منى كريم: أبحث عن طفلة تزاحم إخوتها لأخذ حيّزها

نشر فى : الثلاثاء 20-09-2016 - عدد القراءات : 423

البصرة / صفاء ذياب .....
نصعد فوق كرسي الحمام كل منا بقدم واحدة حتى تسعنا المساحة، نشاهد العائلة الصغيرة في المبنى المجاور: رجلا وامرأة وطفلا. نتخيل حياة لهم، أسماء، وأشياء في بيتهم خرجت من دعايات التلفاز.

تبدأ الشاعرة منى كريم مجموعتها الشعرية الجديدة (ما أنام من أجله اليوم)، الصادرة مؤخرا عن دار نوفا بلس في الكويت، بقصيدة (حدود) وهي تتحدث عن عائلة تتلصص على جيرانها، وتنهي المجموعة بقصيدة عنونتها بـ (منى كريم) التي ذهبت لتبحث عن نفسها وسط قصائد لا تريد لها أن تتوقف.

تبحث كريم في مجموعتها هذه عن آمال كانت لا تريد أن تبتعد عنها، حلمت بتحقيقها ذات يوم، إلا أنها تشتت بين أكثر من مكان، فكتبت نصوصها التي جمعتها على مدى 102 صفحة من القطع الوسط، لتدونها تحت عناوين مثل: سيجارة ضوء، أفراح هشة، الموت كتمثال، الأسباب الخفية لصداعي، فوق أرضية من نحيب، وغيرها من النصوص.

استقراء المحيط في حديث، تجيب منى كريم عن عنوان المجموعة الذي ربما يختزل الكثير من الدلالات، قائلة إنها كثيرا ما تختار عناوين تجمع المادي والحسي الفطري. فـ «ما» تعود على غير العاقل، لأن الشاعر يستقرئ محيطه الشخصي في الأشياء وسكونها الخادع.

النوم يأتي كفعل استمراري لأن الواحد منا يفتش عن حيوات موازية يستريح في مجهولها. وتضيف كريم أن العنوان قد يثير عند القارئ رغبة لصياغته كسؤال مباشر عن الحياة كرغبة أكثر منها كسببية. وكثيرا ما تبقى قصائد المجموعة في مساحة أمتار من حركة الجسد منذ استيقاظه حتى مشيته المتثاقلة إلى مقهى على رأس الشارع. في مجموعتها هذه، فضلاً عن مجموعتيها السابقتين (نهارات مغسولة بماء العطش) 2002، و(غياب بأصابع مبتورة) 2004، تتلصص كريم على العالم، وكأنها تعيش حياة فتاة معزولة، وحيدة، مبتعدة عن وحشية ما يحدث.. فما الذي تريده من هذا العالم كشاعرة؟ لكنها ترى العزلة والوحدة والفرجة على العالم ثيمات حاضرة في قصائدها. «لا يسعني سوى أن أسترق بعض النظرات على هذه الوحشية كما أسميتها، لأقضي بقية الوقت أرمم الجدران من حولي وأهدمها. هكذا أتشاغل بعيدا عن العالم، أتمنى تفادي التشابك والتقاطع معه لأضيع في فراغاته المسلية».

شعر الحياة اليومية البيت، العائلة، غرفة النوم، الحمام، الشرفة، أماكن كانت مشغل كريم الرئيس في هذه المجموعة، وكأنها تريد إثبات جندرية هذه المجموعة، ربما يتساءل قارئها إلى أي حدٍّ يمكن أن تكون المرأة شاعرة فحسب، من دون أن تتلهف لإثبات أنوثتها في الكتابة؟ غير أن كريم تؤكد أن الذات الأنثوية موجودة في الكثير من القصائد.

بداية من الطفلة الصغيرة التي تتزاحم مع إخوتها لأخذ مكانها من الحيز، إلى المرأة التي تخترق أرواح أحبتها بتجسد حيوانات صغيرة ووصولا إلى الشاعرة التي تخلق شخصيات في دفاترها فتنساهم وينامون كجثث من ورق. «لا أجد محاولة لإثبات الأنثوية فهي ليست شيئا مكتسبا أو زائدا. والجندرية لا تأتي كصفة أو تصنيف مجرد، بل في سياقها المسيس، كما لا تأتي الذات الأنثوية بشكل كلي، بل كمحيط متغير في وصلات زمنية متفاوتة. وهو ما يفسر حضور العائلة والبيت والآخر (مقربا أو مجهولا). أجد أن الصوت في مجموعتي هذه تكتفي بالذات الشاعرة لأنها فضفاضة وعلى مسافة كافية من ذواتها القديمة والآخرين».

كانت لغة المجموعة واضحة وسهلة وبسيطة، حتى كأن القارئ يشعر بأنه يمكن أن يقول شعرا كهذا، وهذا من الصعوبة بمكان لدى الكثير من الشعراء.. وهذه إحدى ميزات كريم في نصوصها، فهي تسعى لجمع خزينها اللغوي مع كل قصيدة، وفي الوقت نفسه ترفض النصوص التي تكون لغتها معجمية من أجل قصائد ربما لا تمثل شعراءها. كريم تشير إلى أن تطوير لغتنا الكتابية مهمة مستمرة طوال رحلة الكاتب نحو أسلوبه.

كلما تطورت وتغيرت هذه اللغة، تحسنت معالجة الشاعر لمحيطه وفراغاته. لكن اللغة (بسيطة أوثقيلة) لا تؤدي مهمة الحسي والفلسفي وحدها. نعرف أن شعراء اللغة العربية- حتى بعد تعامد شمس الحداثة فوقنا- يحبون مغامراتهم المعجمية طمعا في قيمة جمالية ما لكنها باتت رتيبة، غير أنها تلمح مؤخرا محاولات ذكية للتلاعب بهذا الرمل الوافر من الكلمات بهدف مساءلة مصنفات الهوية والانتماء والجمعية وخرافة اللغة الواحدة.

 

المزيد من ثقافة

آخر التعليقات