د.عبدالخالق حسين
تشر موقع الـ(BBC Arabic) تقريراً مع فيديو جاء فيه: "قالت منظمة هيومن رايتس ووتش لحقوق الانسان يوم الاحد [13/11/2016]، إن القوات الكردية في العراق، البيشمركة، هدمت بشكل غير مشروع على مدى السنتين الماضيتين مساكن وقرى عربية في محافظتي كركوك ونينوى عراقيتين في مناطق طُرد منها مسلحو ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، فيما قد يرقى الى جريمة حرب. وأضافت المنظمة الحقوقية، أن عمليات تدمير المنازل وقعت في مناطق متنازع عليها شملت 21 بلدة وقرية في الفترة بين سبتمبر/أيلول 2014 ومايو/أيار 2016 .إلا أن حكومة إقليم كردستان العراق تنفي تطبيق سياسة ممنهجة لتدمير منازل السكان العرب." (رابط التقرير والفيديو في الهامش)*
 
يرينا الفيديو أنقاض البيوت والقرى المهدمة، وقد قابل المراسل مجموعة من السكان عرضوا حالتهم البائسة في وسط هذا الخراب. لا شك أن هذا العمل مدان، لأنه تطهير عرقي، إذ كما جاء في التقرير أنه "يرقى الى جريمة حرب".
 
وبدوري قمت بتعميم رابط التقرير، فاستلمتُ عدة ردود أفعال، أغلبها تدين هذا العمل، عدا رد واحد من صديق كردي عاتبني على هذا التعميم، رغم اعترافه أنه لا يكذب التقرير. وعذره في عدم تعميمه أن قوات البيشمركة هي الآن تحارب الإرهاب الداعشي، والوقت غير مناسب لتعميم هكذا أخبار!
 
والسؤال هنا، ليس هل الوقت مناسب أم غير مناسب، بل هل هذا التقرير المصور صحيح أم ملفق؟ 
في رأيي أن التقرير صحيح لأنه بالصوت والصورة، و من جهة محايدة، إضافة إلى مقابلة المراسل لمجموعة من الناس البسطاء، وإذا كان هذا العمل خطأ، ويرقى إلى جريمة حرب، فيجب علينا كمثقفين إدانته لا إخفاءه، وتقديم النصح إلى الجهات الرسمية بعدم تكراره. فهذا هو المطلوب من اصدقاء الكرد من العرب تقديم النصح، عملاً بالقول المأثور:(صديقك من صدقك وليس من صدَّقك). إن تهديم بيوت الناس على رؤوسهم جريمة يجب أن تدان، سواء جاءت من صدام حسين أو من بيشمركة، أو من أية جهة، سنية، شيعية أو كردية. إذ كما قال فولتير: "أينما حل الظلم، فالمثقفون هم مسؤولون عنه". لذا أرجو من أصدقائنا المثقفين الأكراد أن لا يتهموننا بالشوفينية والزيتوني كما عودونا كلما وجهنا نقداً لمسؤوليهم في مثل هذه الحالات، بل يجب عليهم التبرؤ من هذه الأعمال الإجرامية وإدانتها، كما أدنا جرائم البعث الصدامي من قبل.  
 
إن جريمة التغيير الديموغرافي للسكان في العراق، وخاصة في محافظة كركوك لأغراض سياسية وعنصرية، بالطرق المتبعة من قبل الحكومات العنصرية الفاشية المعهودة وهي: القتل، والترحيل أو الصهر بقومية وديانة السلطة. فقد قام البعث الصدامي بترحيل ألوف العوائل الكردية إلى المحافظات الجنوبية. وتشجيع العرب للسكن في منطقة كركوك في السبعينات، إضافة إلى أن النظام البائد خلق العديد من المشاكل الأخرى مثل توسيع مساحة محافظة الأنبار إلى حدود مدينة كربلاء والسماوة، وضم سامراء إلى محافظة صلاح الدين (تكريت)، وغيرها كثير . 
 
فالذين أرغموا أو تم إغراءهم من العرب على السكن في "المناطق المتنازع عليها" وبعد عشرات السنين صاروا من سكان تلك المناطق، فطردهم من هذه الأماكن عملية تطهير عرقي. وفي هذه الحالة، ماذا عن عائلات كردية تم ترحيلها إلى المحافظات الجنوبية، وبعد عام 2003، اختاروا بملء إرادتهم أن يبقوا في تلك المحافظات، فهل من الإنسانية أن تأتي قوات مسلحة ترغمهم على الرحيل أو هدم بيوتهم؟ 
فحسب الدستور العراقي، يحق لأي مواطن عراقي أن يعيش في أي مكان في العراق. لذلك فعملية هدم بيوت الناس على رؤوسهم وإرغامهم على مغادرة قراهم هي جريمة لا بد من إدانتها، وليس الدفاع عنها بحجة أن قوات البيشمركة تحارب الدواعش.
 
فهذه الجرائم وأمثالها هي التي تستغلها داعش والطائفيون الشوفينيون، لإقناع المواطنين العرب في كركوك ونينوى أنهم (الدواعش) هم حماة أهل السنة من ظلم الشيعة والكرد لهم. وبهذه الطريقة نجحوا في تجنيد الكثير من العرب السنة لمنظماتهم الإرهابية. فبالنسبة للضحايا، لا فرق عندهم إذا تم هدم بيوتهم من قبل الدواعش أو البيشمركة، فهي جريمة حرب تستحق الإدانة. 
 
والجدير بالذكر، أنه في كثير من الأحيان، عندما نذكر الدمار الذي تركه صدام حسين، يرد علينا أيتامه أن صدام قد انتهى قبل 13 عاماً، فلماذا مازلتم تلقون مشاكلكم عليه؟ 
نعم صدم سقط في مزبلة التاريخ ومعه حزبه إلى غير رجعة، ولكن الألغام التي زرعها في المجتمع والتركة الثقيلة التي ورثها الشعب العراقي، مازالت باقية لتتفجر بعد سقوطه وإلى عدة أجيال. إذ كان صدام يعرف أنه لا بد وأن يسقط، لذلك قال قولته المشهورة، أن الذي يحكم العراق من بعده يستلمه أرضاً بلا بشر. ولذلك خلق الكثير من المشاكل في عهده، ولا يمكن التخلص من هذه المشاكل في جيل. 
إن ما يجري من تدمير منازل السكان العرب وتهجيرهم من المناطق المتنازع عليها، يجعلنا نعتقد أنه سياسة ممنهجة من حكومة الإقليم، لسببين: الأول، هو  استمرار عملية الهدم والتهجير من قبل البيشمركة، وهي قوات رسمية تابعة لسلطة الإقليم، وثانياً، ما قاله رئيس الإقليم السيد مسعود بارزاني: أن ما أُخذ بالدم، لا يعاد إلا بالدم .
 
نرجو من الأخوة الكرد أن يعيدوا النظر في حساباتهم وموقفهم من العراق الديمقراطي. فإن أرادوا الإنفصال فلهم كل الحق، ولكن بالوسائل الديمقراطية الحضارية، أما مشكلة "المناطق المتنازع عليها"، فلا يتم حلها بالطرق البعثية الصدامية، بهدم البيوت وتهجير سكانها قسراً، بل، وكما ذكرنا مراراً، بالوسائل السلمية، وذلك عن طريق استفتاء سكان تلك المناطق، لا بالدم، ولا نريد أن يتحول المظلوم إلى ظالم، ولكن يبدو أن الظلم خصلة متأصلة في الإنسان، إذ كما قال المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد    ..... ذا عفة فلعلة لا يظلمُ
 *********
 
ما بعد النشر- Postscript
بعد نشر هذا المقال، استلمت، التعليق التالي من صديق وهو كاتب قدير، رأيت من المفيد إضافته، جاء فيه:
((اعلن في لقاء تلفزيوني ومثبت على صفحته الشخصية، الباحث ابراهيم الصميدعي (وهو رجل سني)، ان هدم الدور العربية وتهجير العشرات من سكان القرى تم بالاتفاق مع وفد زار الاقليم ضم صالح المطلك وعدد من مسؤولي كتلة اتحاد القوى السنية، وعقب عودة الوفد بيوم واحد باشر البيشمركة بالهدم والتهجير.) وأضاف الصديق: (وعلى الاخوة الكورد ان يعيدوا النظر في الكثير من الاجراءات التي غلب عليها طابع الثأرية والانتقام ... العجيب ان جميع سياسي السنة بلعوا السنتهم، ولم يطلقوا كلمة اعتراض على ما يقوم به الاكراد بينما يتعالى صراخهم ليل نهار ..زورا وبهتانا من ان الحشد الشعبي يقوم بالتغيير الطوبوغرافي والتطهير العرقي ...نفس الحشد الذي حرر مدنهم وصان اعراضهم واعاد (عكلهم) الى رؤوسهم .)) انتهى. 
وتعليقي على هذا التعليق الصائب هو : كل شيء ممكن في هذا "البلد الأمين"، ومن قبل هؤلاء "القادة" مال آخر زمان الذين باعوا الأرض والعرض، وجلبوا الدواعش إلى مناطقهم وأذاقوا أهاليهم سوء العذاب بدوافع طائفية.
 
ا . و

المزيد من الدراسات والبحوث

آخر التعليقات